لم يُر في الإسلام ثوب مثلها... "البدنة الأموية" رمز الخلافة العباسية

الأربعاء 1 يونيو 202211:00 ص

في عام 209هـ، عقد الخليفة العباسي الشهير، المأمون بن هارون الرشيد، قرانه على بوران، ابنة وزيره الفضل بن سهل. وُصف هذا الحدث بالأضخم في التاريخ الإسلامي بأسره، حتى بات شائعاً على ألسنة الأندلسيين كلما وصفوا حفلاً جميلاً قالوا إنه "أضخم من زفاف المأمون".

شمل ذلك الحفل الأسطوري العديد من الأحداث الجليلة كنسج حصيرٍ من ذهب سار فوقه المأمون وعروسه، وتخصيص أطباق ضخمة ممتلئة بالجواهر راحت تُلقى على الحضور كالمطر، إلا أن الحدث الأهم هو تسليم العروس بوران "البدنة" الأموية.

تلك البدنة هي ثوب بالغ النفاسة، يحمل قيمة مادية كبيرة ومعنوية أكبر؛ فكان يُمنح لزوجة الخليفة حصراً تنقله كل زوجة إلى أخرى إعلاناً بتنصيبها ملكة على بلاد الإسلام القوة العظمى الأكبر بالعالم -وقتها-، وفي ذلك كان شأن البدنة مثل العمامة الضخمة التي وضعها الخلفاء فوق رؤوسهم، كان وضعها فوق رؤوسهم إعلاناً رسمياً بالتتويج الأزلي.

لذلك حظيت البدنة بالمشهد الرئيس في حفل الزفاف الأسطوري، حينما تقدّمت زبيدة، زوجة هارون الرشيد، إلى بوران وألبستها إياها لحظة دخول المأمون عليها، إعلاناً نهائياً بتنصيبها "صاحبة للبدنة"، وزوجة أولى للخليفة، أقوى حاكم في أرض ذلك الزمان.

ولا ريب أن زبيدة في هذه اللحظة تذكرت كيف وصلت إليها تلك البدنة، بعدما منحتها إياها خيزران، زوجة المنصور، في حفل زفاف لم يقل نفاسة عن حفل المأمون وبوران.

البدنة هي ثوب بالغ النفاسة يحمل قيمة مادية كبيرة ومعنوية أكبر كان يُمنح لزوجة الخليفة حصراً تنقله كل زوجة إلى أخرى إعلاناً بتنصيبها ملكة على بلاد الإسلام القوة العظمى الأكبر بالعالم وقتها وفي ذلك كان شأن البدنة مثل العمامة الضخمة التي وضعها الخلفاء فوق رؤوسهم

قال عن حفل زفاف هارون سعدي ضناوي في كتابه موسوعة هارون الرشيد (2009): حُشر الناس من الآفاق وفرِّق فيهم من الأموال أمر عظيم. فكانت الدنانير تُجعل في جامات ذهب، ونوافج المسك وجماجم العنبر في بواطي زجاج، ويفرّق كل ذلك على الناس، ويُخلع عليهم الوشي المنسوجة، وأُحضر نساء بني هاشم، وكان يُدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة فيها طيب، كما أُعطيت العروسة بدنة عبدة ابنة عبدالله بن يزيد".

ما هي قصة تلك البدنة؟ وكيف نالت تلك المكانة الكبيرة عند العباسيين؟

في العصر الأموي

تقول زكية العلي في كتابها التزيّق والحلي عند المرأة في العصر العباسي (1976)، إن المجتمع الأموي شهد تطوراً سريعاً دفع الناس إلى الترف، وهو ما يتّضح بأشدِّ ما يكون عند الطبقة الأموية الحاكمة، بداية من الخلفاء الذين كانوا حريصين على اقتناء الجواهر الثمينة والثياب الفاخرة.

وبحسب زكية، فإن المرأة الأموية أصبحت أكثر إقبالاً على اقتناء أنواع جديدة من الحلي لم يعهدنها من قبل، أشهر تلك الأنواع ما حُكي عن "بدنة عبدة"، زوجة هشام بن عبدالملك، والتي كان في ظهرها وصدرها خطان من الياقوت، فيما طُرِّزت باقي البدنة بـ"الدُرّ الكبار"، وبحسب باقر القرشي في كتابه موسوعة سيرة أهل البيت (2012)، فإنه لم ينجح مقيّمٌ واحدٌ في الوقوف على قيمة هذا الدُرّ لنفاسته.

وتروي أسماء عمارة في بحثها "البلاط العباسي" أن تلك الفصوص النفيسة التي طُعِّم بها الثوب، كانت ثقيلة لدرجة أن زبيدة -زوجة هارون- كانت تعجز عن السير بها عند ارتداء ذلك الثوب الكرنفالي الفريد.

في حفل زفاف المأمون وبوران الأسطوري نُسج حصيرٍ من ذهب ونثرت الجواهر على الضيوف كالمطر، وسلّمت أمّ الأمين "البدنة الأموية" لبوران 

شرعية العباسيات بأيدي الأمويات

تقودنا قصة البدنة النفيسة إلى مفارقتين جليلتين؛ الأولى أن ذلك الثوب لم يُصنع لامرأة عباسية أو حتى بأوامرٍ من أي خليفة أو قائد عباسي، وإنما كان مملوكاً لامرأة أموية، هي عبدة ابنة عبدالله بن يزيد بن معاوية.

المفارقة الأخرى هو أن عبدة تحديداً، بعدما نُظر لها باعتبارها المرأة الأكثر حظّاً بعدما تزوّجت من 3 خلفاء أمويين، هم: الوليد وهشام ومروان بن محمد، حسبما ذكر ابن حزم في رسائله، اعتُبرت رمزاً لتنكيل العباسيين بالأمويين، بعدما اقتحموا دمشق وقبضوا عليها فأجبروها على السير حافية في البرية قبل أن يقتلوها لاحقاً، فباتت عند العباسيين مثالاً للانتقام من الأمويين، وباتت عند الأمويين مثالاً لظُلم العباسيين وجبروتهم الذي لم يرحم ضعف النساء.

وبين هذا وذلك، ماتت عبدة، لكن عاشت سيرتها طويلاً -ليس بسبب مقتلها الشنيع- وإنما بسبب ثوبها المرصّع بالمجد، والذي تناقلته نسوة العباسيين فيما بينهن، ورغم ذلك ظلَّ الناس يُعرّفونه في السر بـ"بدنة عبدة".

تحوّلت من تركة نساء الأمويين إلى زي رسمي من أزياء الحرائر، ترتديه زوجات الخلفاء العباسيين ليلة زفافهن... البدنة الأموية وقصة ترحالها 

الرداء الذي قتل صاحبته

يبدو أن هذه "البدنة" بات لها شهرة مدوّية في أرجاء الدولة الإسلامية جعلتها على رأس مطالب العباسيين عقب إسقطهم دولة الأمويين.

يقول علاء الدين الغزولي في كتابه مطالع البدور ومنازل السرور (2014)، إن القائد العباسي عبدالله بن علي، بعدما اقتحم دمشق واستباح أموال الأمويين، بعث بنفائس الخزائن إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وعندما طالعت أم سلمة بنت يعقوب المخزومية زوجة أبي جعفر الغنائم، ميّزت فوراً أن الرداء الأموي الفخم ليس موجوداً، فسألت زوجها: "مالي لا أرى البدنة؟! حبة واحدة من البدنة أفضل من هذا (تعني كافة الجواهر المُرسلة)".

على الفور، أرسل أبوجعفر إلى عمِّه وعامله على الشام أن يبعث إليه بالبدنة، فلم يجد بدّاً من الاستيلاء على هذا الثوب الفخم إلا بقتل صاحبته التي ذهب مُلك عائلتها.

وبحسب ابن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق (1998)، فإن عبدالله بن العباس لم يكن يعرف مدى قيمة ثوب عبدة، يقول: "كان معها من الجوهر ما لا يدري ما هو، ومعها درع يواقيت وجوهر منسوج بالذهب".

وفي النهاية -وبأمرٍ من ابن علي- قُتلت عبدة ذبحاً، ثم أُرسلت "بدنتها" إلى خزائن بني العباس.

واشتهرت طريقة التخلّص من عبدة، صاحبة البدنة، كواحدة من فظائع العباسيين التي ألحقوها بالأمويين، وهو ما تشتدُّ حُرمته بحقِّ النساء الذين لطالما احتقر العرب المساس بهن مهما كانت عداوة الأطراف المتحاربة.

أصبح للبدنة الأموية لها شهرة مدوّية في أرجاء الدولة الإسلامية جعلتها على رأس مطالب العباسيين عقب إسقطهم دولة الأمويين

من زوجة خليفة إلى أخرى

تقول عمارة، إن البدنة تحوّلت من تركة نساء الأمويين إلى زي رسمي من أزياء الحرائر، ترتديه زوجات الخلفاء العباسيين ليلة زفافهن.

روى أبو الشابشتي في كتابه الديارات (1986)، أنه لما زوّج الخليفة المهدي ابنه الرشيد من أم جعفر ابنة أخيه، أمر لها بحفل زفافٍ لم يُقم لامرأة قط، حشد فيها أروع ما يُمكن من "الآلة (آلات الموسيقى) وصناديق الجواهر والحلي والتيجان والطيب والكسوة"، وتضمّنت مراسم الزفاف أن سلّم الخليفة زوجة الرشيد "بدنة عبدة"، والتي لم يُر في الإسلام ثوب مثلها.

يحكي الشابشي: "كان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الجواهر كبيرة الحجم لا مثيل لها".

البدنة تخرج من بغداد للأبد

في عهد الخليفة العباسي العاشر المتوكل، الذي يُصنّف كبداية لدخول الدولة العباسية في عصور الانحطاط التي تسلّط فيها الأتراك على مقام الخلافة، وشاع استقلال الولاة بدولهم وتأسيسهم دولاً مستقلة بمعزلٍ عن بغداد.

ما جرَى على الخلافة العباسية جرَى على "البدنة"، فيبدو أنها فقدت تأثيرها كـ"رمز للحُكم" في بغداد، وهو ما يتجلّى في منحها الخليفة المتوكل هدية إلى ابنة طاهر بن عبدالله بن طاهر، أحد مؤسسي الدولة الطاهرية في خراسان، في حفل زواجها على المعتز ابن الخليفة المتوكل.

ولا عجب في ذلك، فعبدالله بن طاهر (الأب) قائد عسكري خرساني بذل جهوداً مضنية لتثبيت دعائم حُكم المأمون والعباسيين من خلفه في أنحاء الدولة، بعدما قضى على الكثير من حركات التمرد التي سعت لزلزلة العرش العباسي في مصر وخراسان، وإزاء هذه النجاحات المتتالية، نال تقديراً كبيراً من الخليفة المأمون واستقلالاً كبيراً في إدارة الأقاليم الخرسانية، حتى أنها وُصفت في بعض كتب التاريخ بـ"الدولة الطاهرية"، وهو ما كان مؤشراً على تسلّل الضعف إلى قلب الدولة العباسية.

ومن بعد عبدالله تولّى طاهر (الذي تلقت ابنته "البدنة") الحكم. ورث طاهر عن والده القوة والشجاعة وحُسن الإدارة، فحكم خراسان 18 عاماً بنجاح، وهو ما لم يستمرُّ طويلاً عندما مات وتولّى ابنه محمد الحُكم من بعده. فسدت الأحوال وبدأ بنيان الدولة الطاهرية بالتضعضع، حسبما ذكرت صالحة الزهراني في بحثها "بنو طاهر في إقليم خراسان وعلاقتهم بالخلافة العباسية".

لم يتمتّع محمد بقوة أسلافه، فمثّل عهده (248-259هـ/862-873م) النهاية الحقيقية لنهاية الدولة الطاهرية وقيام الدولة الصفارية على أنقاضها. ليلحق بقائد أكثر ضعفاً، هو الخليفة المتوكل –صاحب الهدية- الذي حكم خلال الفترة من 232هـ حتى 247هـ، انتهت بقتل الأتراك له وتنصيب ابنه المنتصر بالله بدلاً منه.

وبرحيل هذين القائدين، سيطرت الاضطرابات على نواحي الدولة الإسلامية، وسيضيع معهما أي ذِكر لـ"البدنة الأموية/العباسية" للأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard