الترجمة هي الأصل

الخميس 2 سبتمبر 202112:16 م

الترجمة تستدعي ثانياً مقابلاً لها هو الأصل. هذه الثنائية لا تزال تستعاد في شتى الحقول. إنها هكذا قد تحيل إلى ثنائية الرجل والمرأة. هنا السؤال: من منهما الترجمة ومن منهما الأصل؟ هنا نتذكر عنوان نوال السعداوي الشهير "الأنثى هي الأصل".

وإذا كان المرجع في ذلك هو المرجع البيولوجي، فإن من البديهة أن تكون المرأة أصل الحياة ما دامت واهبتها ومصدرها. بيد أن الأمر قد يبقى كذلك إذا عدنا لثنائية المرأة/ الرجل. هنا يدعونا المسار التاريخي الذي تلازم فيه المرأة ثانوية ما، بالقياس بالرجل، وتجعلها ظروفها أكثر استتباعاً له، بحيث يبقى الرجل هكذا، النموذج والمعيار، أي أنه بكلمة واحدة أقرب ولو بالمجاز لأن يكون استعارة للأصل.

الترجمة تستدعي ثانياً مقابلاً لها هو الأصل. هذه الثنائية لا تزال تستعاد في شتى الحقول. إنها هكذا قد تحيل إلى ثنائية الرجل والمرأة. هنا السؤال: من منهما الترجمة ومن منهما الأصل؟ 

إلا أننا حين نعود إلى ثنائية الترجمة ونقابلها بثنائية الرجل والمرأة، نبدأ مفترضين أن الرجل قد يكون الأصل فيما تقابل المرأة الترجمة. إذا توقفنا عند هذه المقابلة الافتراضية، فإننا نبنيها على النحو ذاته، على نص أساس عن الترجمة، هو نص فالتر بنيامين، قطب مدرسة فرانكفورت (مهمة الترجمة) والنص يعد بين نصوصه المهمة، حيث أدرجته حنة أرندت، بين مختارات له نشرتها في كتاب.

لن نقف عند شخص المفكر الذي أنهى حياته بالانتحار. ما سنفعله هو أن نضع الرجل مقابل الأصل في نص بنيامين والمرأة مقابل الترجمة، وسنرى من خلال قرائتنا له كيف يتفاعل الركنان وكيف يتقابلان. يقول بنيامين في مستهل بحثه أن القصائد لا توجد من أجل قارئها ولا توجد الترجمة لذلك من أجل هؤلاء القراء (غير القادرين على فهم الصل اصلاً).

الترجمة والأصل معاً يوجدان لذاتهما إذن، وإذا كان الأمر كذلك، فإن علينا أن تستبعد تلك النظرة للترجمة وللأصل أيضاً، التي تقدم وتصدر ما يغني القارئ وما يتطلبه، أي المعلومات التي في النص، فهذا الطلب للمعلومات هو، بحسب بنيامين، هو سمة "الترجمة الرديئة".

المطلوب من الترجمة "ذلك الشيء الغامض والشعري والذي لا يمكن للمترجم إعادة إنتاجه إلا إذا كان شاعراً". إذا عدنا إلى مقابلتنا الافتراضية، فإن الترجمة ليست استنساخاً للأصل الذي هو هنتا الرجل. إنها وصول إلى ذلك الغامض والشعري الذي فيه والذي هو الأصل الذي سنفهم بعد قليل أنه فوق الأصل.

ما هي الترجمة؟

إنها عند بنيامين قابلية جوهرية لدى الصل. إنها تنبع منه ولكن من حياته الآخرة التي تتخطى حياته نفسها. ستكون هذه الحياة الآخرة ما فوق الحياة نفسها. يمكننا هنا أن نقابل فعل الترجمة بعلاقة الرجل بالمرأة، لتكون هذه هي الحياة الأخرة التي تتخطى الاثنين كلاهما. لكن الترجمة بحسب بنيامين لا تعني التشابه لأن "الأعمال مع الوقت لا تعود تشبه نفسها". الرجل إذن ليس النموذج، والأمر ليس إعادته أو نقله. الترجمة ليست مجرد نقل عن لغة ما، ليست إعادة للغة ما. إنها أكثر من ذلك. إنها شهادة، ليس فقط عن تقارب اللغات.

المطلوب من الترجمة "ذلك الشيء الغامض والشعري والذي لا يمكن للمترجم إعادة إنتاجه إلا إذا كان شاعراً"

إنها شهادة عن لغة أولى، لغة عظمى، أو لغة مفقودة. هي بحسب بنيامين أثير لغوي أو لغة نقية (الترجمة بدلاً من مشابهة معنى الأصل تجسيد لكيفية الأصل) و(أن تستعيد اللغة النقية كاملة في خضم التغيير اللغوي هو الدوري الوحيد والهائل للترجمة).

يمكننا أن نقف طويلاً هنا، وإذا عدنا إلى المقابلة الأولى في المرأة والترجمة، فسنجد أن الترجمة هي استعداد للأصل، لكنها أيضاً ليست تكراراً للأصل. المرأة ليست تكراراً للرجل. إنها توق لما يتخطاه ويتخطاها هي أيضاً. إلى ما يمكن أن نرى فيه الإنسان الذي يتخطى الأجناس.

الإنسان الذي هو الأول والأصل ربما، لذلك يسعنا هنا أن نعود إلى عنوان نوال السعداوي الشهير "الأنثى هي الأصل"، لنجد أن بنيامين، ولو من موقع مختلف، لا يعارض السعداوي، إذ يمكن أن نقول، وبلغة السعداوي، إن الترجمة وهي تسعى إلى اللغة النقية والمفقودة، إنما تتوق لأن تكون أصلاً ثانياً، وبوسعنا القول على غرار السعداوي: إن الترجمة هي الأصل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard