"حماية النساء في آخر سُلّم الأولويات" في لبنان

الخميس 25 نوفمبر 202110:59 ص

منذ زواجها، لدى بلوغها من العمر 15 عاماً، تتعرض سعاد إبراهيم (33 عاماً)، وهي سورية تعيش في لبنان منذ عام 2017، لأشكال من العنف اللفظي والجسدي والاقتصادي والنفسي من قبل الزوج وأهله.

تحمّلت الأم لأربعة صبيان وبنت تراوح أعمارهم بين 16 وخمس سنوات، لأجل صغارها كما كان ينصحها من حولها حتّى عقب هجر الزوج لها وعدم معرفتها أي شيء عنه قبل نحو أربع سنوات واشتداد إساءات أهله إليها من ضرب وإذلال وحرمان من الطعام والشراب فترات متفاوتة والحبس في مستودع ساعات طويلة.

كان الهروب من سوريا إلى لبنان خطوة أولى رجت منها سعاد "الخلاص" من هذا العنف الأسري المستمر. لكن أهل الزوج تمكنوا من معرفة مكانها في حزيران/ يونيو الماضي وذهبوا إلى سكنها وواصلوا الاعتداء عليها بالضرب وهددوها بحرمانها من أطفالها.

تقول سعاد: "خربوا الدنيا لما هربت ع لبنان، ولما ما عاد عرفوا أنا وين سكتوا. لما عرفوا إجو من سوريا زيارة هاي السنة. رحبت بيهم، ضلّوا عندي كام يوم وطلبوا أرجع سوريا أو ياخدوا أولادي فرفضت لأني أريد أن يتعلموا أبنائي وما عندي شي بسوريا أرجعله، لا بيت ولا شي".

وتوضح أنها تعرضت للضرب المبرح على أيدي والد الزوج ووالدته اللذين حاصراها وصمّما على اصطحاب طفلتها الوحيدة ابنة الـ14 ربيعاً معهما إلى سوريا من أجل تزويجها. "قالوا لي هلأ بتروح المدرسة وبتجيب لنا العار. ما بيصير عنا البنت تقطع الـ15 بلا زواج"، تقول.

إذ ذاك انهارت سعاد وصرخت فيهما وأكدت لهما أنها لن تسمح بتكرار مأساة الزواج المبكر التي تعرضت لها مع ابنتها. "أنا تزوجت وعمري 15، كيف بدي أعيد نفس الغلط مع بنتي، ما حرام؟ أكيد حرام، أكيد ما بيجوز"، تردف.

 #دايماً_وقتها حملة تطلقها منظمة أبعاد للتذكير بأن توفير "الحماية" للنساء والفتيات لا ينبغي أبداً أن تكون "في آخر سلم الأولويات" وذلك "أد ما كانت الظروف صعبة والوضع سيىء"

عقب شهر ونصف من مقاومة والدي زوجها، قررت سعاد أن تطلب المساعدة من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في لبنان. وساعدتها المفوضية على الاتصال بمنظمة أبعاد المدنية اللبنانية غير الربحية التي تقدم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، والإرشاد والتوجيه، والتوعية بالحقوق، والأنشطة الثقافية والترفيهية، والتشبيك مع المجتمع المحلي للناجيات من العنف.

تضيف سعاد أنها وجدت "كل الدعم والتشجيع" من "أبعاد" لمواصلة مقاومة رغبة أهل الزوج في تزويج طفلتها، وهو ما دفعها لاصطحاب الأطفال إلى خيمة بعيدة حيث وفرت لهم المنظمة "مساعدة مالية قضيت حوايجي فيها"، و"مساعدات عينية أخرى" و"دعم نفسي كبير" ساعدها على "تجاوز المحنة".

"دايماً وقتها"

سعاد واحدة من المستفيدات من خدمات "أبعاد" وأحد الأمثلة التي تدلل على أهمية أحدث حملات المنظمة "دايماً وقتها" التي تنطلق الخميس 25 تشرين الثاني/ نوفمبر لمناسبة حملة الـ16 يوماً العالمية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

تقول غيدا عناني، مؤسِّسة ومديرة أبعاد، لرصيف22، إنه في ظل الأزمات الحالية التي يشهدها لبنان على أصعدة عدة، وعلى رأسها الصعيدان الاقتصادي والاجتماعي، أصبحت "حماية النساء في آخر سلم الأولويات"، بما في ذلك من قبل النساء أنفسهن.

وتلفت إلى أن "دايماً وقتها" هي تذكير بأن رفع الصوت والمطالبة بحياة آمنة للنساء هما "أولوية في جميع الأوقات خصوصاً في ظل الأزمات" عندما تكون النساء والأطفال هما أكثر الفئات تهميشاً ومعاناة.

وتعتبر عناني أن الحملة جهد مكمّل لأنشطة "أبعاد" وخدماتها. وهي تأمل أن تزيد الحملة وعي النساء بضرورة التبليغ عن العنف وعدم الصمت عليه، وطمأنتهن إلى وجود ملاجئ آمنة لدى "أبعاد" ومنظمات نسائية أخرى لأجل "تكريس إجراءات وقائية تحمي النساء والفتيات المعرضات للعنف". 

تنبع أهمية الحملة من نتائج دراسة إحصائية وطنية أجرتها لمصلحة "أبعاد" شركة "ستاتيستكس لبانون" حول أولويات الفتيات والنساء في لبنان اليوم، ومدى شعورهنّ بالحاجة إلى الحماية. وأظهرت الدراسة أن 96% من النساء تعرّضن للعنف الأسري، وتسعاً من كل 10 سيدات تعرضن لأحد أشكال العنف بوجه عام في لبنان هذه السنة لم يبلغن عن هذا العنف.

96% من السيدات اللواتي تعرضن للعنف الأسري و9 من كل 10 سيدات تعرضن لأي شكل من أشكال العنف في #لبنان خلال 2021 لم يبلغن عن هذا العنف يوماً… "حماية" النساء #دايماً_وقتها

شملت الدراسة 1800 سيدة وفتاة لبنانية وسورية وفلسطينية، تراوح أعمارهن بين 18 و55 عاماً، ويقمن جميعاً على الأراضي اللبنانية، وتم التواصل معهن عبر الهاتف.

وتشير أرقام قوى الأمن الداخلي اللبنانية إلى أن شكاوى العنف الأسري منذ بداية العام إلى 9 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري بلغت 1184، 677 منها كان المعنف فيها هو الزوج (أي 58% من الحالات)، و90% منها حالات عنف جسدي، وفي 40% منها كان الجيران أو الأسرة المبلغ عن التعنيف مقابل 57% من الحالات كانت السيدة المعنفة هي المبلِّغة.

لكن دراسة "أبعاد" أظهرت أن واحدة من كل 10 مبلغات عن العنف اتجهت إلى الجهات الأمنية والقضائية، وأن 17.7% من النساء يعرفن رقم الخط الساخن 1745، فيما 62.9% لا يعرفن ذلك. وهذا ما يعني أن أرقام قوى الأمن لا تعكس الوضع على الأرض.

وبينما تعلم 51.8% من السيدات اللواتي شملتهن الدراسة أن القانون اللبناني يجرم العنف الأسري، كان لافتاً أن 43.6% قلن إنه غير مجرّم، و4.6% قلن "لا أعرف". وقالت 51.9% إنهن لا يعلمن أن لدى المنظمات النسوية مراكز إيواء وخطوطاً ساخنة لمساعدة النساء ضحايا العنف.

وتوضح عناني أن "أبعاد" تتلقى نحو 314 اتصال استغاثة شهرياً على الخط الآمن للمساعدة الطارئة للتبيلغ عن العنف. 

لماذا لا تبلّغ النساء عن العنف؟

تتعدد الأسباب التي تعرقل عملية تبليغ النساء عن العنف في لبنان حالياً. "غياب الثقة" في جدوى التبليغ (بنسبة 27.1%) أو في تعامل السلطات بجدية (22.4%) هو أبرز الأسباب، وفق دراسة "أبعاد".

الخوف من نظرة المجتمع (23.3%) أو رفض العائلة (13.8%) هما مؤثران أيضاً. كان الخوف من ردة فعل المعنِّف العامل الأقوى لدى اثنتين من كل خمس سيدات. يضاف هذا كله إلى "نقص المعرفة" بشأن الجهات التي يمكنها المساعدة (12.4%)، وأحياناً "الاستسلام" وتقبل العنف أمراً واقعاً (11.9%) أو الأمل في مغادرة لبنان (5.2%).

لكن اللافت أن 11% من السيدات (واحدة من كل 10 سيدات تقريباً) يعتبرن أن الحماية من العنف "ليست أولوية" في غمرة أوضاع البلد المتدهورة.

علاوة على ما سبق، تسلط ديانا عبد الرحمن، المسؤولة عن الدعم الاجتماعي والنفسي في "أبعاد"، خلال حديثها إلى رصيف22، الضوء على صعوبات تواجههم خلال العمل مع النساء على الأرض. وتوضح أنها وزملاءها ينظمون جلسات دعم نفسي اجتماعي للسيدات المعنفات والناجيات من العنف، هدفها دعمهن وتمكينهن من الوصول إلى "حياة آمنة".

اثنتان من كل خمس سيدات شملتهن الدراسة لا تبلغان عن العنف خوفاً من ردة فعل المعنف. في حين أن سيدة واحدة من كل 10 سيدات لا تبلغ لأنها لا ترى الأمر أولوية في ظل الظروف الحياتية المتدهورة في #لبنان  #دايماً_وقتها

لكن الكثير من ضحايا العنف غير قادرات على التواصل معهم مباشرةً، بحسب قولها. تقول: "ندعم النساء للتبليغ عن الإساءات والعنف من خلال حملاتنا وفعالياتنا المختلفة. لكن ينبغي أن يكون ذلك نابعاً من داخلهن من دون إجبار. أحياناً يرغبن في ذلك ولا يستطعن في النهاية".

تروي عبد الرحمن أن واحدة من السيدات اللواتي حضرن جلسات التربية الإيجابية معها كانت تحضر نيابةً عن ابنتها التي لم يسمح لها زوجها بالحضور وتلخص المعلومات لابنتها كي تطبّقها مع أطفالها الذين يترعرعون في بيئة عنيفة.

وتضيف: "أحد الأطفال -أحفاد السيدة- عمره أربع سنوات ونصف ولا يستطيع التحدث. ذهبوا إلى أطباء كثر وقيل لهم إنه لا يعاني أي مشكلة عضوية. من خلال الإرشادات عن التربية الإيجابية التي نقلتها الجدة لابنتها، استطاعت الزوجة التخفيف عن أطفالها صعوبة الحياة مع أب معنف. أخبرتني الجدة بعد الجلسة الخامسة كيف تحسنت حالة الطفل وبدأ التعبير بكلمات رغم أن التدخل مع السيدة المعنفة لم يكن مباشراً".

حماية المرأة ينبغي أن تكون أولوية

إلى ذلك، قالت سيدات مشمولات في دراسة "أبعاد" (47.9%) إن "الحماية" أولوية لهن. واعتبرت واحدة من كل اثنتين أن "الحماية" للنساء يجب أن تكون أولوية. حتّى أن 94.7% منهم عبّرن عن حاجتهن إلى "الحماية خارج المنزل".

بوجه عام، حلّت "الحماية" ثانية (بنسبة 18.8%) بين أولويات السيدات بعد الغذاء والدخل (46.3%)، اللذين حلّا في المرتبة الأولى. علماً أن ثلاثاً من كل خمس سيدات من جميع المشاركات (62.4% تقريباً) قلن إن "التحديات الاقتصادية" هي أولويتهن حالياً. 

وتنصح سعاد كل سيدة وامرأة في لبنان أو أي بلد في العالم "ما تسكت ع العنف ولا الزواج المبكر أد ما (مهما) كانت الظروف صعبة والوضع سيىء، ما تسكت وتبعد أولادها عن الخطر. حرام تسكت... ما حدا يسكت".

أما عناني، فتؤكد أن "حماية النساء والفتيات الشابات هي حقّ لهنّ وواجب علينا جميعاً، والمطلوب اليوم الجديّة التامة والعمل بمبدأ العناية الواجبة في استجابة الدولة لهذه الإشكالية وقائياً وخدماتيّاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard