"المُلك عقيم"... تماهي الديني والسياسي في "قانون قتل الإخوة"

الأربعاء 16 فبراير 202209:45 ص

عرف التاريخ الإسلامي الطويل العديد من حوادث إراقة الدماء في سبيل الوصول إلى السلطة. ولعلّ أكثرها قسوة تلك التي كان أحد الأمراء أو السلاطين يقوم فيها بقتل إخوته الذكور، بهدف تأمين مكانه كحاكم وحيد ومطلق على عرش أبيه.

وعلى الرغم من اندلاع بعض الحروب بين الإخوة في فترات الدول العباسية والسلجوقية والفاطمية، إلا أن تحوّل تلك الحوادث إلى الصورة الدموية الكاملة وقع في عصر الدولة العثمانية، وذلك عندما ظهر ما عُرف باسم "قانون قتل الإخوة"، وهو قانون لقي الكثير من التبريرات والتأويلات الفقهية التي أجازته.

من الرشيد العباسي إلى المستعلي الفاطمي

الصراع على السلطة بين أبناء الخليفة ظهر منذ فترة مبكرة من عمر الإسلام. على سبيل المثال، تتحدث المصادر التاريخية مناوشات جرت بين أبناء الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، والذي تعاقب أبناؤه الأربعة، الوليد وسليمان ويزيد وهشام، على كرسي الخلافة على الترتيب، ولم يفصل بينهم إلا ابن عمهم، عمر بن عبد العزيز، الذي تولى منصب الخلافة لشهور قليلة عقب وفاة سليمان سنة 99هـ.

التنافس المُعلن على تركة الأب/ الخليفة وقع للمرة الأولى عقب وفاة الخليفة العباسي الثالث محمد المهدي بالله، عام 169هـ. ترك خلفه ابنين قريبين في العمر هما موسى الهادي وهارون الرشيد.

في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، تحدث محمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ) عن بعض تفاصيل الخلاف بين الخليفة الجديد موسى الهادي، وولي عهده هارون الرشيد، وكيف أن أمهما الخيزران وقفت في صف ابنها الأصغر، فتآمرت على قتل موسى بعدما حرضت بعض جواريها على خنقه وهو نائم، لتخلو الساحة بعدها للرشيد، ونجده بويع خليفة عام 170هـ.

تكررت الخلافات بين الأمراء العباسيين بشكل أكثر حدة وعنفاً بعد وفاة الرشيد، عام 193هـ، إذ وقع تنازع بين ولديه محمد الأمين، ابن زبيدة العربية الأصل، وعبد الله المأمون، ابن الجارية مراجل، ذات الأصول الفارسية.

ويردّ ابن الاثير الجزري (ت. 630هـ)، في كتابه "الكامل في التاريخ"، أسباب هذا العداء إلى التدبير الذي قام به الفضل بن الربيع، وزير الأمين، والذي كان معروفاً بعدائه الشديد للمأمون، فلما عرف "أن المأمون إنْ أفضت إليه الخلافة وهو حي لم يبق عليه، فسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد ولم يكن ذلك في عزم محمد الأمين فلم يزل الفضل يصغر عنده أمر المأمون ويزين له خلعه".

نتج عن ذلك التحريض اندلاع الحرب بين الأخين، وهي حرب لم تضع أوزارها إلا بعد أن تمكنت الفيالق الفارسية المؤيدة للمأمون من اقتحام بغداد، ليُقتل الأمين على أيدي بعض الجند الفرس عام 198هـ.

وإذا كان الخلاف بين الأمراء قد دبّ مراراً في الدول المصطبغة بالصبغة السنّية، سواء أكانت أموية أو عباسية، فإنه اشتعل أيضاً في البيت الفاطمي الشيعي الذي حكم لقرون من القاهرة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك، ما وقع عقب وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 487هـ، عندما خالف الوزير القوي الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي السنّة المتبعة عند الفاطميين، والتي تقضي بخلافة الابن الأكبر لمنصب الإمامة، وأعلن تأييده لأحمد، الابن الأصغر للمستنصر بالله، وبايعه بالإمامة ولقّبه بالمستعلي بالله. وعندما ثار نزار، الابن الأكبر للمستنصر، وهرب إلى الإسكندرية، وحشد أنصاره فيها مطالباً بحقه في وراثة أبيه، قاد الوزير الأفضل والمستعلي بالله جيوش الفاطميين وتمكنوا من القضاء على حركة المعارضة، وبعدها أُلقي القبض على نزار، وزُج به في السجن، قبل أن يُقتل بعدها، لينفرد الوزير القوي والخليفة الصغير بالسلطة.

سلاطين الأتراك... بعضهم قتل 19 أخاً

مع وصول العنصر التركي إلى الحكم في الأقاليم المشرقية من العالم الإسلامي، عرفت وتيرة الصراع على العرش بين الإخوة تسارعاً غير مسبوق، وكان السبب في ذلك إنما يرجع، في المقام الأول، إلى ما تعارفت عليه القبائل التركية من شيوع الاعتقاد بأن الحكم شأن عشائري جماعي، وأنه لا يمكن الاعتراف بتركز السلطة بيد شخص واحد فقط دوناً عن باقي إخوته وأقاربه.

هذا المبدأ ألقى بظلاله الوخيمة على الدولة السلجوقية بعد وفاة السلطان جلال الدين ملكشاه، عام 485هـ، إذ دخل أبناؤه الأربعة، محمود وبريكياروق ومحمد وسنجر، في مجموعة من الحروب الدامية ضد بعضهم البعض، ووجد كل منهم بعض المؤيدين لقضيته، سواء من جانب أمهاتهم اللواتي لعبن أدواراً مهمة على الساحة السياسية آنذاك، أو من جانب رجال الدولة الذين طمعوا في الوصول إلى المناصب الوزارية والقيادية، الأمر الذي عصف بمركزية الدولة، وتسبب في وقوع الانقسام داخل البيت السلجوقي الحاكم.

ووصل الصراع بين الإخوة على الملك إلى أوجه في عصر الدولة العثمانية، وهي التي عرفت الكثير من الحالات التي أقدم فيها الأمير المُعيّن في منصب ولاية العهد على ذبح جميع إخوته الذكور، خوفاً من أن يناطحه أحدهم ذات يوم.

كان التخلص من الإخوة الذكور عند تولي الحكم سنّة معهودة ومعروفة عند معظم السلاطين العثمانيين، ووصل الأمر بمحمد الثالث بن مراد الثالث إلى قتل ما يقرب من 19 أخاً من إخوته الذكور، قبل أن يدفن جثمان والده

هذا الفعل الدموي يتضح في ما قام به السلطان محمد الفاتح بعد أن تسلّم زمام السلطة مباشرة، عندما أمر بقتل أخ رضيع له، بحسب ما يذكر محمد فريد بك في كتابه "تاريخ الدولة العليّة العثمانية".

ويذكر كل من المستشرق النمساوي جوزيف فان هامر في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية"، والمؤرخ التركي المعاصر خليل إينالجيك في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار"، أكّد السلطان محمد الفاتح صراحةً على حق السلطان الجديد في التخلص من أعدائه المحتملين، حتى ولو كانوا من إخوته، ونص على ذلك في مجموعة قوانين أصدرها تحت اسم "قانون نامة"، إذ ورد في تلك المجموعة: "وأيّ شخصٍ يتولّى السُّلطة من أولادي فمن المناسب أن يقتل الإخوة من أجل نظام العالم".

هذه القاعدة التي تمتعت بالشكل القانوني منذ عهد الفاتح ستُطبَّق بشكل عملي في الكثير من الحالات في ما بعد. فعلى سبيل المثال، سنجد أن السلطان بايزيد الثاني تعقّب أخاه الأمير جم سلطان، وكاد أن يفتك به لولا أن هرب الأخير إلى مصر، وعاش فيها لفترة تحت حماية سلاطين المماليك. كذلك سنجد أن السلطان سليم الأول بن بايزيد الثاني اشتهر بخبر قتله لما يقرب من 17 من إخوته وأبناء إخوته، بحسب ما يذكر أحمد بن يوسف القرماني (ت. 1019هـ) في كتابه "أخبار الدول وآثار الأول".

حوادث قتل الإخوة لم تنتهِ مع سليم الأول، بل تتابعت كذلك في عهود خلفائه وأحفاده. فعلى سبيل المثال، قتل الأمير سليم بن السلطان سليمان القانوني بن سليم الأول أخاه بايزيد مع جميع أبنائه قبل أن يرتقي عرش السلطنة، فيما قتل ابنه مراد الثالث خمسة من إخوته ساعة تنصيبه، أما محمد الثالث بن مراد الثالث فقد قتل ما يقرب من 19 أخاً من الذكور، قبل أن يدفن جثمان والده، وهكذا أصبح التخلص من الإخوة الذكور عند تولي الحكم سنّة معهودة ومعروفة عند معظم سلاطين بني عثمان.

الفقهاء وقضية قتل الإخوة

لمّا كان الفقهاء المسلمون قد عرفوا أهمية منصبيْ الخليفة والسلطان منذ فترة مبكرة من عمر الدولة الإسلامية، فإنهم عملوا على تحصينهما بالكثير من الوسائل الشرعية، تلك التي استخدمها الحكام كثيراً في سبيل البطش بخصومهم، سواء كان هؤلاء الخصوم من أقاربهم أو من غيرهم.

من أهم تلك الوسائل، الحديث المنسوب للرسول، والوارد في صحيح مسلم: "مَن أتاكم وأمْركم جميعٌ على رجل واحد، يريد أن يشقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه"، وهو الحديث الذي منح الخليفة/ السلطان الشرعية اللازمة لسفك دماء الأعداء والمعارضين على حد سواء.

"من فضائل آل عثمان قتل أولادهم الذكور خوفاً من الفتن، وفساد ملكهم واختلاف الكلمة وشق العصا بين المسلمين، وهذا الأمر... وإنْ كان ينفر منه الطبع السليم بحسب الظاهر، لكنه في نفس الأمر خير كبير ونفع كثير"

بشكل عام، لا توجد أصداء قوية لما وقع من مساجلات ومشاحنات بين الإخوة في كل من الدولة العباسية والدولة السلجوقية. وعلى النقيض من ذلك، احتفظت المدونات الفقهية الشيعية الإسماعيلية ببعض الكتابات التي تناولت الصراع بين ولديْ الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، نزار والمستعلي بالله، على الخلافة، ودُوّنت تلك الكتابات من جانب الدعاة المؤيدين لكل طرف من الطرفين، سواء كانوا من الجانب النزاري الذي تمكن من الانتشار في كل من سوريا وإيران، أو من الجانب المؤيد للخليفة المستعلي بالله، في مصر. وحاول كل من الطرفين أن يثبت أحقية صاحبه بالوصول إلى منصب الإمامة، وساق كل منهما الحجج والبراهين الفقهية لتأكيد ما ذهب إليه.

أما في ما خص حوادث قتل الإخوة في التاريخ العثماني، فإن أغلبية السلاطين العثمانيين كانوا دائماً يعملون على تغطية جرائمهم بغطاء من الفتاوى الشرعية، والتي حاولت أن تربط بين قتل الإخوة من جهة ورفعة الدين والشريعة من جهة أخرى.

ومن هنا، كان من الطبيعي أن نجد السلطان وهو يهرع إلى شيخ الإسلام، صاحب أكبر منصب ديني في الدولة العثمانية، لاستصدار فتوى تبرر جريمته. ولما كان شيخ الإسلام يرفض إصدار تلك الفتوى، في بعض الأحيان، فإننا نجد أن السلطان كان يلجأ إلى منصب قاضي عسكر، والذي يلي منصب شيخ الإسلام في الأهمية والمكانة.

على سبيل المثال، حاول السلطان عثمان الثاني، وهو السلطان السادس عشر من سلاطين الدولة العثمانية، عام 1618، أن يقنع شيخ الإسلام أسعد أفندي بإصدار فتوى تبيح له إعدام أخيه الأمير شاه زاد محمد، وذلك حتى يخرج على رأس الحملة التي أعدَّها لغزو أوروبا، وهو مطمئن، ولكن أسعد أفندي رفض ذلك الطلب، ما اضطر السلطان للتوجه بطلبه إلى الشيخ كمال الدين أفندي، قاضي عسكر رومللي، بحسب ما يذكر محمد فريد بك في كتابه.

الرأي الفقهي المؤيد لحوادث قتل أمراء بني عثمان على يد إخوانهم من السلاطين يظهر في أوضح صوره في ما ذكره الفقيه الحنبلي مرعي بن يوسف الكرمي (ت. 1033هـ)، في كتابه المشهور "قلائد العقيان في فضائل آل عثمان". يقول إن مسألة قتل السلاطين العثمانيين لإخوتهم وأبنائهم، إنما تعدّ نوعاً من أنواع الفضائل التي تميّز بها العثمانيون عن كافة الدول الإسلامية التي سبقتهم، ويقول: "ومن فضائل آل عثمان قتل أولادهم الذكور خوفاً من الفتن، وفساد ملكهم واختلاف الكلمة وشق العصا بين المسلمين، وهذا الأمر لم يسبقهم إليه أحد في ما أعلم. وهو وإنْ كان أمراً ينفر منه الطبع السليم بحسب الظاهر، لكنه في نفس الأمر خير كبير ونفع كثير...".

ويشير الكرمي إلى أن هناك جمعاً من العلماء والفقهاء الذين أجازوا للسلاطين العثمانيين البطش بإخوتهم عند وصولهم إلى السلطة، وقد اعتمد هؤلاء على الفتوى المنسوبة للإمام مالك بن أنس (ت. 179هـ)، والتي ورد فيها أنه يجوز للإمام أن يقتل ثلث الأمة لإصلاح حال ثلثيها.

وفي ذلك يقول الكرمي الذي رفض الإجازة بقتل الإخوة على سبيل الإطلاق لأن "إثارة فتن في ما بعد فهو أمر غير محقق": "لعل من أفتى بالعلماء بالجواز، واستحل قتلهم، وأجاز محتجاً بجواز قتل الثلث لإصلاح الثلثين، نزّل الظن مرتبة اليقين على ما فيه من البعد بلا حين، ويحتمل أن يقال يجوز قتلهم سياسة لا شريعة، وباب السياسة أوسع من باب الشرع، فقد قال العلماء المحققون: للسلطان سلوك سبيل السياسة، ولا تتوقف السياسة على كل ما نطق به الشرع".

ويذكر الكرمي مجموعة من الأقوال المنسوبة لكل من شهاب الدين القرافي (ت. 684هـ) وتقي الدين ابن تيمية (ت. 728هـ)، والتي تؤكد على أهمية مراعاة المصلحة "وقد دل الشرع والعقل على وجوب تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدام المفاسد وتقليلها... فينبغي القول بجواز القتل إذا صار الغلام مراهقاً مع القرائن الدالة على الفتنة، لأنه حينئذ صار مظنة الفساد والفتن... وربما يجوز القتل من هذه الحيثية عملاً بالقرائن وشواهد الأحوال قبل أن يتسع الخرق، ويعظم الخطب، ويشتد الندم والكرب".

من جهة أخرى، فإن الباحثين المعاصرين المدافعين عن الدولة العثمانية عملوا، بكل وسيلة ممكنة، على دفع الشبهات التي طالت سلاطين تلك الدولة بسبب قانون قتل الإخوة. ومن ذلك ما قام به الباحث الليبي الدكتور محمد علي الصلابي، عندما شكك في صحة نسبة هذا القانون إلى السلطان الفاتح.

وكان مما قاله في ذلك: "إن أول مَن سمّى هذا القانون بقانون قتل الإخوة هو أحد المؤرخين الغربيين المعادين للدولة العثمانية".

من جهة أخرى، مال المؤرخان التركيان الدكتور أحمد آق كوندز، والدكتور سعيد أوزتورك في كتابهما "الدولة العثمانية المجهولة"، إلى تصحيح نسبة قانون قتل الإخوة للفاتح، ولكنهما، في الوقت نفسه، عملا على تبريره وتفسيره في سياقه التاريخي، فقالا إن تطبيق هذا القانون كان هدفه "الحفاظ على الصالح العام، من خلال تطبيق وإقامة حد البغي".

وذكرا أن الفقهاء العثمانيين عدّوا "كل تمرد على الأوامر المشروعة للسلطان، وكل إخلال بالأمن العام وبنظام العالم، وكل نوع من أنواع العصيان والحركات التي تريد نشر الفوضى والاضطراب في البلد، فساداً بالسعي وجريمة بغي، ووصفوا القائمين بها بالباغين، وأوضحوا في فتواهم بأن عقوبة هذه الجريمة هي الإعدام، ولو كان العاصي شقيق السلطان لا يتغير الحكم الشرعي".

وعلى ما سبق، برأيهما، من الخطأ فهم ذلك القانون في سياقه السياسي فحسب، بل وجب فهمه في سياقه الديني والشرعي، ذلك الذي كان يرى في هذا القانون "عقوبة بحق مَن سعى بالفساد في الأرض والإخلال بالأمن، وهو (أي القانون) وارد في الكتب الفقهية، وفي الفتاوي وثابت شرعاً، أي متلائم مع أصول المحاكمات في الإسلام إنْ توافرت عناصره وأدلته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard