الأطباء والمعالجون النفسيون في لبنان مرهقون أيضاً

الاثنين 21 فبراير 202210:26 ص


بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، ذلك الحدث الذي أيقظ فينا أزماتنا المتراكمة، لجأتُ إلى طبيب نفسي لأنني لم أعد قادرة على احتمال ما يجري حولي وأثره عليّ. وفي آخر زيارة قمت بها له، استغربتُ لحيته الطويلة وتعابير وجهه وحتى مظهره النحيل. "يمكن في شي مزعلو"، قلت بيني وبين نفسي ومضيتُ ولم أكترث للأمر كثيراً.

قبل أيام، أخبرني أحد الأصدقاء أن طبيبه النفسي الذي يزوره باستمرار بات "يحتاج إلى تلقي العلاج". هذه ليست مزحة سمجة أو جملة نُطقت دون تفكير.

يقول: "أثناء مراجعتي الدورية لطبيبي، شاهدته مرهقاً، وكان كلما حدّثته عن مشاعري السلبية يقول لي إننا نمرّ بظروف صعبة في لبنان وإن ما أعيشه طبيعي، وكلنا نختبر المشاعر السلبية".

أطباء ومرضى في آن واحد

لم أفكر سابقاً بأن الأطباء والأخصائيين النفسيين قد يصابون بالداء الذي يداوون مرضاهم منه. لطالما اعتبرت أنهم ملجؤنا في وقت الانكسارات والانهزامات، ومن حالات اكتئابنا وقلقنا وأسوأ مراحل حياتنا، بينما هم يبقون آمنين محصّنين.

صديقتي صفاء التي تتلقى بدورها علاجاً نفسياً من ضغوط باتت ترهقها، منذ أكثر من عام، وباتت مهتمة جداً بعالم العلاج النفسي، أخبرتني أن مَن يعملون في عالم الصحة النفسية يتلقون كماً هائلاً من حكاياتنا وأحزاننا وأزماتنا ومشاعرنا السلبية، التي تفاقمت جداً منذ عامين وحتى اليوم، ولا أحد يعلم إلى متى يصمدون. "هم أيضاً في وضع لا يُحسدون عليه"، قالت لي.

أخبرتني عن كتاب "ربما عليك أن تكلّم أحداً" الذي تقارب فيه الكاتبة الأمريكية لوري غوتليب، وهي معالجة نفسية أيضاً، مسألة كونها معالجة نفسية ومريضة في آن. خلاصة الكتاب أن نفس الأسئلة التي يطرحها مرضاها عليها، تطرحها هي على معالجها وتبحث عن إجابات لها.

لا ينفصل الأطباء والمعالجون النفسيون عمّا يعيشه اللبنانيون. هم جزء من مجتمع متضرر بكامله، ويناضل من أجل البقاء والاستمرار... والنجاة.

تقول الأخصائية النفسية لُمى أمهز لرصيف22: "في النهاية نحن بشر، نتأثر ويلحق بنا الأذى النفسي، وفي أوقات كتيرة نحتاج إلى دعم نفسي".

"أكيد تأثرت بكورونا وبالانهيار الاقتصادي"، تروي مضيفة: "مثلي مثل أي مواطن في البلد، تضررت نفسياً وصحياً، واحتجت إلى دعم نفسي، وزرت طبيبي المختص".

وتتابع: "نحن أكثر من أي شخص آخر، نحتاج بين فترة وأخرى إلى زيارة معالج، فما بالك بالحال في ظل كل الأزمات التي نعيشها في لبنان راهناً؟".

وتلفت أمهز إلى أن الأطباء والمعالجين النفسيين لا يختلفون عن طبيب القلب مثلاً، إذ هو معرّض أيضاً وفي أيّ وقت للإصابة بأزمة قلبية.

ولكن ماذا عن الطبيب الذي يلجأ إليه الأطباء والمعالجون النفسيون؟ تجيب أمهز: "مَن نلجأ إليه كأطباء ومعالجين وأخصائيين، هو بدوره يلجأ إلى أشخاص آخرين للحصول على الدعم النفسي".

الأعداد إلى تزايد

مع تفشي فيروس كورونا ووقوع انفجار مرفأ بيروت، وقبلها بداية كابوس الانهيار الاقتصادي الذي ما زال يخيم على الناس، تفاقمت معاناة اللبنانيين. تسبب ذلك بارتفاع أعداد المرضى الذين يقصدون عيادات الطب النفسي ويطلبون الدعم النفسي.

تؤكد مديرة التواصل والإعلام في جمعية Embrace هبة دندشلي لرصيف22 أن "عدد الأفراد الذين يطلبون الدعم النفسي من الجمعية زاد خلال العامين الأخيرين".

بحسب أرقام الجمعية التي تنشط لجعل الصحة النفسية والحصول على الرعاية النفسية اللازمة حقاً للجميع، قفز عدد الاتصالات التي تتلقاها من نحو 2200 اتصال عام 2019 إلى 6100 عام 2020 ومن ثم إلى 10 آلاف اتصال في عام 2021.

"قبل أيام، أخبرني أحد الأصدقاء أن طبيبه النفسي الذي يزوره باستمرار بات ‘يحتاج إلى تلقي العلاج’. هذه ليست مزحة سمجة أو جملة نُطقت دون تفكير"

وتقدّم الجمعية الدعم النفسي لكل مَن يتواصل معها هاتفياً عبر خط الحياة 1564، وهو الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، وأنشئ بالشراكة مع وزارة الصحة.

"تتعدد الحالات التي تطلب المساعدة"، توضح دندشلي، "لكن غالبيتها تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، وتشعر بالقلق والإحباط والخوف، والعديد العديد من الأشخاص يميلون إلى إنهاء حياتهم عن طريق الانتحار".

تشير دندشلي إلى أن أكثر أسباب التأزّم التي يصرّح بها المتصلون هي الوضع الاقتصادي والاجتماعي المأزوم وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت من جهة.

أمام هذا الواقع، رفعت الجمعية ساعات تلقي الاتصالات من 14 ساعة يومياً في عام 2019 إلى 21 ساعة في عام 2021. وتلفت دندشلي إلى أن الخط سيستقبل بدءاً في أواخر آذار/ مارس المقبل اتصالات 24/24.

باتت زيارة الأطباء والمعالجين النفسيين في عياداتهم مكلفة جداً وخارجة عن متناول الأغلبية، حتى أبناء الطبقة الوسطى في لبنان، ما زاد من طلبات الدعم النفسي المجانية.

وقد يتطلب حجز موعد لدى أحد المعالجين انتظار مدة أربعة أشهر، بسبب انخفاض كلفة الجلسة لديه مقارنة مع غيره.

وتقول دندشلي: "نخسر اليوم بفعل الهجرة أعداداً كبيرة من المتطوعين والأطباء النفسيين، في وقت ازدادت فيه طلبات المساعدة النفسية".

لا أرقام دقيقة

يؤكد نقيب مستوردي الأدوية في لبنان كريم جبارة لرصيف22 أن "أدوية الأمراض النفسية توضَع في خانة أدوية الأمراض المزمنة"، ويشير إلى أنه "لا يمكن تحديد زيادة حالات العلاج النفسي أم لا من خلال كمية الأدوية المستوردة، وذلك ليس لأنها لم ترتفع، بل لأن كمية الأدوية التي تستورد هي أقل من السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية".

ويضيف: "وفق الإحصاءات، الأدوية التي تصل إلى الصيدليات للأمراض المزمنة، كالقلب والدم، هي تقريباً 50% مما كانت عليه قبل الأزمة أي في عام 2019".

يبدأ نائب رئيس المجلس العالمي للعلاج النفسي في فيينا (WCP) وممثل المشرق العربي في المجلس، البروفسور عباس مكي حديثه لرصيف22 بتوضيح أن "الأزمات في لبنان متنوعة. هي اقتصادية، اجتماعية، مؤسساتية، سياسية، وأخيراً نفسية".

ويضيف: "عادةً، يتأثر الفرد نفسياً نتيجة غياب البيئة الملائمة لعيش حياة كريمة، والطبيب أو المعالج النفسي هما كأي فرد، يتأثران بكل ما يدور حولهما".

يشير مكي إلى أن "المشكلات النفسية تبدأ بالتراكم داخل الفرد منذ صغره، فهو يتنقل في مؤسسات مختلفة، ويمرّ بظروف تتسبب له بأوجاع نفسية، فما بالك بوضعه راهناً وهو يعيش كل هذه الأزمات والظروف في لبنان؟ لو كان حجراً لتكسّر".

"المشكلات النفسية تبدأ بالتراكم داخل الفرد منذ صغره، فهو يتنقل في مؤسسات مختلفة، ويمرّ بظروف تتسبب له بأوجاع نفسية، فما بالك بوضعه راهناً وهو يعيش كل هذه الأزمات والظروف في لبنان؟ لو كان حجراً لتكسّر"

عن وضع الأطباء في ظل الأزمة، يفيد بأن "لدى الطبيب أو المعالج النفسي القدرة على أن يسيطر على وجعه كي يتمكن من إيجاد حلول للناس"، ويتابع أنه "كلّما تمكن الطبيب والمعالج النفسي من أن يكون متيناً داخلياً، فإنه حتماً لن يؤثر على مرضاه".

ولكن كيف؟ يجيب مكي: "عليه أن ينظف أزماته المتراكمة داخلياً ويعاين نفسه طبياً ونفسياً، لا سيّما وقت الأزمات، وأن يجري صيانة دائمة لنفسه".

وينصح مكي بأن يشارك الأطباء والمعالجون باستمرار في مؤتمرات وندوات، وأن "يلجأوا إلى مَن هو أكثر خبرة منهم وعلى اطلاع ومعرفة بملفهم، من وقت لآخر" معتبراً أن هذا الأمر ضروري وملزم في المهنة.

الأزمة أعمق مما يبدو

تقول سارة (30 عاماً) لرصيف22: "الأطباء والمعالجون النفسيون يتقنون تخبئة ما يشعرون به كي لا نرى عمق أزماتهم وكي لا نفقد الثقة بأنهم قادرون على مساعدتنا". "بس بتضل القشور ظاهرة ومنقدر نحس إنهن مش مرتاحين"، تضيف.

تؤكد أخصائية نفسية فضّلت عدم ذكر اسمها لرصيف22 أنه "منذ أن بدأ انهيار البلد وعشنا كابوس كورونا وانهيار الليرة وغيرها من الأمور، شعرت بأن الحياة توقفت ‘وبطّل عِنّا كونترول عَ شي’. دائماً أشعر بأنه لم يعد هناك أي حلّ".

تقول: "شعرتُ بفراغ كبير، ولا أعرف إلى أين نتّجه. كأنني تائهة ولكنّي أكمل سيري"، وتضيف: "لم أجد أمامي سوى أن أزور الطبيب النفسي الذي ألجأ إليه بين فترة وأخرى ليساعدني كي أتحسّن".

هناك وجهة نظر تقول إن مَن يكون خبيراً بتفاصيل مرضه يكون أكثر قدرة على تقبله وفهمه والتعامل معه. على الأقل، لن يخجل الطبيب أو المعالج النفسي من زيارة مَن يساعده على تخطي أزماته، فهو محصّن من الأثر السلبي للوصم الذي لا يزال يبعد كثيرين عن طلب المساعدة.

عن الفارق بين مَن يعملون في عالم العلاج النفسي والآخرين، تقول أمهز: "ربما ما يميّزنا عن غيرنا أننا نتحمّل أكثر، ونتفاعل مع الأمور بطريقة مختلفة، فأغلبنا يخضع في مجال دراستنا لعلاجات نفسية تحصّنه إلى حد ما".

من جهتها، تجد الأخصائية النفسية التي فضّلت عدم ذكر اسمها أن اختصاصها ساهم في فهمها لحالتها أكثر. تقول: "ربما ساعدني اختصاصي على فهم ما أشعر به وأستوعب كيف يجب أن أتعامل مع نفسي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard