العراقيون ضحايا "الدولة الموازية" وترسانة أسلحتها... "العشيرة" فوق القانون وبديله

الجمعة 25 فبراير 202203:18 م

يشكو مواطنون وناشطون من اتساع سطوة العشيرة وتهديدها لمدنية الدولة في العراق، ما يتسبب بتفاقم ظواهر العنف الأسري، وخاصةً بحق النساء، فضلاً عن ضحايا نزاعاتها المستمرة. في المقابل، تسعى وزارة الداخلية وبعض المعتدلين من شيوخ العشائر إلى الحد من تلك السلوكيات وتنظيم أطر العمل العشائري بما لا يهدد هيبة الدولة والقانون وقوتهما.

نزوح تحت سطوة العشيرة

وجدت أم حسين (64 عاماً)، نفسها مجبرةً على إعالة نفسها وعائلتها بعد أن اضطرت إلى الهرب من محافظة البصرة إلى ديالى، في إثر نزاع عشائري تورطت فيه عائلتها، فاختارت التواري حمايةً لنفسها وعائلتها. ووسط ظروف شاقة تعيشها اليوم، تضطر أم حسين إلى العمل في بيع السمك يومياً من الصباح وحتى المساء من دون أمل بالعودة إلى سكنها الأصلي.

تقضي أم حسين يومها بجانب بسطتها الصغيرة لبيع السمك على أمل الحصول على بضعة دنانير تعيل بها عائلتها المكونة من 11 فرداً. تقول: "أطالب بإيجاد حل لمشكلتي. منذ ثلاث سنوات وأنا أعيش بعيداً عن محافظتي ومن دون معيل، أولادي عاطلون عن العمل، وأنا لم أجد حلاً سوى بيع السمك بعد أن سمح لي الناس بالجلوس هنا. كل يوم أخرج من المنزل عند الثالثة فجراً وأعود عند العاشرة ليلاً، وذلك كله من أجل الحصول على 30 ألف دينار (15 دولاراً)، بالكاد تسد رمقنا".

عدد الذين قُتلوا في صراعات العشائر خلال عام 2021، بلغ 21 شخصاً، وبعض العشائر تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة ومدافع رشاشةً

وأم حسين ليست وحدها، هناك كثر من ضحايا النزاعات العشائرية يعيشون تحت رحمة وأهواء "شيوخ" وزعماء محليين خلقوا لأنفسهم إطاراً استفاد من الموروث الاجتماعي، وساعدهم في سطوتهم غياب الدولة والنزاعات التي عاشها العراق بعد عام 2003، وصولاً إلى ظهور داعش وما تبعه.

أرقام صادمة

وتنتشر العشائر في غالبية المحافظات العراقية، ولها تقاليدها وعاداتها التي تصل في مكان ما إلى الحلول محل الدولة، وتحديداً في النزاعات التي تنشب بينها أو حتى داخل البيت الواحد.

وأكدت الإحصائيات الرسمية أن المحافظات الجنوبية وبغداد حلت في المراتب الأولى في النزاعات العشائريّة إذ جاءت البصرة في المرتبة الأولى، تليها ذي قار وميسان وبغداد وواسط، كما أشارت إلى أن عدد الذين قُتلوا في صراعات العشائر خلال عام 2021، بلغ 21 شخصاً، وأنّ بعض العشائر تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة ومدافع رشاشةً وأسلحةً أخرى ثقيلةً استخدمتها خلال نزاعاتها الدمويّة.

وترتفع هذه الأرقام عاماً بعد آخر، وهذا ما يثير المخاوف لدى مواطنين وحقوقيين يشكون من اتساع سطوة العشيرة وانتهاج سلوكيات تسببت بتفاقم ظواهر العنف الأسري واضطهاد النساء.

ويرى المواطن ثائر إبراهيم (43 عاماً)، أن "العشيرة أصبحت دولةً موازيةً تحكم بمفردها وتمتلك قانوناً خاصاً"، إذ تمر فترة من دون أن نرى حرق منزل تحت مسميات القصاص، أو عبارة على آخر مطلوب دم للعشيرة، وحسب إبراهيم، "تتحرك العشائر كقوّة منفصلة لا تأبه للقانون أو الحكومة، حتى أنها تشجع أحياناً على جرائم مجتمعية تمارَس بحق المرأة والأسرة ولا يحاسب مرتكبوها المحميون دوماً بغطاء العشيرة وسطوتها".

شيوخ طارئون

في المقابل، عبّر بعض شيوخ العشائر عن رفضهم شيوع مثل تلك الظواهر، عازين انتشارها إلى وجود الدخلاء والطارئين، إذ يدين الشيخ علي عبد كاطع، شيخ عشائر الأكرع في بغداد، تلك الممارسات، وبرأيه من يقوم بها من ممثلي العشائر "ليسوا شيوخاً ولا أولاد شيوخ بل سماسرة يمتهنون مشيخة العشيرة لإجبار الناس على دفع الدية العشائرية والاستفادة منها".

تتحرك العشائر في العراق كقوّة منفصلة لا تأبه للقانون، حتى أنها تشجع أحياناً على جرائم مجتمعية تمارَس بحق المرأة والأسرة ولا يحاسب مرتكبوها المحميون دوماً بغطاء العشيرة وسطوتها

ويبيّن كاطع في حديثه إلى رصيف22، أن "البعض من أصحاب الأموال بدأ بالادعاء بأنه شيخ عشيرة، وتارةً تراه مع الدولة وتارةً ضدها، حسب مصلحته الآنية والشخصية"، واصفاً إياهم بالمرتزقة "بعد تسببهم بخراب أصالة العشيرة ودورها في حفظ القيم ومنع الاعتداء على الآخرين".

السلاح وقود النزاعات

يطالب عضو مفوضية حقوق الإنسان، فاضل الغراوي، الحكومة العراقية باتخاذ اجراءات واسعة وصارمة إزاء أعمال العنف التي تحصل بين عشائر عراقية. ويؤكد لرصيف22، أن "استمرار النزاعات العشائرية من دون رادع من قبل الحكومة يهدد السلم المجتمعي العراقي"، لافتاً إلى "سقوط مدنيين نتيجة الرصاص الطائش"، ويدعو "العشائر وشيوخها إلى وقف هذه الصراعات التي لا تمثل دور العشائر المعروفة بانضباطها وعدم ممارستها أو لجوئها إلى الأعمال المسلحة العنيفة".

تمتلك العشائر العراقية سبعة ملايين قطعة سلاح غالبيتها غير مرخصة، على الرغم من كل مشاريع حصر السلاح في يد الدولة

ووفقاً لوزارة الداخلية العراقية، فإن العشائر العراقية تمتلك سبعة ملايين قطعة سلاح غالبيتها غير مرخصة، على الرغم من كل مشاريع حصر السلاح في يد الدولة من قبل جميع الحكومات المتعاقبة بعد العام 2003، وتقول في المقابل إنها اتّبعت إستراتيجيةً قائمةً على تفعيل دوائرها المجتمعية وبث التثقيف والتوعية بمخاطر تلك الظواهر.

ويبيّن اللواء خالد المحنة، المتحدث باسم وزارة الداخلية، أن الوزارة "وضعت إستراتيجيةً وأوعزت إلى المديريات التابعة لها بضرورة مكافحة هذه الظواهر"، لافتاً إلى أن "هذه الظواهر لا زالت تحدث بين الحين والآخر، لكن عند النظر إلى مستوى العدد نراه في تناقص مستمر".

تهديد مدنية الدولة

وتضمنت وثيقة صادرة عن شيوخ عموم القبائل، تم التوقيع عليها خلال مؤتمر لشيوخ العشائر عُقد في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تعديلاً لبعض العادات التي لم تعد تتماشى مع القانون العراقي والدولي، أبرزها إنهاء ظواهر النهوة والفصلية المجحفة بحق النساء، ونبذ العنف الأسري وتعزيز مفهوم المواطنة ومساندة سلطة القانون.

لكن وعلى الرغم من تلك التحركات، لا تقتصر مخاطر سطوة العشيرة حتى اليوم على النزاعات فحسب، بل امتدت لتهديد مدنية الدولة وتفشي العنف الأسري وسط محاولات المعتدلين من شيوخها والحكومة لإيقاف تفشي هذه الظواهر، وأم حسين واحدة من مئات الحالات التي وقعت ضحية نزاعات غابت عنها الدولة، وتُركت بين يدي من يملك السلطة المحلية والقوي الذي يسنّ قوانينه بقوة السلاح، ووفقاً لأهوائه أو أهواء جماعته. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard