""أنزار أنزار أربي أسويت أرزار"... أمازيغ الجزائر يحيون أسطورة إله المطر

الاثنين 7 فبراير 202212:10 م

كانت جدتي تمنعنا من طرد طائر السنونو حين يدخل منزلنا القديم ويبحث في سقفه المنسوج من طين وقصب، تحت القرميد الأرجواني، عن مكان يضع فيه عشه. كانت تُخبرنا أنه طائر مقدّس، عائد للتوّ من الحج، وسيجلب معه المطر لا محالة، كانت جدتي تُجزم أن "أنزار"، وهو إله الغيث عن الأمازيغ القدامى، يبعث طائر السنونو الأسود من فترة إلى أخرى، منذ أن صعد إلى السماء مكسور القلب، بعد أن رفضت فتاة طلبه للزواج منها، لقد صعد للسماء وأغلق عن القرى باب المطر.

أسطورة "إله المطر"

تقول الأسطورة التي تتناقلها أجيال من أمازيغ الجزائر، إن إله المطر "أنزار"، لمح ذات يوم  شابّة جالسة على ضفاف واد، لقد كانت فائقة الجمال بحق، داومت على الجلوس يومياً في ذات المكان، وداوم "أنزار" على رؤيتها هناك فتعلّق بها، وأحبها حبّاً جنونياً.

كانت جدتي تمنعنا من طرد طائر السنونو حين يدخل منزلنا القديم ويبحث في سقفه المنسوج من طين وقصب، تحت القرميد الأرجواني، عن مكان يضع فيه عشه. كانت تُخبرنا أنه طائر مقدّس، عائد للتوّ من الحج، وسيجلب معه المطر

ذات يوم، قرّر أنزار أن يتنازل عن كبريائه ويصارح الفتاة بحبّه لها، لكنها رفضته بأدب، واعتبرت مواعدتها لأنزار خيانة لأهلها وقبيلتها.

وبعد أن رفضت طلبه، أصبح أنزار يعيش في حال يتراوح بين الحزن والغضب، فحبس الماء عن قبيلتها فأصابهم الجفاف، فما كان منها إلا أنها تضرّعت لأنزار بالعودة، وقبلت أن تكون زوجة له من أجل قبيلتها التي يموت أهلها من العطش.

يُواصل الزمان سرد الأسطورة، فيقول إن أنزار تزوّج الفتاة وباتت تُلقّب بين قومها ب "ثسليت ن أنزار"، أي "عروس أنزار" باللغة الأمازيغية، وحملها بين ذراعيه ورجعا إلى السماء، فأصبحت حياته عامرة بألوان السعادة والخير، تلك الألوان هي من شكّل  قوس قزح، فحسب الأسطورة الأمازيغية، قوس قزح ما هو  إلّا ظلّ للطريق التي عرجّ به أنزار وحبيبته نحو السماء.

يسمّى قوس قزح في بعض المناطق الأمازيغية إلى يومنا هذا "ثسليت ن أنزار"، لذا فإنّ الأمازيغ يتبرّكون بأنزار حيث يطوفون، وهم يردّدون أهازيج تمجّد عروسته من أجل طلب عطفه ليسقي الأرض بمائه، ولازالت لحدّ الآن تقام هذه العادة عند الجفاف، فتطوف نساء القرية برفقة الأطفال الصغار، ويردّدون أهازيج تمجد أنزار، حاملين معهم ملعقة بلباس تقليدي بحيث تشبه "ثسليث ن أنزار".

أغنية المطر

أطلّ وزير الموارد المائية الجزائري على شاشات التلفزيون ليخبر الجزائريين أنّ بلادهم مصنّفة ضمن البلدان "الفقيرة مائياً"، وأن أزمة عطش قد تتهددهم في أي لحظة. في الحقيقة، لم يكن الجزائريون بحاجة لتصريح الوزير ليعلموا ذلك، فقد جفّت حنفيات منازلهم منذ مدّة، وبات الحصول على حمام ساخن بعد يوم عمل شاق أشبه بالحلم.

في الأثناء، نادت وزارة الشؤون الدينية من جهتها إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء الجمهورية، عسى الله يستجيب لدعوة من دعواتهم ويرزق الأرض ما يغيثها وينبت ثمرها بعد أن مرت شهور دون مطر، وبعد أن حرث الفلاحون أرضهم استعداداً للبذر والزرع.

في قرية أث حمدون، شرق العاصمة الجزائرية، استعدّ أهل القرية لطقس تقليدي لطلب المطر، وقرروا إحياء ذكرى قصة حب أنزار وثسليث، عسى ذكرى الحب الجامح يفيض مطراً على القرية وأهلها

في قرية أث حمدون، شرق العاصمة، شرع أهل القرية في الاستعداد لطقس تقليدي لطلب المطر، إنهم يحيون ذكرى قصة حب أنزار وثسليث، عسى ذكرى الحب الجامح يفيض مطراً على القرية وأهلها، ويُغيث فلاحيها ومزارعيها، ويعيد الماء إلى الجداول التي جفّت وتشققت أتربتها.

قبل بداية الاحتفال، تجتمع نساء القرية في منزل إحداهن، وتقوم كل عائلة باختيار متطوّعة من النساء، ليشكلّن فريقاً ويجُبن القرية يغنين أهازيج خاصة، ويطرقن أبواب المنازل من أجل طلب القمح والزيت والخضر أو المال، من أجل تحضير الطعام للقادمين لإحياء العادة، وفي بعض الأحيان تتطوّع عائلة ميسورة الحال كي تحضّر الغداء أو العشاء، ليكرموا به القادمين لطلب الغيث، وغالباً ما يكون الكسكسي هو الطبق الذي يتم تحضيره، فهو الطبق الذي طالما لازم الفرح والترح عند الجزائريين.

في اليوم الموعود، يلتقي جميع سكان القرية في ساحتها ، بحيث تجلس النساء في جهة والرجال في جهة أخرى. تحضّر النساء الطعام وتقدمنه، بينما تأخذ مجموعة أخرى، يرافقها الأطفال الصغار، بالغناء والإنشاد وتحضير الحنّاء.

تسير المجموعة تجوب أزقة القرية، وتتعالى معها الأهازيج وتتوالى الكلمات "أنزار أنزار أربي أسويت أرزار، أتسو النعمة بذرار أدرنو ثين أوزغار"، بمعنى "أنزار أنزارا يا رب اسقها للجذور، تسقى أرزاق الجبال والسهول".

تجتمع النسوة في مجموعات صغيرة، يتقاسمن ما تم طهيه، ويتبادلن الأطباق التي أتين بها من منازلهن، كسكس من القمح والشعير، فطائر و"بغرير"، حلويات مختلفة، تين مجفف ومكسّرات ومختلف غلال الأرض، هنا، يتجاوز المشهد طلب الغيث، ليصبح فضاء للدعاء بالسلامة لأهل القرية وبالرفاه لسكّانها، فيما تغرق المسنّات من نساء القرية في الدعاء بالزواج والبنين للفتيات، في جوٍّ عائلي مميّز.

من جهتهم، يتّخذ الرجال مجلساً لهم، وبعد الفراغ من الأكل يقومون بجمع تبرّعات للفقراء والمحتاجين من سكان القرية وأهلها، كما يحرص أعيان القرى على إلقاء كلمات تدعو للوحدة ولمّ الشمل، فبحسبهم، إن سواد القلوب هو من عطّل المطر، لينتهي المجلس برفع الأيدي والدعاء لله بأن يرزق الأرض غيثاً يشفي ظمأها ويُنقذ بساتين الفلاحين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard