الدبلجة والترجمة ودكاكين البيع واحتضار الابداع

الأحد 6 فبراير 202204:40 م

مرة أخرى أجدني أكتب عن الكتاب والدراما والسينما معاً، ما زلت على يقين بأن حركة الثقافة، في أي مكان من العالم، تسير ككتلة واحدة في مشهد ثقافي واحد، ولا يمكن أن يحدث تطوّر كبير في قطاع ما بشكل مفرد، ولا يمكن أن يتحقق تطوّر بمعزل عن بقية القطاعات الثقافية. وما لفت انتباهنا هذه المرة هو واقع الدبلجة في الدراما وحركة الترجمة الكتب اليوم وواقع المكتبات في العالم العربي.

هل هي بديل الإنتاج والإبداع؟

تصدّر خبر اعتزال المخرج المصري الكبير، داوود عبد السيد، الأخبار منذ أسابيع باعتباره فاجعة ثقافية، وبسرعة انقلب التركيز من خبر الاعتزال وأزمة السينما العربية إلى موقف عرضي في لقاء الاعتزال، قدمه داوود عبد السيد عن تجربة الممثل عادل إمام، والذي تساءل فيه داوود عبد السيد عن وجاهة لقب الزعيم الذي خلعته الصحافة المصرية على الممثل وتبنّته الجماهير. 

وهكذا تحولت الفاجعة إلى واقعة شتم وسب وقذف بحق المخرج. هكذا هي نهاية إنتاج القيمة في عالم متخلف كالعالم العربي، حيث تقود الحشود الثقافة والسياسة كما تقود كرة القدم، فلا شيء يحدث خارج وعي الغوغاء، وهي الوحيد القادرة على إنتاج النجوم وتوجيه الرأي العام. 

منذ سنوات، تحوّلت شركات الإنتاج الدرامي والسينمائي وصارت شركات دبلجة، ولم نعد نرى تقريباً إلا المسلسلات التركية، بعد التجربة المكسيكية والأمريكية المحتشمة في التسعينيات وبداية الألفية الثانية.

أدى ذلك الأمر إلى تدهور حال الدراما والسينما، ولم نعد نرى ممثلين بجودة عالية، لأن إنتاج الدراما المحلية هو المختبر الذي كانت تتربى فيه المواهب وتتطور لكي تصبح علامات فارقة في الأداء الدرامي، فلا أحد ينكر أن الكثير من الممثلين تدربوا في الدراما، ولا يُنقص هذا شيئاً من قيمتها باعتبارها مختبرات، ولنا في مسلسلات أحمد زكي القديمة مثال على تطور أداء الممثل تدريجياً، وينسحب ذلك على العديد من نجوم السينما.  

أما اليوم، فالدراما العربية صارت رهينة ثقافة المسلسلات التركية، وأصبحت لا تنجح، إن أنتجت، إلا إذا قلدتها، وأصبحنا نقضي نصف الحلقة نصغي إلى الموسيقى التصويرية والأحداث متوقفة، وأصبح البكاء لازمة للشخصيات، كما روّجت لذلك الدراما التركية الموجهة للشرق والخليج.

أما ظاهرة نتفليكس والنسخ والاستنساخ من أعمال أجنبية، فتعمل على تغييب تام لهوية الدراما العربية، وتكشف، من خلال ما أنتج حتى الآن، عن انهيار أداء الممثل، اختفاء كتاب السيناريو وتدهور حال السينما بغياب كل شيء. 

فالسيناريو جاهز ومعروف ومنتج من قبل، وما على الممثل سوى التقليد، بينما يغيب المخرج تماماً، فنحن، كما في استنساخ البرامج التلفزيونية، نكون أمام ما يسمى بالبلات فورم، أو القالب الجاهز الذي تُنحت فيه الأدوار لتكون متطابقة للأصل. 

من نتائج هذا الوضع بطالة كبار الممثلين وصغارهم، حتى سمعنا من مات مفلساً وجائعاً، ومن حاول إنقاذ نفسه بفتح محلات بقالة.

تصدّر خبر اعتزال المخرج المصري الكبير، داوود عبد السيد، الأخبار منذ أسابيع باعتباره فاجعة ثقافية، وبسرعة انقلب التركيز من خبر الاعتزال وأزمة السينما العربية إلى موقف عرضي في لقاء الاعتزال

في المقابل، تغولت سينما الحركة والكوميديا الرخيصة القائمة على حفنة من الإفيهات والنكت النيئة، أو المعارك في الأحياء الشعبية، وبعضها مستنسخ من أفلام أجنبية، بارتماءات من كوبري النيل أو تفجير سيارتين، وقد فتح هذا المجال الممثل المحدود جداً، أحمد السقا، ليستمر مع منافسه اليوم محمد رمضان، الذي دخل عالم التمثيل مقلداً أحمد زكي، قبل أن ينحرف نحو تقليد عالم السقا ومنافسته.

كل هذا مع رحيل الجيل العبقري الأخير للتمثيل؛ أحمد زكي، نور الشريف، محمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي، واعتزال صلاح السعدني، ورحيل كبار كتاب السيناريو، وحتى كتاب الموسيقى التصويرية، عجّل باعتزال داوود عبد السيد، الذي قرأ الفتاحة على صناعة الدراما والسينما في العالم العربي، فلم نعد نحتاج إلى مخرج صاحب شخصية، كداوود عبد السيد، الذي لم يأسره حتى النص الأدبي الذي اقتبس منه، كـ"مالك الحزين" لإبراهيم أصلان، وجعل من عملية الاقتباس عملية إبداعية في فيلمه "الكيت كات"، حيث أعاد كتابة الرواية والعلاقات داخلها لصالح السينما حتى لا تكاد تعرفها، وهذا يعكس قوة شخصيته وثقته في نفسه كمخرج وكاتب سيناريو. 

تحوّلات الناشرين

عمد العديد من الناشرين إلى الاستقالة من وظيفتهم كناشرين، وتحولوا الى مراكز للترجمة، مع أن رخصهم، حسب كراسات الشروط التي تحصّلوا وفقها على رخص النشر، قائمة على نشر الإبداع والفكر المحليين أساساً، وبعضهم يتحصّل على دعم من الدولة في أشكال مختلفة (الورق يصل إلى 70% وشراء مئات النسخ بعد نشرها) مقابل تلك الوظيفة الثقافية التي من واجبها دفع مستوى الإبداع والفكر . 

صارت الدراما العربية رهينة ثقافة المسلسلات التركية، وأصبحت لا تنجح، إن أنتجت، إلا إذا قلدتها، وأصبحنا نقضي نصف الحلقة نصغي إلى الموسيقى التصويرية والأحداث متوقفة

أرجع بعض الناشرين المتحوّلين إلى رؤساء مراكز ترجمة تحولهم إلى عدم ثقة القارئ العربي في المبدع العربي، ولم يسعوا إلى تصحيح هذا الأمر، والذي ساهمت فيه أطياف عدة، منها السلطة التي تحاصر المبدع الحقيقي، والإعلام الذي يغيّبه أو الذي ينشط وفق تعليمات السلطة. 

لم تعد دور النشر العربية اليوم تراهن إلا على المكرّس أو الرديء الذي ترحّب بتراكمه السلطة، لأنه لا يمثّل خطراً عليها، فهو يراكم الجهل المطلوب لاستمرار قوة السلطة في مقابل ضعف الوعي وضعف الثقافة. والمكرّس يأخذ أوجهاً كثيرة، منها الذي كرّسته السلطة بشكل واضح، حتى أن بعض دور النشر لا تتردد في نشر سير الساسة أو النواب أو الحكام، وهناك الكاتب الذي كرّسته الحشود، فتجد الناشر ينشر له رغم عدم احترامه لنصوصه، وكثيراً ما يقول في الكواليس إنه ينشر لأن الناس تريده ولأن الدار في حاجة لأموال لتستمر.

وهكذا تخرج مؤسسة النشر وعالمه من منطق الثقافي إلى التجاري المحض، والذي لا يراعي حتى جودة المنتج الذي يقدمه، بل فقط يسابق الوقت ليشبع الحشود ويجني الأموال. 

ويبقى موضوع التحول إلى الترجمة محفوفاً بالكثير من الأسرار، فكثير من دور النشر العربية تتلقى دعماً أجنبياً لنشر كتب أجنبية من صناديق أجنبية، تسعى عبرها الدول المتقدمة لنشر ثقافتها، كانت قبل ذلك تترجم وتنشر بنفسها، مثل الاتحاد السوفياتي، وصارت الآن تجنّد دور النشر العربية لفعل ذلك مقابل مبالغ، ترى تلك الدور أنها كافية لكي تحقق من الكتاب بعد الترجمة والطباعة مرابحها حتى قبل أن يوزع ويشترى. 

عمد العديد من الناشرين إلى الاستقالة من وظيفتهم كناشرين، وتحولوا الى مراكز للترجمة، مع أن رخصهم، حسب كراسات الشروط التي تحصّلوا وفقها على رخص النشر، قائمة على نشر الإبداع والفكر المحليين أساساً

المكتبات العربية وأزمة توزيع الكتاب

تعرض مكتبات في العالم العربي الكتب من الناشرين بنسبة قد تصل إلى نصف سعر الغلاف بين 40 و 50% تقريباً في مقابل 10% للكاتب إن سلمت له من الناشر، ولا تكاد تلك المكتبات في مجملها تقدم شيئاً لكي يروج الكتاب، فهي لا تعتني إلا بنجوم الإعلام عبر حفلات التوقيع، بينما تحشر بقية الكتب في الرفوف بلا أي دعاية، إن قبلت أصلاً بدخولها المكتبة، ولا ترى في الواجهات إلا الوجوه المكرسة.

فهل هذه الخدمات تستحق 50% من سعر الغلاف؟ بعض المكتبيين الذين يمارسون النشر يرفضون وضع كتبهم في هذه المكتبات، ومع ذلك يمارسون نفس الثقافة مع زبائنهم من الناشرين الآخرين. اجتهد بعض الناشرين وفتح له مكتبات هنا وهناك، للضغط على التكلفة دون أن يشعر القارئ بذلك، فغياب الارتهان للمكتبات لم ينعكس على سعر الكتاب وظل باهظاً، كما ساهمت تلك المكتبات بترذيل ممنهج لأعمال دور النشر الأخرى، وهذا ما ينقله القراء عنهم.

في المقابل، تعمل المكتبات الأجنبية على الدعاية للكتب الجديدة، شهرياً وأسبوعياً، عبر الملصقات والندوات وحفلات التوقيع والدعاية في الصحافة ونشر المجلات المختصة في الكتاب، ولنا مثال على ذلك في المكتبات الفرانكفونية في كندا، والتي تصدر مجلة قيمة للإصدارات الجديدة للكبار وأخرى للصغار. تحتوي هذه المجلات على مراجعات جيدة للكتب الجديدة، وحوارات قيمة مع الكتاب حول أعمالهم، وملحق بصور وأغلفة الكتب الجديدة، وترتقي تلك المجلات إلى مستوى المجلات الأدبية العريقة. 

فكيف ستتطور الثقافة العربية في ظل كل هذا الذي يحدث في الدراما والسينما والكتاب، دون أن نغفل عن دور الجوائز العربية ومعارض الكتاب والمهرجانات التي أصبحت تقود مشهد الثقافي، وبعد أن كانت داعمة للكتاب وللفيلم، أصبحت توجّه الإنتاج نفسه وفق رؤية المنتج أو المسؤول الذي يقف وراء الإنتاج؟ هل هو زمن سنردد وراء لسان الشيخ حسني في الكيت كات "راح النور" أم سنبكي عم مجاهد، أم سنغني معه درجن درجن يا الله بينا تعالوا، نسيب اليوم بحاله، وكل واحد منا يركب حصان خياله، وحنهرب من النهارده، ومن المكان ونطير ونطير مع نسمه شاردة، ونروح...؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard