"أصحاب ولا أعز" غرباء تماماً وحرام بالعربية

السبت 22 يناير 202212:50 م

إن منطقة الأمان بالنسبة إلى صناع فيلم "أصحاب ولا أعز"، من إخراج وسام سميرة، هي أنه تقريباً نسخة طبق الأصل من النسخة الأصلية للفيلم الإيطالي "غرباء تماماً" (Perfect Strangers)، تحت بند ما يُسمّى Remake، والذي تم تحويله إلى 18 نسخةً فرعيةً في بلاد متنوعة، مثل الهند، والمكسيك، وألمانيا، وأشهر تلك النسخ المقلدة هي النسخة الفرنسية. وقد دخل الفيلم موسوعة غينيس بسبب هذا الاستنساخ للغات عالمية. وما يجمع غالبية النسخ أنها لم تخرج عن النص الأصلي، والمحاولات في مساحة التغيير كانت لها علاقة غالباً بما يوضع على مائدة الطعام التي سيتجمع حولها سبعة أصدقاء، وأرادت كل نسخة إظهار ثقافة بلدها عبر الطعام.

ولم يتم الهجوم على أي نسخة سابقاً، بل تُعدّ النسخة الأساسية منه، وهي من تأليف الإيطالي باولو جينوفيزي وإخراجه، من أكثر الأفلام مشاهدةً حتى في العالم العربي، الذي شهد عرضه الأول عربياً قبيل وضعه في منصة نيتفليكس، عندما نافس في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2016، وحاز على جائزة أفضل سيناريو.

في النسخة العربية، نرى أيضاً حكاية شابة تقترب من الثامنة عشر عاماً، تحمل "واقياً ذكرياً"، وهذا المشهد هو ما أثار حفيظة المعترضين، الذي أكّد فريق العمل على أنه النسخة 19 من الفيلم الإيطالي، وبذلك، احتموا في منطقة الأمان، وكأنهم يقولون: "نحن نتفهم رد الفعل، لكن تذكّروا أننا قدّمنا ترجمةً بصريةً لفيلم إيطالي بحكايته وحواراته"

بالعودة إلى نقطة البداية، لماذا أقول: "منطقة الأمان"؟ الإجابة لها علاقة برد فعل الجمهور العربي على النسخة العربية من الفيلم، إذ تصدّر "تريندات" مواقع التواصل الاجتماعي، وحملت ردود الفعل بين طياتها عباراتٍ مثل: "هذا إسفاف"، و"دول ما يشبهوناش"، و"هذا ما يريده الغرب"، و"إدخال سلوكيات لا تتلاءم مع مجتمعاتنا"، ولنقس على ذلك تعليقات تحاول بكل جهدها نسف الفيلم والتحذير من مشاهدته، خاصةً مع وجود الأطفال والمراهقين، لأن في النسخة العربية من الفيلم، نرى أيضاً حكاية شابة اقترب عمرها من الثامنة عشر عاماً، تحمل في حقيبتها "واقياً ذكرياً"، وهذا المشهد هو ما أثار حفيظة غالبية المعترضين على الفيلم، الذي من الأساس تم من خلال فريق العمل والمنتجين بالتأكيد على أنه النسخة 19 من الفيلم الإيطالي "غرباء تماماً"، وبذلك، احتموا في منطقة الأمان الخاصة بهم، و كأنهم يقولون: "نحن نتفهم رد الفعل ذاك، لكن تذكّروا أننا قدّمنا ترجمةً بصريةً لفيلم إيطالي بحكايته وتفاصيله وحواراته"، مع العلم أن هذه المجابهة ليست الأولى في أي إنتاج لنيتفليكس في العالم العربي. هذه الاتهامات قد طالت سابقاً كلاً من مسلسل "جن" لأمين مطالقة، ومسلسل "مدرسة الروابي للبنات" لتيماء الشوملي.

إذاً، الخلاف ليس على موضوع الفيلم، بل على اللغة التي تم تناول الموضوع فيها. فمشاهدة الفيلم بالإيطالية، أو الفرنسية، أو الإنجليزية، لن تشكل لدى متلقّين أي مشكلة، بل على العكس من الممكن أن يخرجوا ويتحدثوا عن الفيلم بطريقة جيدة. لكن إذا كانت اللغة المحكية عربيةً، مهما تنوعت لهجاتها، هنا تُسلّ سيوف الهجوم، ويصبح الأمر مستباحاً، وتظهر مطالبات بعدم مشاهدته، أو النيل من صنّاعه، والجملة المتصدرة دائماً وأبداً في النقد/ الهجوم، هي: "هدول ما بشبهونا"، وكأنهم أعطوا الحق لأنفسهم بصبغ مجتمعات عربية متنوعة بهذا الوصف، وأي شخص لا يشبهه، فلزام تطبيق الهجوم عليه، وهنا الحديث عن الفئة التي هاجمت الفيلم. أما من يحاول الدفاع عنه، فسيلقى المصير نفسه، ولا صوت له في حضرة كل هذا التشبث بالرأي.

إن قوة النسخة العربية هي بأسماء الممثلين والممثلات فيها، وقوتها أيضاً في كونها ناقشت "الممنوع" و"التابو"، حتى لو كان ذلك من خلال نصٍ مترجم.

لنتحدث عن الفيلم...

لنعرّج على النسخة العربية من الفيلم، مع محاولة عدم مقارنتها بالنسخة الأصلية، لأنه سبق وتمت الإشارة إلى أنها تكاد تكون طبق الأصل؛ الفيلم من بطولة منى زكي، وإياد نصّار، ونادين لبكي، وجورج خباز، وعادل كرم، وديموند بو عبود، وفؤاد يمين، وهو من إنتاج لبناني مصري مشترك ونيتفليكس في أول فيلم عربي.

الحديث سيكون عن ممثلين لهم حضورهم القوي في العالم العربي، وأسماء لها مكانتها، سواء في التمثيل أو الإخراج. ثمة كيماء جمعتهم، بحيث التكامل له وقعه، أكثر من محاولة الظهور على حساب الآخر. كل اسم أدى دوره بحرفية، وليس غريباً أنهم استعانوا بمشاهدة الممثلين الأساسيين في النسخ السابقة، وحاولوا أن يكونوا على قرب منهم، وهذا أساس العمل في نسخه العديدة، فالنص واحد، والأداء واحد، مع اختلاف أسماء الممثلين والممثلات. ومع هذا، حاولوا أن يتركوا بصمتهم الخاصة، وهو جهد مضاعف خاصةً مع غياب الروح التي تتميز بها الثقافة العربية، والقصد هنا ليس السلوك بقدر ما هو العبارات أو النكات، فروح الدعابة في الفيلم لم تكن موفقةً، لأنها لم تكن إلّا مترجمةً، لذلك غابت، وهذا من أكثر الأمور التي أضعفت غالبية النسخ الأخرى.

في المقابل، فإن طريقة الإخراج وإدارة الممثلين/ ات والمكان، لم تتعدَ أيضاً الشكل الأساسي للفيلم الأصلي، والحالة العامة فيه، فأحداثه تدور في مكان داخلي، وهو عبارة عن غرفة طعام تطل على المطبخ المفتوح، وثمة ممر للحمامات، ومخرج إلى الشرفة أو الحديقة في هذه النسخة، ولا بد من الحديث عن هذا النوع من إدارة المشاهد، التي تحتاج فعلاً إلى مخرج قادر على جعل المتلقي يركّز على هذه المساحة الضيقة، مهما تحركت العناصر المكمّلة له، من ممثلين وإضاءة وصوت، فالكاميرا هنا هي عين المتلقي التي ترحل معه في كل لقطة.

من جانب آخر، البطولة ليست دائماً متعلقةً بأسماء الممثلين/ ات؛ في هذه النوعية من الأفلام، والتي تُصوَّر في مكان واحد، يكون الحوار هو البطل فيها، مثل فيلم "الديبلوماسي" للمخرج فولكير شلوندروف.

وهنا، الحوار في "أصحاب ولا أعز"، هو الذي تسبب بكل ردود الفعل هذه، إذ اتّسم بالجرأة، بسبب الألفاظ "الخارجة" حسب تعبير معلقين/ ات، وكأن هذه الألفاظ لا تُذكر بين الناس في الحياة العادية، بالإضافة إلى تفسير الأمور التي تمت مناقشتها، وهنا الحديث عن حبكة الفيلم الذي بُني على قصة اجتماع سبعة أصدقاء حول مائدة عشاء، يقررون أن يلعبوا لعبةً أساسها أن أي مكالمة أو رسالة تصل إلى هواتفهم النقّالة، يتم الرد عليها أمام الجميع، وهنا تبدأ الأسرار بالظهور، فالهواتف النقّالة بالنسبة إلى أصحابها هي "الصندوق الأسود" الذي عادةً يتم الكشف عن محتواه بعد الموت المفاجئ المتعلق عادةً بحوادث خارجة عن إرادة البشر.

كل هذه الأحداث تكون مع ترقب خسوف القمر، الذي تصرّ النساء في الفيلم على وصفه بالكسوف، وهذا ليس اعتباطاً بقدر ما له علاقة بالمعنى الحرفي للخسوف والكسوف، بين رد فعل الرجل ورد فعل المرأة في أمور حياتية، الاختباء أو الخجل، ومع هذا الترقب الذي يصبح ثانوياً في الفيلم، تتعرف إلى كل شخصية، وما تحمله من أسرار، ومخاوف، ويأس، وبضع خيانات...

كما يتحدث الفيلم عن الأب وعلاقته مع ابنته التي قررت أن تمارس الجنس مع حبيبها، وتستشير الأب بدل الأم. هنا، كان المشهد "سريالياً" بالنسبة إلى متلقّين عرب، اعتادوا أن مثل هذا الموضوع لا يُذكر أصلاً، لأنه بناءً على إحصاءات عديدة، فإن من تمارس الجنس خارج إطار الزواج، قد تتعرّض لأشكال عديدة من التعنيف، والذي يصل إلى القتل أحياناً

كما يتحدث الفيلم عن الأب وعلاقته مع ابنته التي قررت أن تمارس الجنس مع حبيبها، وتستشير الأب بدل الأم. هنا، كان المشهد "سريالياً" بالنسبة إلى متلقّين/ متلقيات عرب، اعتادوا أن مثل هذا الموضوع لا يُذكر أصلاً، لأنه بناءً على إحصاءات عديدة، فإن من تمارس الجنس خارج إطار الزواج، قد تتعرّض لأشكال عديدة من التعنيف، والذي يصل إلى القتل أحياناً. فأين هذا الأب في مجتمعاتنا؟

من وجهة نظري، إن هذا الأب موجود، لكن المجتمع وقوانينه هما من منعاه عن الإعلان عن نفسه، لذلك تعود منطقة الأمان إلى الفيلم؛ "لا تصدّقوا أن هذا يحدث في بلادنا العربية، وتذكروا أن هذه النسخة تم تعريبها".

الصفعة الثانية مجتمعياً، تجسّدت في الشخصية المثلية جنسياً في الفيلم.

الصفعة الثانية مجتمعياً، التي حدثت بالفعل، تجسّدت في الشخصية المثلية جنسياً في الفيلم. فكيف لفيلم عربي أن يعطي كل هذه المساحة لمثل هكذا شخصية؟ لأن المتلقي اعتاد أن ظهور المثلية في الدراما والسينما العربية ترتبط باضطراب نفسي يجب علاجه، كما أن شكل الشخصية يجب أن يكون غريباً، وحركته أيضاً، وفي أحيان كثيرة تُعرض الشخصية بأسلوب ساخر وكوميدي، فكيف لفيلم ناطق بالعربية أن يعطيه كل هذه الحرية بالتعبير عن نفسه، ويظهر الشخص المثلي جنسياً بملامح "عادية"، على الرغم من أنه أخفى هويته الجنسية 20 عاماً عن أصدقائه، ولولا لعبة الموبايل لاستمر في هذا الخفاء؟ وعملياً هو استمر لأنه في نهاية الفيلم، سيدرك المتلقي معنى الأسرار إذ كُشفت لكل شخصيات الفيلم.

ختاماً، فإن قوة النسخة العربية هي بأسماء الممثلين والممثلات فيها، وقوتها أيضاً في كونها ناقشت "الممنوع" و"التابو"، حتى لو كان ذلك من خلال نصٍ مترجم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard