"أصحاب ولا أعزّ"... التقاط السروال الداخلي للسينما النظيفة

الأحد 23 يناير 202202:21 م

في اليوم الأول لعرضه على منصة نتفليكس، احتل فيلم "أصحاب ولا أعز" المرتبة الأولى في المشاهدة بأربع دول عربية: مصر والأردن والكويت والمغرب. استغرق الأمر ساعات قليلة لكي يشغل الفيلم مركز اهتمامات السوشال ميديا في مصر لأكثر من 48 ساعة ولا يزال مستمراً مع أخبار عن مطالبات في مجلس النواب لمنع عرضه، في حملة يختلط فيها تجريم المثلية الجنسية مع الإساءة لسمعة البلد ورفض كود الشمول والصوابية للمنصة العالمية وصورة ذهنية نمطية يبلغ عمرها ربع قرن لنجمة محبوبة.

يسعى هذا المقال لمحاولة تحليل خلفيات هذا التصاعد غير المفاجئ، والذي تظهر فيه نتفليكس في المقدمة كمنصة تضع في مقدمة أهدافها شمول تمثيل كل الفئات الاجتماعية في أعمالها الأصلية، مع التركيز على المثليين والعابرين جنسياً بشكل خاص، وهي سياسة يظهر وجهها الآخر في التمثيل الإيجابي للعرب والمسلمين بأعمالها، وهو ما تتجاهله الحملات ضدها في العالم العربي.

بلغ عدد المشتركين في نتفليكس عالمياً حتى نهاية 2021 ما يقارب 222 مليون حساب، ومن المتوقع أن تصل الاشتراكات من منطقة الشرق الأوسط لأكثر من 14 مليون.

بلغ عدد المشتركين في نتفليكس عالمياً حتى نهاية 2021 ما يقارب 222 مليون حساب، ومن المتوقع أن تصل الاشتراكات من منطقة الشرق الأوسط لأكثر من 14 مليون، يشمل هذا الرقم إسرائيل وتركيا التي تعد أكبر بلد للمشتركين في نتفليكس بالمنطقة، وهو ما يظهر في تركيز المنصة على تركيا في إنتاجاتها الأصلية.

تعرضت نتفليكس لهجوم مشابه في 2019 بعد عرض مسلسلها الأردني "جن" (أول أعمالها العربية)، كانت الأسباب هي "تشويه صورة" المجتمع الأردني وإظهاره متأمركاً، وهو ما أدى لتأجيل عرض مسلسل "مدرسة الروابي للبنات"، وربما تعديل بعض أجزائه.

لكن معظم الجدل حول نتفليكس لا يأتي من معسكر المشتركين غير الراضين عن تمثيلهم على الشاشة مقابل تكلفة اشتراكهم الشهري، فأعمال المنصات بمجرد عرضها تتسرب إلى مواقع القرصنة التي تقدمها بأعلى جودة، ولهذا يكتسب الجدل زخماً إضافياً، ثم يُضاف زخماً آخراً من المتابعين عن قرب؛ الذين يشاركون في الجدل بدون قدرة على المشاهدة، وبأحكام مسبقة مستوحاة من أحكام آخرين، وهكذا يتصاعد الترند على السوشال ميديا.

فكرة "أصحاب ولا أعز" المترجمة حرفياً عن الفيلم الإيطالي "Perfect Strangers"، تعتمد على دراما مكان واحد في ليلة واحدة، حيث مجموعة أصدقاء يجتمعون على العشاء ويمارسون لعبة كشف كل الرسائل والمكالمات الواردة لهواتفهم. من ضمن الشخصيات ربيع (فؤاد يمين)، وهو مثلي جنسياً أخفى أمره عن أصدقائه لأكثر من 20 سنة، وعلى العشاء يتبادل هاتفه مع شريف (إياد نصار)، ليرى رد فعل أصدقاء عمره عندما يظنون أن شريف هو المثلي.

على السوشال ميديا يبدو أن الكل ينفذ دوره كما هو مكتوب: نتفليكس نقلت الفيلم الإيطالي بكل دقة، وضمنت شخصية مثلية كما هو متبع في كود الشمول والتنوع الخاص بها، جمهور المشتركين يتململ فيفتح جدل مبدئي، ثم يتكفل غير المشتركين برفع الجدل إلى سطح الترند، وبالتالي يطول نصف العمر الإشعاعي للفيلم على السوشال ميديا.

التطور المرعب كان من نصيب منى زكي، النجمة المصرية الوحيدة بالفيلم، حيث تصاعد الهجوم ضدها لدرجة دخول جحافل المعترضين على حساب زوجها النجم أحمد حلمي لمطالبته بالسيطرة على اختيارات أدوارها.

يسعى هذا المقال لمحاولة تحليل خلفيات تصاعد الهجوم غير المفاجئ، والذي تظهر فيه نتفليكس كمنصة تضع في مقدمة أهدافها شمول تمثيل كل الفئات الاجتماعية في أعمالها الأصلية، مع التركيز على المثليين والعابرين جنسياً بشكل خاص، وهي سياسة يظهر وجهها الآخر في التمثيل الإيجابي للعرب والمسلمين بأعمالها

بنت الحارة الهشة ومسؤولية الجمهور الأخلاقية

لاستهداف جمهور من جنسيات عدة، تسعى منصات الفيديو حسب الطلب للمشتركين (SVOD) لتطعيم أعمالها بنجوم من جنسيات خارج الإطار الدرامي الذي تدور به الأحداث. "أصحاب ولا أعز" هو فيلم لبناني بالأساس، من حيث موقع الأحداث، والمخرج وفريق الكتابة، ومعظم الممثلين (نادين لبكي وعادل كريم ودياموند بوعبود وفؤاد يمين وجورج خباز).

خارج هذا الإطار اللبناني يقدم الأردني إياد نصار والمصرية منى زكي دور زوجين مصريين (شريف ومريم) يعيشان بلبنان منذ سنوات، ويمر زواجهما بأزمة قطعت علاقتهما العاطفية والجنسية منذ شهور. من المشاهد الأول تظهر مريم وهي تعالج ضغوط حياتها بالخمر، وقبل مغادرة منزلها للتوجه إلى العشاء تختلي بنفسها للحظات من أجل خلع سروالها الداخلي. لا نفهم مبرر هذا إلا قبيل نهاية الفيلم.

قبل صدور الفيلم، نادراً ما أشير لمباراة التمثيل المتوقعة بين ممثلين محترفين من خلفيات فنية متنوعة، ما تحدث عن الجمهور في مصر هو كيف ستبدو منى زكي وسط جميلات لبنان، وكيف ستُظهر خفة دم المرأة المصرية (وهو ما ركز عليه الفيلم بالفعل)، بمثل هذه التوازنات فإنه من المتوقع أن يضع الجمهور في مصر نجمته بكفة، وباقي الفيلم بالكفة الأخرى أياً كانت جودته.

لفهم مقدار حساسية الجمهور المصري تجاه منى زكي، يجب ربط هذا الغضب بموقعها كإحدى نجمات موجة "السينما النظيفة" منذ نهاية التسعينات. كان مدخل منى للتمثيل هو مشاركتها في المسرحية السياسية "بالعربي الفصيح" (1991) من إخراج وبطولة محمد صبحي المعروف بنزعته لتقديم أعمال أخلاقية وربما تصل للتربوية أيضاً.

لفهم مقدار حساسية الجمهور المصري تجاه منى زكي، يجب ربط هذا الغضب بموقعها كإحدى نجمات موجة "السينما النظيفة" منذ نهاية التسعينات.

وبعد أدوار تلفيزيونية غير رئيسية ودوبلاج شخصية بو بيب بالنسخة العربية من فيلم التحريك Toy Story، برزت منى في السهرة التليفزيونية "جواز على ورق سوليفان" (1998)، بدور فرح التي يدفعها الحب لعلاقة زواج عرفي غير مأمون العواقب، وفي أجواء رهاب التسعينات من التطورات الجديدة والغامضة في عالم الشباب، أصبحت فرح معبرة عن الفتاة المصرية في مهب رياح العولمة وتمرد الشباب على التقاليد.

وهكذا تحولت منى إلى نموذج "The Girl Next Door"، أو بمعنى محلي "بنت الحارة" الهشة التي يشعر الجميع تجاهها بقرابة ما، ومسؤولية أخلاقية كذلك. في 2003 كانت المصريات بانتظار مشاهدة منى زكي لأول مرة مرتدية حجاب الطبقة الوسطى في الدراما الرومانسية "سهر الليالي"، كزوجة تكتشف خيانة زوجها لها وهي في ساعات الحمل الأخيرة.

بالتوازي مع هذا التنميط، جرت محاولات لأيقنة منى في موقع "سعاد حسني الجديدة"، بالفعل قدمت دور نجمة الستينات في مسلسل السيرة الذاتية "السندريلا" (2006)، أيضاً قدمت دور السيدة الأولى جيهان السادات في فيلم "أيام السادات"، وهي مرتبة لم تصل لها ممثلة مصرية أخرى غير فردوس عبد الحميد (المغرقة جداً في الجدية) بدور تحية زوجة جمال عبد الناصر في "ناصر 56".

هكذا تحولت منى زكي لأيقونة أخلاقية تقليدية، خاصة بزواجها من أحمد حلمي (وهو أحد أهم نجوم السينما النظيفة)، وبلغت ذروة هذا الاتجاه بفيلم "تيمور وشفيقة" مع أحمد السقا الذي كان رفيق بدايتها في "جواز على ورق سوليفان". ,قدم الفيلم كل الأفكار التقليدية الممكنة عن تفوق الرجل وقوامته على المرأة وعدم أهليتها للاستقلال.

انتهى عقد منى زكي الضعيفة الهشة بفيلم "ولاد العم" في 2009 كزوجة جاسوس إسرائيلي يختطفها إلى تل أبيب وتدور الأحداث في محاولة استعادتها لمصر. بنفس العام دخلت منى في اتجاه جديد مع المخرج يسري نصر الله بفيلم "احكي يا شهرزاد" الذي قدم قصص عديدة للظلم الذي قد تتعرض له المرأة وصولاً إلى لحظة التمرد على هذا الوضع.

معظم أدوار منى بعد هذا كانت محاولات كسر للصورة النمطية القديمة، كان آخرها مسلسل "لعبة نيوتن" الذي تصدر ترندات رمضان 2021 كزوجة تخوض وحدها رحلة الهجرة للولايات المتحدة، ويدفعها سوء تواصل للجمع بين زوجين، أحدهما سلفي بالشكل النمطي، وتبلغ ذروة الدراما بينهما بمحاولة اغتصاب زوجي.

قرب نهاية "أصحاب... ولا أعزّ" نكتشف سر السروال الداخلي، وهو أنها على علاقة تشات مع شاب غريب، لم تره أو تحادثه من قبل، لكن تبقى الخيانة هي الخيانة، لهذا كان رد فعل الجمهور عنيفاً تجاه منى، ليس بسبب دور زوجة تبحث عن تعويض جفاف حياتها الزوجية عبر تشات جنسي، بقدر ما هو بسبب مقارنة هذا بالأيقونة النمطية القديمة في دماغ جمهور منى زكي.

من هذا المنطلق، لن يقارن الجمهور قصة "مريم" بحوادث واقعية يرونها في اعترافات وفضائح على المجموعات الاجتماعية على فيسبوك، وإنما ستتضافر الصدمة مع رهاب تعرض تقاليد المجتمع لغزو غربي من نتفليكس.

قرب نهاية الفيلم نكتشف سر السروال الداخلي، وهو أنها على علاقة تشات مع شاب غريب، لم تره أو تحادثه من قبل، لكن تبقى الخيانة هي الخيانة، لهذا كان رد فعل الجمهور عنيفاً تجاه منى، ليس بسبب دور زوجة تبحث عن تعويض جفاف حياتها الزوجية عبر تشات جنسي، بقدر ما هو بسبب مقارنة هذا بالأيقونة النمطية القديمة في دماغ جمهورها

فليبقى كل واحد بملابسه الداخلية

عموماً تؤدي الملابس الداخلية دوراً رمزياً في السينما العربية، كأن تشير الملابس على الأرض لجنس عفوي ومتسرع، لكن في السينما الغربية تكون أداة درامية للتعبير عن حميمية العلاقة، في فيلم Alfie (نسخة 2004)، تترك دوري (جين كاركوسكي) سروالها الداخلي في جيب ألفي (جود لو) بعد علاقة جنسية عابرة، لتكتشفه لاحقاً صديقته جولي (ماريسا تومي)، فعلت دوري هذا كتعبير امتنان ورضاء أو ربما تذكار عن لحظاتها معه، مقابل إهمال زوجها لها.

بهذا التوظيف تفقد هذه القطعة من الملابس وظيفتها الأساسية لتكتسب معنى أكثر حميمية، ولهذا يكون ظهوره مشروطاً بالأنواع الفاخرة ذات مدلول يحتفي بالعلاقة الجنسية، في سياقات أخرى كوميدية تظهر كقطع ملابس عادية لا تتجاوز دورها الوظيفي.

في السينما المصرية ظهرت محاولات لتوظيف الملابس الداخلية بالدراما، كهدية جريئة قدمها مرزوق (عادل إمام) لجيهان (منيرفا) في فيلم "سلام يا صاحبي" (1986)، كانت هذه هي وسيلته لاختراق تحفظها كسكرتيرة للكينج الذي يتلاعب بالجميع كعرائس في عالم الأعمال، لا نرى الهدية داخل العلبة لكن بالمشهد التالي تلوح جيهان له بالسروال الداخلي معترضة، ثم بعد نهاية الحفل تتجه طوعا لشقتها وهي ترتدي هديته، وهو المشهد الذي أزيل معظمه في عروض شرائط الفيديو والتليفزيون وحتى يوتيوب.

تم تنفيذ المشهد بحيث يفهم المشاهد ما حدث بدون إحراج غير ضروري لمنى، حيث تتمايل مريم للحظة كأنها تخلع حذائها مثلاً، ثم تلتقط السروال الداخلي من على الأرض خلال ثانيتين فقط، لقطة بسيطة أطاحت بتراث ربع قرن من الكود الأخلاقي للسينما النظيفة

في فيلم "سمكة و4 قروش" (1997) تستعد إيناس مكي لاحتمال ممارسة الجنس مع زوجها طريف (أحمد آدم) بخلع سرولها الداخلي، ليس من السهل خلع السروال الداخلي مع الإبقاء على الملابس كاملة للحفاظ على الكود الأخلاقي، لهذا قضت الممثلة ثوان طويلة ومحرجة بعمق اللقطة لتصبح بؤرة التركيز بها، ثم ينتهي المشهد بسرعة لأن الزوج منشغل بدراسة ملف قضية.

بعد 25 سنة من هذ المشهد، لم يعد الكود الأخلاقي في مصر يسمح بهذا التفصيل المحرج للممثلة، الحقيقة أن الكود الأخلاقي الحالي أكثر تشدداً بموضوع الجنس من موجة السينما النظيفة، حتى بجرأة نتفليكس، ومع الوضع في الاعتبار الرغبة في إثارة الترند، لم تضع الكاميرا منى زكي في موقف خلع ملابس محرج كما حدث مع إيناس، تم تنفيذ المشهد بحيث يفهم المشاهد ما حدث بدون إحراج غير ضروري لمنى، حيث تتمايل مريم للحظة كأنها تخلع حذائها مثلاً، ثم تلتقط السروال الداخلي من على الأرض خلال ثانيتين فقط، لقطة بسيطة أطاحت بتراث ربع قرن من الكود الأخلاقي للسينما النظيفة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard