الروائي العربي ومخياله الأسير

الأحد 20 فبراير 202211:18 ص

إن المتأمل في المشهد الروائي وتاريخ الرواية العربية يلاحظ أن الرواية تتورّط يوماً بعد يوم في سؤال المعنى، وتبتعد يوماً بعد يوم عن أسئلة الشكل وهواجس الفن.

فالأعمال التي يُحتفى بها هي التي ترفع الشعارات الوطنية أو القومية والتي تنبش في التاريخ لاستعادة ما يسمونه بالهوية المهدّدة، عبر رواية توظيف التراث أو الرواية التاريخية أو رواية محاورة التاريخ. وهي روايات في الغالب تحتفل بالهاجس القومي والعام، دون التفات كبير إلى الفرد، فما زالت الكتابة الروائية العربية غارقة في أفكار الجماعة وتستمد مشروعيتها منها باعتبارها أحد قنواتها لتكريس حضورها، إن كانت تلك الجماعة في السلطة أو في المعارضة.

الروائي كائن سياسي وإيديولوجي

ينخرط الروائي العربي في العمل السياسي دون أن يعلم، فيجد نفسه في لحظة ما قد تخنّدق مع جماعة ضد جماعة، بدعوى الدفاع عن قيم الديمقراطية والليبرالية أو بدعوى الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية أو غيرها. وهو متآمر على نفسه طوال الوقت، فيسلبه الآخر المضاد لسانه، ليسقط في خطاب مونولوجي يخدم الطبقة التي يدافع عنها أو التيار السياسي أو الإيديولوجي الذي ينتمي إليه. وهو متورط في الغالب في مجاملة القطيع، وفي أقصى الحالات يغضّ الطرف عن إخفاقات التيار الذي ينتمي إليه، ويتجنّب مساءلته أو إحراجه، وكل الأعمال الروائية التي حاولت أن تخلخل هذه العقيدة هاجمتها تلك التيارات وأخرجت كتّابها من ملّتهم.

إن المتأمل في المشهد الروائي وتاريخ الرواية العربية يلاحظ أن الرواية تتورّط يوماً بعد يوم في سؤال المعنى، وتبتعد يوماً بعد يوم عن أسئلة الشكل وهواجس الفن

الروائي والتاريخ

يقول عبد الرحمان منيف، إن العربي "سيحتاج أن يقرأ الروايات ليتعرف على تاريخه"، وكان يقصد أن التاريخ المكتوب هو تاريخ مزوّر كتبه وأعاد كتابته الساسة الذين أُسقطوا أو تم الانقلاب عليهم، لذلك لا يمكن الاطمئنان لكتب التاريخ في مجتمعات ترزح تحت أنظمة شمولية، لأن المؤرخ مؤرخ السلطان وليس البلاد.

غير أن هذا التميز دفع بالروائي العربي إلى التورط في دور المؤرخ ذلك الناقل لأخبار المجتمع، والمجتمع هو نفسه قطيع من القطعان تتقاطع مصالحها فكرياً وأيديولوجياً، وهذا التورط في العالم والعمومي يبعد الروائي عن الفردي كما يبعده عن الإنساني المحض.

ونعتبر أن ذلك سبباً من أسباب نبذ العرب للسيرة الذاتية أو ازدرائهم لها، لأنها ناطقة بتجربة الفرد المتمرد على المجموعة، وكذلك فعلوا مع الشعراء الخارجين عن القبيلة منذ الجاهلية، والذين كان عقابهم الخلع والطرد، فالكلام في غير شؤون الجماعة صعلكة وجب كبحها أو التخلص منها.

إن الروائي العربي لا يسمح له بأن ينحت خطابه الخاص وموقفه الخاص أو أن يفكر بطريقة حرة أو بطريقة مضادة لفكر المجموعة، فيجابه نزوعه إلى الحرية بأمرين اثنين، إما الإغراء عبر الجوائز والأوسمة أو الطرد والمحاصرة.

أساليب الطرد والحصار

يقول عبد الرحمان منيف، إن العربي "سيحتاج أن يقرأ الروايات ليتعرف على تاريخه"، وكان يقصد أن التاريخ المكتوب هو تاريخ مزوّر كتبه وأعاد كتابته الساسة 

يبدو أن كل محاولة لكتابة المختلف شكلاً أو أسئلة تواجه برد عنيف بداية من دور النشر التي قد ترفض عمل الكاتب أو الموزعين والمكتبات إلى المؤسسات الثقافية التي تروّج للكتب عبر اللقاءات أو الجوائز الأدبية، فتنعت تلك الأعمال إما بأنها مخلّة بالآداب وتمثل خطراً على المجتمع، أو تسيء إلى سمعة البلاد، فتوضع في القائمات السوداء ويستبعد صاحبها في مرحلة ثانية من الوجود في الفضاء الثقافي، كالمهرجانات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والتي تسمى الوطنية والقومية، وقد يدفع هذا الحصار الناشر المغامر إلى إعادة التفكير في جدوى النشر لكاتب ملعون، خاصة أن مؤسسات الدولة هي أكبر حليف للناشر، فهي التي تشتري في الغالب قسماً كبيراً من النسخ المنشورة في معظم البلدان. ونفس تلك السلطة ستضيق على الناشر إذا استمر في النشر له عبر محاصرة منشوراته الأخرى في مكتباتها، ويصل الأمر في بعض البلدان العربية اليوم إلى منع الناشر من المشاركة في معارضها الدولية للكتاب.

إذا كانت مثلاً الرواية البورنوغرافية نوعاً من الروايات المعترف بها في العالم، وإذا كانت الرواية البوليسية، بكل تمثلاتها الكلاسيكية والتجريبية، نوعاً آخر من الرواية المكرسة، وكذلك روايات الخيال العلمي، فهذه الأنواع تستبعد من الاحتفاء الرسمي وشبه الرسمي العربي، دون أن تكون تلك القرارات معلنة في بنود الاحتفاء، فلا تجدها في شروط نيل الجوائز ولا الأوسمة لأن ذلك يعتبر في عرف باعثيها من البديهيات.

إن النتيجة التي توصلنا لها اليوم هو اختفاء تلك الدهشة التي تحدثها بعض الأعمال الابداعية في العالم من خلال خروجها عن النمط والطرق المسطورة، لأن المخيال العربي، بكل بساطة، محاصر وفق قوالب معينة لا يمكن الخروج عنها.

يبدو أن كل محاولة لكتابة المختلف شكلاً أو أسئلة تواجه برد عنيف 

تطور الرواية في حقول اليأس

لم يكن الشأن الغربي أفضل حالاً في بداياته، فكل الأعمال التي صارت أيقونات ومن كلاسيكيات الأدب العالمي اليوم، كُتبت خارج مسار الإبداع وقتها، وتعرّضت لها الرقابة بشتى الأشكال، من الحظر إلى اعتقال أصحابها أو محاكمتهم، ولنا في روايات "مدام بوفاري" لفلوبير و"الحارس في حقل الشوفان" لسيلنجر و"البرتقالة الآلية" لأنتوني بيرجيس و"لوليتا" لنابوكوف و"مزرعة الحيوان" و"1984" لجورج أورويل و"عوليس" لجيمس جويس، أمثلة دامغة.

لم يكن الشأن الغربي أفضل حالاً في بداياته، فكل الأعمال التي صارت أيقونات ومن كلاسيكيات الأدب العالمي اليوم، كُتبت خارج مسار الإبداع وقتها، وتعرّضت لها الرقابة بشتى الأشكال

لكن يبدو أن الرواية العربية ستتطور يوماً في مشاعر اليأس، أي تلك اللحظة التي ييأس فيها الروائي من أن يكون له شأن رسمي، ويغامر وحيداً كلقيط في هذا العالم، لا ينتظر اعترافاً عبر الإعلام أو الجوائز أو حتى القراء، في تلك الحقول الشيطانية التي لا إله فيها ولا إيديولوجيا ولا تاريخ مجيد ولا طلل يُبكى، سيقف الروائي في مواجهة نفسه ومواجهة العالم عبر تخييله الفردي وفكره الحر.

هذا ما حدث مع محمد شكري في روايته السير ذاتية "الخبز الحافي"، التي رفض فيها حتى الانصياع لطلبات لسهيل إدريس، صاحب دار الآداب الذي طالبه بتغيير ببعض المفردات التي رآها محرجة كشرط لنشر العمل، وظل عمله سنوات في الأدراج، حتى أنه نُشر بالإنجليزية والفرنسية قبل ظهوره بالعربية في دار الساقي. وكان محمد شكري بذلك العمل قد حرر الرواية العربية من سلطة اللغة العربية النقية من ناحية، وهتك ستر السيرة الذاتية ونموذجها البروباغندي الشريف الذي وضع أسسه طه حسين بسيرته " الأيام" من ناحية ثانية.

لم يكن محمد شكري يطمح لشيء كبير عربياً عندما كتب، وكان يعلم أنه يسبح ضد التيار، وتيار لا يذكر إلا مرفوقاً بدوره بلقب يجعل من اقتحام هذا الجنس تمرداً ووقاحة، إنه الجنس الذي نبغ فيه عميد الأدباء العرب طه حسين.

لم يكن طه حسين مجرد كاتب بل كان سلطة أدبية فكان مثلاً يتقرب له عبقري السرد التونسي، محمود المسعدي، ويتذلل له عبر الرسائل ليعطيه رأيه في روايته "السد" وروايته "حدث أبو هريرة قال". حتى أنه يقول في إحدى رسائله إنه لن ينشر عمله إذا لم يأذن له طه حسين بذلك. وهو نفسه طه حسين الذي "مسح البلاط " بكبار ومشاهير الأدباء والمفكرين المصريين يوماً في آخر لقاء تلفزيوني في بيته، وصغّر من شأنهم ووصفهم بالجهلة الذين لا يقرؤون.

هل الروائي العربي المحاصر بالمقدسات يمكنه أن ينتج إبداعاً حراً؟ وهل تلك السُلط تبحث فعلاً عن إنتاج أديب يمكن أن يُصغى إلى صوته في أي مكان من العالم، أم أنها تسعى فقط لإنتاج صوت للقبيلة وللقوم أو للسياسة أو للأيديولوجيا أو للدين أو للطبقة؟

وقد تلاحق الرقابة أحياناً حتى الروائي المكرس إذا ما خرج عن الخط المحدد له، ولنا في رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ مثالاً دقيقاً، حيث صدر أمر بتوقيف نشرها متسلسلة، ومنع من نشرها في مصر، وعندما نُشرت في لبنان تدخلت سلطة الدين لتغرز خنجراً في عنق الكاتب.

فإذا افترضنا جدلاً أن للأدب رسالة فهل يسمح للروائي العربي أن يقدم رسالته الخاصة التي قد تكون متناقضة مع اعتقادات الحشود دون أن تسحقه تلك الحشود؟ وهل رسالة الأديب هي التي يسطرها له المجتمع والتي نسميها هواجس الناس أم هي هواجسه الخاصة؟ هل الروائي ليس سوى غاسل صحون في بيوت الحشود؟ هل الروائي العربي المحاصر بالمقدسات (معتقدات المجتمع وسياسيات الحكام والأيديولوجيات) يمكنه أن ينتج إبداعاً حراً؟ وهل تلك السُلط تبحث فعلاً عن إنتاج أديب يمكن أن يُصغى إلى صوته في أي مكان من العالم، أم أنها تسعى فقط لإنتاج صوت للقبيلة وللقوم أو للسياسة أو للأيديولوجيا أو للدين أو للطبقة؟ وفي المقابل لنا أن نتساءل هل فعلاً الروائي العربي اليوم مستعد لوضع حياته موضع خطر ويكتب عن هواجسه الخاصة ويطرح أسئلته الخاصة دون خوف من ردة فعل المؤسسة ؟ ألم يشارك هو نفسه في التنازل عن صوته لصالحها؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard