لا بدّ من تذكير المؤسسة الدينية أن عهد "محاكم التفتيش" قد ولّى

الاثنين 31 يناير 202203:52 م

من الضروري دائماً التذكير بالزمن الذي تقع فيه الواقعة؛ لأنّ في ذلك استنكاراً مبطناً لنسيان أنّ مياهاً كثيرة مرّت تحت جسر العقل الفقهي، وهو مقصدنا هنا؛ حيث نستدعي السجال الحامي الذي فجّره فيلم سينمائي، يقال إنه خدش "القيم"، وأشاع "الفاحشة"، وتطاول على "الأخلاق"، وهدّد أو صدّع، أو كاد "بنية العائلة العربية"، وأشاع مناخاً من الدعوة إلى "التحلّل".

هل تمتلك المؤسسة الدينية جهازاً مفهومياً يستطيع أن يفكّك عملاً فنياً؛ بحيث يثبت بالدليل "العلمي/ المنطقي" أو بالقرائن التي من جنس العمل، أنّ خطاب الفيلم يشيع الفاحشة، مثلاً؟

الاتهامات التي تنتسب إلى هذه الطائفة من الأحكام كثيرة، لكنّ ما يستدعي التوقف عندها أنها مثقلة بحمولة دينية فيها قدْر غير يسير من التحليل والتحريم. وإذا أضفنا إلى ذلك كله أنّ بعض هذا التأثيم صادر عن مرجعيات دينية، فإنّ القضية تتخذ مساراً آخر. الأمر أضحى يتعدى الذائقة الفنية المتنازَع عليها، ويذهب إلى التصنيف الديني الذي قد يُخرج المستهدَف به من خانة الدين، ويقذف به إلى العراء. وفي العراء، كما يعرف العالِمون، سهام وترويع وذبح وتفريق للزوج عن زوجه (قانون الحسبة يطل برأسه)، وأقله الحصار الضاري للحرية الشخصية وتهديدها المستمر.

من حقّ الجمهور أن يُبدي رأياً في فيلم "أصحاب ولا أعز" فيستحسن هذا الأداء ويرذل غيره، ويستأنس بهذا التعبير ويشجب سواه، ويروق له الحوار إجمالاً، ويأنف من بعضه. هذا أمر يجري في سائر عمليات التواصل الفني. ومن السجال التي يسفر عن هذه العملية الاتصالية يغتني العمل ويسترشد الممثل، وتنضبط بوصلة الإيقاع. وقد لا يعود أهل الفيلم، أيّ فيلم، إلى معاودة الكرّة مرة أخرى إذا كانت النقمة عارمة، وكان العمل مسفّاً. وفي كلّ الأحوال لا بد من أن تظل ثمة ثقة في الذائقة العامة: لا يُجمع الناسُ كلُّهم على امتداح فساد، أو الابتهاج بركاكة.

أمّا ما لا يمكن احتماله فهو اللغة الجازمة، الخشنة، النابذة، المتوعّدة، الصادرة عن المؤسسة الدينية التي يتعين إعادة النظر في دورها وفي الحدود والمساحات التي تنبغي أن تتحرك فيها، ولا بد من تذكيرها بأنّ عهد "محاكم التفتيش" قد ولّى، وأنّ فرض "الكتالوغ الديني" على الناس، وتحويلهم إلى "كائنات دينية" لا يستقيم وقيمَ الحرية وشريعة حقوق الإنسان، التي صانت التعبير والتفكير والإبداع، وجعلت ممارسة هذه الحقوق، بدون خوف أو تدخل غير قانوني، "أمراً أساسياً للعيش في مجتمع منفتح ومنصف"، وفق منظمة العفو الدولية، التي أكدت أنّ "من واجب الحكومات منع خطاب الكراهية والتحريض... وعدم سنّ قوانين تجرِّم حرية التعبير. وغالباً ما تفعل ذلك باسم مكافحة الإرهاب أو الأمن القومي أو الدين".

ما لا يمكن احتماله فهو اللغة الجازمة، الخشنة، النابذة، المتوعّدة، الصادرة عن المؤسسة الدينية التي يتعين إعادة النظر في دورها وفي الحدود والمساحات التي تنبغي أن تتحرك فيها

فهل يستقيم هذا النص الذي أكدته، من قبلُ، شِرعة حقوق الإنسان، مع البيان الساخط الذي أصدره مركز الفتوى العالمي للأزهر (وهو أعلى مؤسسة فقهية إسلامية)، حين قال في ضوء ما أثير حول فيلم "أصحاب ولا أعز" بأنّ "المُشاركة في إشاعة الفواحش وتهوينها في عيون النَّاس خطيئة تنشر المُوبقات والجرائم، وتهدِّد قِيم المُجتمع وأمنه واستقراره"، وأنّ "تشويه المفاهيم الدِّينية، والقِيم الأخلاقية، بهدف إثارة الجَدَل، وزيادة الشُّهرة والمُشاهدات أنانيَّة ونفعيَّة بغيضة، تعود آثارها السَّلبية على استقامة المُجتمع وانضباطه وسَلامه"، مؤكداً أنّ "النَّماذج السَّيئة في المُجتمعات لا يُحتفَى بها، ولا يُتعاطف مع خطئها، بل تُبغَّض أفعالها، ويُحذَّر النَّاس منها"، لافتاً إلى أنّ "البذاءة اللفظية لا جرأة فيها أو شجاعة، بل هي صفة دنيئة، مُخالفة للفطرة، ومُنافية للآداب الشَّرعية والذَّوق العام".

المؤسسة الدينية، أو هكذا ينبغي أن تكون، ليست وسيطاً يربط الإنسان بالسماء.

أسرف بيان الأزهر في ذكر "الموبقات" التي جزم أنّ الفيلم يروّج لها من "الخيانة الزوجية" و"الشذوذ الجنسي" و"هدم المنظومة القيمية الاجتماعية ومؤسسة الأسرة"، وكان ينقص البيان، في ظني، أن يدعو إلى إقامة الحدّ على الفيلم وأصحابه. فهل يدخل ذلك في إطار الوظيفية الأساسية للمؤسسة الدينية؟ بمعنى هل تمتلك المؤسسة الدينية جهازاً مفهومياً يستطيع أن يفكّك عملاً فنياً؛ بحيث يثبت بالدليل "العلمي/ المنطقي" أو بالقرائن التي من جنس العمل، أنّ خطاب الفيلم يشيع الفاحشة، مثلاً؟

الفاحشة، وسواها من العبارات المتصلة بالبذاءة والدناءة والخطيئة، مفاهيم فلسفية تنتسب إلى علم الأخلاق المعيارية المعني بتحديد كيفية التوصل إلى المعايير الأخلاقية الأساسية وتبريرها. فهل لدى مركز الفتوى، الذي أصدر البيان التعزيريّ الشديد اللهجة، خبراء في الفلسفة الأخلاقية يُبيّنون للناس ما الفاحشة التي أشاعها فيلم يقارب بشكل فني (نتفق أو نختلف عليه) مشكلات واقعية، ويتحدث عنها، ولا يصدر بشأنها أحكاماً، وهو لذلك يتمتع بذكاء في المعاينة، ويتجنّب الانحياز والترويج. إنها كاميرا عريضة تلتقط ما في المجتمع من مفارقات وانشطارات، وتسلط ضوءاً ساطعاً عليها، دون أن تتخلى عن شرط الحرية التي هي هواء الفن؟

من حق العقل الفقهي، ربما، أن يدافع عن مصالحه. (كيف يكون هذا العقل عاملاً إن لم يصدر بيانات كهذه؟)، لكن ليس من حقه أن يحاكم عملاً فنياً بأدوات غير فنية، وبلغة أصبحت متداولة ومعروفة في المعجم التأثيمي، وتصلح العبارات الواردة في البيان لكشف تهافت أغنية أو كتاب أو "بوست" على السوشيال ميديا، أو فستان ارتدته ممثلة في مهرجان سينمائي، إلى آخر الحادثات التي يلتقطها مرصد الفقه الحساس، فيضرب على وترها حتى تنزف.

من حق العقل الفقهي، ربما، أن يدافع عن مصالحه. (كيف يكون هذا العقل عاملاً إن لم يصدر بيانات كهذه؟)، لكن ليس من حقه أن يحاكم عملاً فنياً بأدوات غير فنية، وبلغة أصبحت متداولة ومعروفة في المعجم التأثيمي

حينما دعا الفلاسفة والمصلحون إلى "تنحية" المؤسسة الدينية عن الخوض المباشر في الشأن العام، لم يكن مبعثَ ذلك الازدراءُ، أو الحطُ من القيمة الاعتبارية الموقرة للمؤسسة الدينية، بل حماية تلك المؤسسة من "الهذر" وصيانتها، وبالتالي الحيلولة دون انزلاقها إلى مستويات بعيدة عن الروحانية، ويمكن أن تتولاها أجهزة التكنوقراط المتخصصة.

المؤسسة الدينية، أو هكذا ينبغي أن تكون، ليست وسيطاً يربط الإنسان بالسماء، ولا يتعين لها أن تمارس هذا الدور، بعد أن سقطت "صكوك الغفران" بقرار الكنيسة ذاتها التي شعرت أنّ العقل الديني هو بالأساس عقل فردي تقوم فعاليته على الاختيار الحر، وكلما اتسع نطاق الحرية صار الإيمان والتدبر في شؤون الكون أكثر فسحة. أليس هذا مطمحَ الأديان؟ أليس هذا السبيلُ ما يجعل الناسَ "أصحاب ولا أعز"؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard