رأس السنة الأمازيغية... رحلة الاعتراف بثقافة الأمازيغ وهويتهم في الجزائر

الأربعاء 12 يناير 202202:16 م

عرفت القضية الأمازيغية مراحل متباينةً، بين ثورات دامية ونضال سياسي، كانت بدايته مطالب مدارها اللغة الأمازيغية بعد إقصائها أمام اللغة العربية التي انتشرت منذ مجيء الإسلام. بعدها تطورت المطالب لتتحول إلى فرض الاعتراف بالثقافة الأمازيغية، ومقاومة طمس المقومات والهوية الأمازيغية، قبل أن تتبنى جمعيات وتنظيمات وضع أسس ترسيم رأس السنة الأمازيغية، وجعلها عيداً وطنياً، ويوماً مدفوع الأجر للعمال، تقام فيه نشاطات ثقافية احتفاءً بالهوية الأمازيغية.

12 كانون الثاني/ يناير هو يوم احتفال الأمازيغ برأس السنة الأمازيغية لعام 2،972، ويُطلق عليه تسمية يناير، وهي السنة التي تسبق التقويم الغريغوري بـ950 عاماً.

هذا العيد الوطني الذي قامت حكومة الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، بترسيمه، بمثابة الانتصار لمن يمكننا القول إنهم السكان الأصليون لمناطق عدة في الجزائر، إذ يرجع تاريخهم إلى عصر الإمبراطورية الرومانية على الأقل. وقد ظلوا هناك منذ ذلك الوقت، ولا زالوا محافظين على لغتهم وهويتهم وثقافتهم المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم.

رمزية الاحتفال بيناير

ينقسم المؤرخون حول أصل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى قسمين، فمنهم من يرى أن اختيار هذا التاريخ من كانون الثاني/ يناير يرمز إلى احتفالات الفلاحين بالأرض والزراعة، ما جعلها تُعرف باسم السنة الفلاحية.

ويرى القسم الثاني من المؤرخين، أن هذا اليوم من كانون الثاني/ يناير، هو ذكرى انتصار الملك الأمازيغي "شاشناق" على الفرعون المصري "رمسيس الثاني" في مصر في المعركة التي وقعت على ضفاف النيل ﺳﻨﺔ 950 ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ.

ففي الجزائر مثلاً، يتجول المحتفلون في الأحياء السكنية في 12 كانون الثاني/ يناير (رأس السنة)، وهم يرتدون أقنعةً على وجوههم، ويطلقون الأهازيج المصحوبة برقصات تقليدية ضمن كرنفالٍ تقليدي سنوي يُسمّى "إيراد".

عرفت القضية الأمازيغية مراحل متباينةً، بين ثورات دامية ونضال سياسي، كانت بدايته مطالب مدارها اللغة الأمازيغية بعد إقصائها أمام اللغة العربية. بعدها تطورت المطالب لتتحول إلى فرض الاعتراف بالثقافة الأمازيغية، ومقاومة طمس المقومات والهوية الأمازيغية

كما تتضمّن الاحتفالات أيضاً، إلقاء محاضرات وأنشطة أكاديمية مختلفة تهدف إلى التعريف بالحضارة الأمازيغية، وتاريخها، وتناقش أيضاً القضايا المتعلّقة بالأمازيغ ومشاغلهم وثقافتهم ومكانتها في مجتمعاتهم.

ومنذ عام 2016، اعتمدت السلطات الجزائرية يوم 12 كانون الثاني/ يناير من كل عام، يوم عطلة رسمية احتفالاً برأس السنة الأمازيغية الجديدة.

ويرتدي المحتفلون بالعيد في هذا اليوم، ملابس جديدة، كما يقومون بطهي أطباق مميزة، وفي بعض الأحيان يحلقون رؤوسهم.

"الربيع الأسود"... تضحيات للاعتراف بالهوية الأمازيغية

قال ماسينيسا، أحد سكان مدينة القبائل، لرصيف22، إنه قبل عشرين عاماً من الآن، اندلعت ثورة احتجاجية دامية سُمّيت بـ"الربيع الأسود"، في منطقة القبائل في الجزائر، بعد حادثة  وفاة طالب في المدرسة الثانوية أمام  مقر للدرك الوطني في الولاية نفسها، تبعتها أعمال شغب قمعها النظام بالقوة. ثورة كان عنوانها الدفاع عن الهوية الأمازيغية في منطقة تُعدّ رائدة الاحتجاج في الشارع.

يكمل ماسينيسا أن الاحتجاجات سبقتها حادثة قتل الطالب، والتي جاءت بعد مشاجرة بين شبان وعناصر الدرك أصيب على إثرها شاب في 18 نيسان/ أبريل، بجروح خطيرة جراء طلقات من رشاش كلاشنيكوف في مقر الدرك في بني دوالة، وهي بلدة جبلية قريبة من تيزي وزو، شرق الجزائر العاصمة. وبعد يومين، توفي في مستشفى في العاصمة، تم نقله إليها في حالة حرجة، واعتُقل الطالب في المدرسة الثانوية بعد مشاجرة.

يُذكر أن الحادثة تزامنت مع الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الحادية والعشرين لـ"الربيع الأمازيغي"، في 20 نيسان/ أبريل 1980، بتظاهرات مؤيدة للاعتراف بالثقافة الأمازيغية، فانتفضوا بعد جنازة الشاب.

على إثر ذلك، نزل سكان المدن والقرى إلى الشوارع، للمطالبة بإغلاق جميع مقار الدرك الوطني في المنطقة، وتحولت التظاهرات إلى مواجهات مع قوات الأمن التي أطلقت النار بالذخيرة الحية، ما أسفر عن مقتل 126 شخصاً، وجرح أكثر من خمسة آلاف آخرين.

يتابع ماسينيسا: "هذه التضحيات كانت منطلقاً صريحاً للاعتراف بالثقافة الأمازيغية. فبعد الثورة الاحتجاجية، لم يصبنا الإحباط نحن كأمازيغيين، لأننا نأمن بقضية، ووصلنا بعدها إلى أهدافنا المتمثلة في الاعتراف بهويتنا وثقافتنا وترسيم لغتنا".

بعد سنة من تلك الأحداث، تبنّى البرلمان الجزائري بغالبية ساحقة، مراجعةً دستوريةً تنص على عدّ الأمازيغية "لغةً وطنيةً ورسميةً" في البلاد، فيما اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية بمبادرة من الرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة.

وأصبحت وسائل إعلام الدولة تقدّم نشراتٍ مفصلةً بالأمازيغية، وذلك منذ العام 2002، أي سنةً بعد الأحداث الدامية لـ"الربيع الأسود".

الراية الأمازيغية... واعتقال حامليها

في فترة الحراك الشعبي قبل سنتين من الآن، أصدر قائد الجيش الوطني الشعبي السابق أوامر بمنع حملها في مسيرات الجمعة، الأمر الذي أدى إلى حالة احتقان كبيرة وسط المتظاهرين، الذين كانوا يقومون برفع الأعلام الوطنية، ورايات الهوية الأمازيغية التي تعبّر عن الأصول التي لا تمسّ بالوحدة الوطنية، أو تستهدف الانفصال، كما هو الحال مع "حركة استقلال القبائل" التي ترمز رايتها  إلى مجموعة من الانفصاليين تنشط غالبيتهم في منطقة القبائل التي تُعد معقل الأمازيغ في الجزائر.

وبعد رفع التحدي من قبل الشباب الأمازيغ، خلال مسيرات الحراك الشعبي، بعد أن استنكروا قرار منع رفع الراية الأمازيغية، قاموا بالخروج بالرايات معبّرين عن حقهم بالفخر بثقافتهم وهويتهم، وأعلنت السلطات الجزائرية على إثر ذلك عن إيداع 17 شخصاً في الحبس المؤقت، لرفعهم رايةً غير الراية الوطنية، بعد مسيرة الجمعة التي تلت خطاب قائد الأركان السابق، وتم توجيه تهمة "إهانة هيئة نظامية" إلى رافعي الراية.

يُذكر أن الفريق أحمد قايد صالح، قائد الأركان السابق، قال إن "للجزائر علماً واحداً استشهد من أجله ملايين الشهداء، ورايةً واحدةً هي الوحيدة التي تمثّل رمز سيادة الجزائر، واستقلالها، ووحدتها الترابية والشعبية"، معطياً أوامر بتطبيق القانون في حال عدم امتثال مرتادي المسيرات.

على إثر ذلك، سبّب التضييق على حاملي الرايات الأمازيغية سخطاً، وطرح جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ووُصفت الحادثة بالاستبداد والطعن في هوية شريحة معيّنة في الجزائر، وجعل حمل راية ثقافية عملاً إجرامياً يمسّ بالوحدة الوطنية!

قال عارفون في الشأن القانوني تحفّظوا على ذكر أسمائهم، لرصيف22، إنه لا يوجد في قانون العقوبات الجزائري، ما يمنع رفع الراية الأمازيغية، وإنما هناك تجريم لمن يهين العلم الوطني، مؤكدين أن حملة الاعتقالات الأخيرة في صفوف المحتجين بسبب حمل أعلام غير العلم الوطني، تُعدّ عملاً تعسفياً.

يشكل الأمازيغ جزءاً مهماً من المجتمع الجزائري، كما أنهم يُعدّون السكان الأصليين للبلاد، ولدول شمال إفريقيا، قبل الفتح الاسلامي، وهم الشعب الذي أقبل على الإسلام، واستقبل الفاتحين، وساعدهم على فتح مناطق أخرى كالأندلس

أثارت الحملة التي باشرتها المصالح الأمنية لتنفيذ تعليمات قائد الجيش بمنع رفع أي أعلام غير العلم الوطني، جدلاً كبيراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضاً لدى ناشطين حقوقيين وصفوها بغير القانونية، والمخالِفة لمبادئ الدستور الجزائري الذي اعترف بالأمازيغية لغةً رسمية ووطنية في البلاد.

"على السلطات الجزائرية أن تطلق سراح كل المعتقلين المتهمين بحمل راية الأمازيغية"

يتحدث المحامي ورئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان-مكتب عنابة، مسعودي عادل، لرصيف22، حول العيد الوطني والاحتفاء برأس السنة الأمازيغية، معرباً عن استنكاره عدول السلطات عن قرارها بإدانة عدد من المتظاهرين الذين حملوا رايات الأمازيغية في فترة الحراك الشعبي، مشيراً إلى التناقض في اتخاذ هكذا قرار، في الوقت الذي تعترف فيه الدولة الجزائرية بالهوية الأمازيغية، ولغتها، وثقافة أهاليها، مؤكداً في السياق أن حمل الهوية لا علاقة له بأي صيغة انفصالية، لا من قريب، ولا من بعيد، ومن حق كل أمازيغي التباهي بهويته، والمحافظة على تراثه وثقافته.

خريطة تمركز الأمازيغ في الجزائر

يشكل الأمازيغ جزءاً مهماً من المجتمع الجزائري، كما أنهم يُعدّون السكان الأصليين للبلاد، ولدول شمال إفريقيا، قبل الفتح الاسلامي، وهم الشعب الذي أقبل على الإسلام، واستقبل الفاتحين، وساعدهم على فتح مناطق أخرى كالأندلس، حسب عدد هائل من المؤرخين والكتّاب الذين عاصروا حقبة الأمازيغ.

وتتغنى هذه الفئة في الجزائر، بماضٍ عتيد يقدّس الحرية، عبر شعارهم الخالد "نكنو ولا نغزر"، وتعني "نموت ولا ننحني"، ويلتحفون رايةً استلهموا ألوانها من الطبيعة والجبال التي يقطنونها على مر العصور، وهي الألوان التي كان يحملها المقاومون.

يتمركز الأمازيغ في أربع مناطق رئيسية في الجزائر؛ أكبر كتلة سكانية في منطقة القبائل الكبرى، التي تمتد على مناطق البويرة وتيزي وزو وبجاية، بالإضافة إلى بعض المناطق من ولايات سطيف وجيجل، ويقطن جزء منهم منطقة تيبازة، 80 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية، ويُعرفون بـ"إيشنوين"، نسبةً إلى جبل شنوة.

ويحتفظ أمازيغ القبائل الكبرى بعادات وتقاليد، خاصةً في ما يتعلق بإدارة الشأن الاجتماعي، ويشكّل عقلاء القرى ما يُعرف بـ"تاجماعت"، وتعني العرش، أو الجماعة التي تدير القرية، وتشرف على عمليات التضامن والتكافل المجتمعي وحل المشكلات الاجتماعية.

وتتمركز الكتلة الثانية للأمازيغ في منطقة غرداية، وسط البلاد، كما تُعدّ هذه الأخيرة بوابة الصحراء، ويتميز سكانها باعتناق المذهب الإباضي، وهم أكثر انضباطاً من ناحية التنظيم الاجتماعي. وحتى الآن، يحافظ أمازيغ غرداية على هيئات اجتماعية تحكم المجتمع الإباضي، كمجلس عمي سعيد، والذي يجمع علماء الإباضية وفقهاءها، ويشرف على الشؤون الدينية، ومجلس العزابة الذي يدير الشأن الاجتماعي والثقافي، وكذلك الشأن التربوي والمدارس الحرة.

أما الكتلة الثالثة من الأمازيغ، فتتمركز في منطقة الأرواس أقصى شرق الجزائر، قرب الحدود مع تونس، ويُعرفون بـ"الشاوية"، وتضم مدن باتنة وخنشلة وأم البواقي وسوق أهراس، وهي مناطق ثورية شهدت أكبر المعارك والمواجهات، وهم أكثر تمسكاً باللحمة الوطنية، ويتميز أمازيغ الشاوية بالتمسك بالتراب والأرض وبالشدة، تماشياً مع قساوة الظروف المناخية الباردة في الشتاء، وما زالوا يخضعون لهيئات عرفية واجتماعية  العرش، التي تساهم في إدارة حياتهم الاجتماعية، فيما تتمركز الكتلة الرابعة من الأمازيغ في منطقة الصحراء، كتمنراست وإليزي، ويُعرفون  بالطوارق. وتتميز حياتهم بالبساطة والتنقل في فيافي الصحراء، لكنهم بدأوا في العقود الأخيرة في الاستقرار في المدن الصحراوية، ويتميزون بموسيقى التندي، التقليدية الهادئة التي تُعزف على قيثارة تقليدية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard