أصحاب... ولا أجبَن!

الأحد 30 يناير 202203:23 م

أعتقد أنّ الثيمة المركزيّة في فيلم "أصحاب... ولا أعز" (نتفليكس، 2022) والتي أزعجت الكثيرين من "جمهور المحافظين" ومؤسساتهم الدينية والمجتمعيّة في العالم العربيّ، ليست في انتهاك قيم العائلة العربيّة- المسلمة، أو خدش الحياء، أو التنكّر لمضامين الفيلم باعتبارها "غريبة عن مجتمعنا"، بل هي ببساطة "الجُبن". لا أذكر من هو صاحب الاقتباس التالي، لكنّني أتذكر ما قرأته مرّة أنّ "المجتمع العربيّ ليس مجتمعاً خجولاً في كلّ ما يخصّ الجنس والحميميّة والعلاقات، بل هو مجتمع جبان. ادّعاء الخجل والحياء يأتي للتغطية على الجُبن". بعد أن انتهيتُ من مشاهدة "أصحاب ولا أعزّ" ومتابعة الجدل حوله تعزّزت لديّ هذه الفكرة أكثر وأكثر. نحن لا نشعر حقّاً بالخجل الحقيقيّ من الحميميّة والعلاقات- نحن نخاف أن "ينضفح أمرنا".

نحن لا نشعر حقّاً بالخجل الحقيقيّ من الحميميّة والعلاقات- نحن نخاف أن "ينضفح أمرنا".

الفيلم في مجمله حَسنُ الإنتاج والإخراج؛ عناصر السيناريو والتصوير والتوليف لاحقاً نجحت في الإبقاء على التشويق والتصاعد الدراميّ وتقاطع القصص وتحوّلات الحبكة، وهذا أمر ليس بالسهل في هذا النمط من القصص التي تحدث في موقع واحد (one location)، الأمر الذي يستوجب قدرات تمثيل وكاريزما عالية لدى طاقم الممثلين. وقد يكون التفاوت بين أداء الممثلين إحدى نقاط الضعف في الفيلم، خصوصاً للسبب المذكور حول طبيعة القصّة هذه تحديداً، لكنّ هذا التفاوت لم يُصِب الفيلم في مَقتل، لأنّ مشاهدته ظلّت ممتعة وشادّة في معظم اللحظات والمواقف.

أمّا في سياق المضامين فيجب التركيز بشدّة على أنّ هذا الفيلم لا يعكس ما يحدث في المجتمعات العربيّة (كُلّها) بكلّ تأكيد. فالشخصيات في الفيلم تمثل ما يمكن تسميته "البرجوازيّة الصغيرة" في الكثير من المدن العربية في العالم العربيّ، وهي شريحة مجتمعيّة- اقتصاديّة- ثقافيّة لها مميزاتها الحصريّة كغيرها من الشرائح، وبالتالي فإنّ "الليبرالييّن" و"المحافظين" الذين أيّدوا وعارضوا الفيلم (على التوالي) أخطأوا في نقطة الانطلاق الأساسيّة في التعامل مع مضامين هذا الشريط: هذا ليس فيلماً عن المجتمع العربيّ، لأنّ الدول الناطقة بالعربيّة ليس فيها "مجتمع" واحد فقط: العالم العربيّ خليط مُدوّخ من المجتمعات والشرائح والتناقضات داخل كلّ دولة وعابرة لكلّ الدول. تذكّروا فقط نقطة واحدة بسيطة لكنّها حاسمة وقد تبدو صادمة أوّل الأمر: في أكثر من 60-70% من الأماكن والمجتمعات المحليّة في البلدان العربيّة لم تكن هذه القصة لتحدث قط، لأنّ مثل هذه الّلمات والعزائم تحدث من خلال فصل الرجال عن النساء. هذا معطى نهائيّ وحاسم يمنع مجرّد القدرة على التفكير بإمكانية أن يُمثل هذا الشريط قطاعات هائلة من "جمهور الهدف"، دَعْ عنكَ الشتم وشرب النبيذ وارتباك العلاقات الزوجيّة.

في أكثر من 60-70% من الأماكن والمجتمعات المحليّة في البلدان العربيّة لم تكن هذه القصة لتحدث قط، لأنّ مثل هذه الّلمات والعزائم تحدث من خلال فصل الرجال عن النساء

ووضع تعبير "جمهور الهدف" بين مزدوجين لم يأتِ هنا بالصدفة: جمهور الهدف في اعتبارات نتفليكس هم بالضبط الشخصيات التي عاشت أحداث الفيلم، وليس القطاعات الشاسعة من العالم العربيّ والإسلاميّ التي تفصل الرجال عن النساء في نشاطاتها الاجتماعيّة، ولا تشتري اشتراكاً في نتفليكس لأنّ أفلامها ومسلسلاتها لا تخضع للقصّ والتشذيب والتهذيب كما تفعل mbc و"شاهد" مع المضامين الأجنبيّة.

يمكنك أن تعيش كغربيّ معاصر في قلب القاهرة، وكمسلم محافظ متدين في قلب لندن.

بهذا المعنى كلّ الصراعات التي دارت في الشبكات الاجتماعيّة حول الفيلم كانت غير منطقيّة وغير مُجدية لأنّ نقطة الانطلاق في الرؤية والتحليل والاستهلاك كانت مختلفة جذريّاً. زدْ على ذلك أنّ هذه الصّراعات لم تكن حول الفيلم تماماً؛ فقد انجرف هذا الصراع أيضاً، كما غيره من الصراعات الفرتواليّة في السنوات الأخيرة، إلى حالة تجييش من الطرفيْن المتناحريْن، بحيث أنّ النقاش حول الفيلم لم يكن إلّا ذريعة كي يصرخ "الليبراليون": "أنتم متخلّفون!"، وكي يصرخ المحافظون والمتديّنون: "أنتم مُنحلّون". وقد اتّسم هذا الصراع بالادعاء القديم حول صراع الثقافات بين الشرق والغرب، واستيراد القيم والمضامين الغربية إلى مجتمعنا، مع أنّ هذا ادعاء بات واهياً بسبب الاختلاط الثقافي الهائل الحاصل في العالم بفضل التقنيات المتطورة، واستحالة التمييز بين الشرق والغرب اليوم: يمكنك أن تعيش كغربيّ معاصر في قلب القاهرة، وكمسلم محافظ متدين في قلب لندن. لم تعد مفاهيم الجغرافيا حاضرة في هذا النوع من النقاشات، وهي تشير بالأساس إلى ضعف ادعاءات الأطراف المحافظة في هذا السياق وتعلّقها بقشور تخويفيّة ورادعة لجمهورها بالأساس.

الجُبن الاجتماعيّ مُشلّ ويبعث على دفع المجتمعات والشعوب إلى الوراء باستمرار. أنا متأكد -كالكثيرين غيري- من أنّ المثليّة والخيانات الزوجية وتشاتات الجنس منتشرة أيضاً في وسط الشرائح "المحافظة"، وبرأيي أن التجييش ضدّ هذا الفيلم يأتي على خلفية الخوف من الاعتراف بذلك. هذا ليس خوفاً على قيم العائلة أو المجتمع أو الدين أو الشرف؛ هذا جُبن متأصّل فينا من النظر في المرآة والاعتراف بحقيقتنا الفرديّة والجماعيّة: نحن بشر ككل البشر، نُحب ونكره ونخون ونشتهي ونمارس بشريتنا بحُلوها ومُرّها.

أنا متأكد -كالكثيرين غيري- من أنّ المثليّة والخيانات الزوجية وتشاتات الجنس منتشرة أيضاً في وسط الشرائح "المحافظة"، وبرأيي أن التجييش ضدّ هذا الفيلم يأتي على خلفية الخوف من الاعتراف بذلك

أما الخيبة الكبيرة من الفيلم فكانت في النهاية، وهي الخيبة ذاتها التي شعرتُ بها بعد مشاهدة الصيغة الإيطاليّة: خدعة "الحلم" الشفافة والمستهلكة. أنّ كلّ ما حدث كان حلم يقظة، وأنّهم لم يستبدلوا الموبايلات، كأنّ هذا الشريط السينمائيّ يريد أن يلعب دور المحاضر في مادة الإنثروبولوجيا في كليّة للعلوم الاجتماعيّة. يُضاف إلى ذلك الصراخ بصراحة وعالياً في نهاية الفيلم بأنّ هذا الشيء (الموبايل) يدمّر حيواتنا. هذه لحظات بالغة في الترميز المفتعل وغير الضروريّ، كأنّ أحداً اهتمّ بمضغ اللقمة وإدخالها في أفواهنا. هل بدأ قباطنة الستريمينج في العالم بفقد الثقة بقدرتنا على فهم الرسالة الواضحة والشفافة لهذه الدرجة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard