القضاء "العادي" في العراق الذي لا يرغب أن يكون عادياً

الأربعاء 23 فبراير 202203:16 م

تبدو القصة هذه المرة مختلفةً إلى حد ما، وهي مثيرة ومسكوت عنها إلى حد بعيد، فسرد القصص عن هذه الموضوعات مجازفة خطيرة في بلد يعيش تقاطعاتٍ نظريةً وعمليةً خطيرةً، ويفتقد الشفافية المفترض أن تكون إحدى ركائز صيغته التأسيسية الجديدة، أي عراق ما بعد عام 2003. فهل يعني أن ما نكتبه هو من باب حرية التعبير كمبدأ أخلاقي ودستوري، أم أنه يقع ضمن إطار الإهانة الأخلاقية والقانونية مرةً أخرى لمؤسسات الدولة وأركانها؟

ونحن، من يُحاول أن يفهم، لا نعرف ما يهين وما يقع ضمن اشتراطات "النقد الهادف الأخلاقي" على الصيغة التي يرغب فيها النظام السياسي الحالي، فالخطوط والحدود غير واضحة وغير متفق عليها.

الشبكة المعرفية المؤسسة لهذا النظام غير مفهومة، أو هكذا أريد لها أن تكون، فهي ليست ديكتاتوريةً واضحة السياسات والخطاب، ولا هي ديمقراطية واضحة الحدود وشفافة بالقدر الذي يتيح للناس أن يقولوا ويتعلموا ويعيشوا وفق أُطر قانونية واضحة. نحن مثلاً محكومون بتقاطعات النصوص المؤسسة لهذا النظام، والدستور العراقي لعام 2005 كنصّ مؤسس، يتقاطع مثلاً مع نص قانوني أقدم منه، أو ربما مع نص جاء بعده، وكذلك يتقاطع مع الصيغ العملية والأعراف السياسية للنظام.

الشبكة المعرفية المؤسسة لهذا النظام غير مفهومة، أو هكذا أريد لها أن تكون، فهي ليست ديكتاتوريةً واضحة السياسات والخطاب، ولا هي ديمقراطية واضحة الحدود

كل صيغة في هذا النظام تتقاطع مع صيغة أخرى، وتحاول إزاحتها والهيمنة عليها. وكل مبدأ نظري تقاطعه أو تزيحه صيغة عملية تحاول هي الأخرى الهيمنة في غابة المصالح والإزاحات والتقاطعات التي لا رغبة داخلها غير الهيمنة. فأنت ربما تكتب وتناقش ضمن صيغة نظرية أو مسبَق معرفي ديمقراطي تتبناه، فتجد نفسك ملاحقاً بتهمة إهانة مؤسسات النظام. هذه الفوضى النظرية-العملية جعلت المهتمين بالشأن العام العراقي من باحثين وصحافيين ومدونين يطاردهم شبح المادة (226 من قانون العقوبات العراقي)، والتي هي إحدى المصاديق الأصيلة للتقاطع مع الدستور كصيغة مؤسسة ضمن حفلة التقاطعات هذه، إذا لم تكن قد أصابتهم فعلاً لعنة الكاتم ضمن حفلة "الصكّ" الأصيلة.

وتنص المادة 226 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، على أنه "يعاقَب بالسجن مدةً لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس أو الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية مجلس الأمة أو الحكومة أو المحاكم أو القوّات المسلحة أو غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية".

القصّة طبق الأصل

لم يكن الأمر محسوساً إلى هذه الدرجة من الوضوح قبل عام 2017، العام الذي تم فيه إقرار قانون مجلس القضاء الأعلى في العراق المرقم 45 لسنة 2017، وفيه تم فعلاً فصل مجلس القضاء الأعلى عن المحكمة الاتحادية، فلم يعد رئيس المحكمة الاتحادية رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، فالمحكمة الاتحادية هي مؤسسة مستقلّة بشكلها وموضوعها، فهي تتعامل مع الدستور كنص مؤسس ووثيقة ذات "أعلوية" قانونية تامّة تتضمن فكرة الدولة في شتى عناصرها، وهي بهذا منفصلة عن مجلس القضاء الأعلى الذي صار معنيّاً بإدارة القضاء "العادي" في البلاد فحسب.

تنحصر وظيفة المجلس في إدارة شؤون القضاء في البلاد، أي المحاكم العادية التي تنتشر في العراق وتمارس دورها القانوني ضمن إشراف مجلس القضاء الأعلى وإدارته، تعالج فيها القضايا والجرائم العامة ضمن أطر قانونية وعرفية تضمن استقلالية القاضي والقضاء بشكل عام. هذه الإدارة البيروقراطية مستقلة ضمن مبادئ الفصل بين السلطات التي هي أساس النظام الديمقراطي، والتي تجعل من القضاء حصناً محايداً ضد تغوّل بقية السلطات. هذه الأداتية المستقلة المحصنة هي موضوع القانون، إذ إن القانون محصّن بذاته حتى من العواطف الشخصية وهذه طبيعة النص القانوني كونه نصاً أداتياً محسوباً كأنه مسطرة فيها قياسات ثابتة، يرسم قانون مجلس القضاء الأعلى حدوداً واضحةً لهذه الاستقلالية، ولا توجد في نصوص هذه القانون صيغة تتعلق برسم علاقة معيّنة مع النظام السياسي أو حل لتناقض سياسي محدد.

تنحصر وظيفة المجلس في إدارة شؤون القضاء في البلاد، أي المحاكم العادية التي تنتشر في العراق وتمارس دورها القانوني ضمن إشراف مجلس القضاء الأعلى وإدارته

ونص القانون بارد جداً وأداتيّ بيروقراطي، كأنك أمام صيغ رياضية تجعل من عملية التقاضي مختبراً علمياً فارغاً من المشاعر، ومجلس القضاء الأعلى وفق القانون هو الضامن الحقيقي لعمل هذا المختبر الحيادي، فالعامل في المختبرات العملية يدخل منزوع العواطف والمشاعر إلى حد ما. هكذا من المفترض أن تكون قصة القضاء العادي أو يومياته وفق صيغته النظرية، ولكن هل السياق العملي لإدارة هذا الحقل المحايد وفية لصيغتها النظرية؟

رغبة المستبد

لم يكن تحرر مجلس القضاء من المحكمة الاتحادية عام 2017، بما يضمن الحياد للقضاء العادي، كافياً لرئيس المجلس الجديد. فبعد أن انفكّ من قبضة المحكمة الاتحادية، أخذ يسعى منذ البداية إلى إعادة السيطرة على المحكمة الاتحادية، لكن هذه المرة كانت المبادرة من الطرف المتحرر، أي مجلس القضاء الأعلى، وهذا ما صنع صراعاً بارداً بين الرئاستين ظهرت أخيراً في كتاب أرسله رئيس مجلس القضاء في أثناء النظر في قانون تعديل المحكمة الاتحادية العليا من قبل البرلمان السابق في شهر آذار/ مارس عام 2019.

ويتحدث مضمون هذا الكتاب وفق برلمانيين، عن مسؤولية مجلس القضاء الأعلى وليس البرلمان في اختيار رئيس المحكمة الاتحادية العليا وأعضائها، وهو ما عدّه مختصون وبرلمانيون غير قانوني كون هذه المحكمة مستقلةً بموضوعها وفعلها كونها محكمةً مختصةً بالمنازعات الدستورية وغيرها من الاختصاصات التي هي بعيدة عن مجال القضاء العادي، وهو ما كان أحد الأسباب التي أخّرت تعديل قانون المحكمة، فيما عدّه برلمانيون جزءاً من صراع الهيمنة بين الرئاستين.

ثمة هوس من استقلالية المؤسسات القضائية يهيمن على رئاسة مجلس القضاء الأعلى، كما هو واضح من السلوك العملي لرئاسة "القضاء العادي"، التي لا تستهويها غير فكرة الهيمنة المطلقة

أما في ما يتعلق بقانون جهاز الادّعاء العام رقم 49 لسنة 2017، وهو قانون يحاكي فكرة النيابة العامة التي تمارس من ضمن ما تمارسه الرقابة على المال العام ودعم ديمقراطية النظام السياسي، فيتضمن أيضاً فكرة الاستقلالية الإدارية عن مجلس القضاء العادي، وهو ما لا تستهويه رئاسة المجلس، لذلك بقي القانون على الرغم من تشريعه معطلاً على مستوى الفعل، فلم يُهيّئ مجلس القضاء الظروف المناسبة لانبثاق هذا الهيكل المستقل الفاعل وفق قانونه "غير العادي" إلى أن وصل الأمر إلى أن تقدّم رئاسة المجلس طعناً في قانون الادّعاء العام أمام المحكمة الاتحادية في المواد التي تتعلق باستقلالية هذا الجهاز.

ثمة هوس من استقلالية هذه المؤسسات يهيمن على رئاسة مجلس القضاء الأعلى، ومرده ليست النصوص المؤسسة لهذا الهيكل، بل كما هو واضح من السلوك العملي لرئاسة "القضاء العادي"، التي لا تستهويها غير فكرة هيمنة السلطة "الإدارية" للقضاء على مجمل النشاط القضائي في البلاد، فلا ترغب هذه الرئاسة بتعدد مراكز الحقل القضائي، بل هي تكافح من أجل مركزية واحدة لسلطة قضائية واحدة، فلا تستهويها أن تكون المحكمة الاتحادية مستقلةً تقدّم آراءً قانونيةً ملزمةً حتى لهذه الرئاسة، ولا رغبة لها في وجود "نيابة عامة" مستقلة تراقب الشأن العام.

الهيمنة على الشأن العام

القاعدة الأساسية في عمل "القضاء العادي"، أنه بعيد عن أي تماس مع الشأن العام بشكل مباشر، فالقاضي يتعامل مع جرائم وأفعال عادية وله مدوّنة نظرية ضخمة يتعامل معها بشكل تقني، ربما تفلت قليلاً من هذه القاعدة محاكم وأجهزة قضائية ذات طبيعة خاصة، منها المحكمة الاتحادية التي يكون اشتغالها ذا طابع نظري دستوري، فنشاط هذه المحكمة يكون بمجمله تأويلاً للنص الدستوري بما يتوافق مع قصد المشرع أولاً، وتأثراً بأفكار "دستورانية" ومؤثرات نظرية تخص فكرة الدولة الحديثة بما تضمنه من مبادئ عن الحريات الشخصية والعامة، وهذا صراع اجتماعي ثقافي مستمر في البلدان كلها، إذ تحاول دائماً المحاكم من هذا النمط صناعة تسويات ضمن الأطر الدستورية المكتوبة ومتفقة مع روح هذا النص إن كانت ديمقراطيةً أو غير ذلك.

القاعدة الأساسية في عمل "القضاء العادي"، أنه بعيد عن أي تماس مع الشأن العام بشكل مباشر

من هنا، تتبين علاقة الشأن العام أو الفضاء العمومي وتأثيره على صناعة هذه التسويات النظرية التي لها "أعلوية" على الهرم التشريعي، وهذه الفكرة كما هو واضح لا تستهوي شخصية رئيس مجلس القضاء، الذي هو أكثر استقطاباً لأفكار الإسلام السياسي التي تحاول جاهدةً التحكم والهيمنة على محركات الشأن العام، وكذلك مستوعَباتها مثل المحكمة الاتحادية والادعاء العام، بل ويبدو أكثر استقطاباً عندما يزور ضحايا المعترضين على نتائج الانتخابات الأخيرة، بينما لم يخرج أي توجه عملي نحو محاسبة قتلة أكثر من خمسمئة مواطن سقطوا ضحايا إجرام السلطة الواضح، ولا ذنب لهم سوى كونهم ضمن الحراك المدني الديمقراطي، في وقت يستقطب قادة أحزاب سياسية، في انتهاك واضح لأبسط الأعراف والبيروقراطيات القضائية.

في العراق اليوم، نحن أمام تجربة قضائية مهددة بأن تكون أكثر تمركزاً واستبداداً وعدم شفافية، وأمام حقل قضاء لا تتحكم فيه المدوّنات المكتوبة والأعراف المتواترة، بل أمام تشخصن هذا الحقل بشخص رئيسه الطامح المستَقطب. أو ليست الدكتاتورية هي أن تبتلع فكرة واحدة أو شخص واحد ما هو مكتوب ومدوّن وما هو معروف بشكل طبيعي ضمن أدبيات بناء المؤسسات في دولة تفترض هياكلها المادية والنظرية أنها حديثة تؤمن ببناء المؤسسات، وليس الأشخاص، والفصل بين السلطات وحيادها أمام الشأن العام؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard