سلمى... جدّة نبيّ الإسلام التي انشقّت الأرض وابتلعتها تاريخياً

الخميس 23 ديسمبر 202111:00 ص

يوم هجرة الرسول إلى المدينة، بحسب القصص، توافد أهلها على الاحتفاء به، لم يكن "بنو النجار" منهم استثناء، بعدما وقفت فتياتها وأنشدن للنبي: "نحن جوارٍ من بني النجار/ ياحبذا محمد من جارٍ".

ما إن دخل النبي المدينة، حتى تسابق زعماء المدينة على الترحيب به وعرضوا استضافته في منازلهم، لكنه قال لهم: "إنما أنزل على بني النجار، أخوال عبدالمطلب، أكرمهم بذلك".

وهو القول الذي تؤيده القصة بالزعم أن  ناقته أيدته، فبركت في أرض مربد، مملوكة لغلامين يتيمين من بني النجار، فاشتراها منهما واتّخذها مسجداً.

علاقة متينة جمعت بين النبي وبني النجار قبل وصوله المدينة، لهذا أمعن الرسول في تكريمهم فور دخوله يثرب، وبحسب صحيح البخاري، فإن النبي قال للناس ذات يوم: "خير دور الأنصار بنو النجار".

ليس هذا فحسب، وإنما وصفت بعض كتب التاريخ الإسلامي آل النجار بأنهم "أخوال النبي" عدداً غير قليل من المرات.

علاقة متينة جمعت بين النبي وبني النجار... السرّ وراء ذلك تلفّه الأساطير والقصص التي تحيط بنسب النبي، وبالتحديد بسيرة جدته النجارية "سلمى"

حتى الآن لا يبدو الأمر غريباً، فالنبي انخرط في علاقات وثيقة بأغلب أهل المدينة، فلماذا نعتبر أن العلاقة مع بني النجار تحديداً غير عادية؟

البداية: ابن عبدالمطلب يتزوج من نجارية يثربية

الحكاية كما ترويها أغلب كتب التاريخ الإسلامي، أن هاشم (اسمه الحقيقي والأقل شهرة عمرو) بن عبد مناف جد النبي كان تاجراً بارعاً كثير الأسفار.

عام 430م، خرج هاشم في إحدى رحلاته إلى الشام، وفي طريقه نزل على بني النجار المنتمين لقبيلة الخزرج القاطنة في يثرب، المدينة المنورة بعد الهجرة.

خلال إقامة هاشم عند بني النجار، أعجبته سلمى، فخطبها من أبيها فوافقت على أن تلد عند أهلها إذا حملت.

تعليقاً على هذه الزيجة، قال أبو الحسن الندوي في كتابه "السيرة النبوية"، إن قريش اعترفت بشرف الأوس والخزرج، وكانوا يصاهرونهم، إلا أن القريشيين كانوا يرون أنفسهم أفضل قليلاً، لأنهم كانوا ينظرون باستعلاء إلى مهنة الفلاحة التي مارسها أهل المدينة.

وافق هاشم وتزوّج بسلمى وعاد بها إلى مكة، وبعدما حملت في ولدها/ جد الرسول، أوفي هاشم بوعده لها، وأخذها إلى أهلها في يثرب وتركها لتضع حملها وأكمل رحلة تجارية إلى غزة.

مات هاشم في غزة ، ودُفن في قبرٍ لا يزال معروفاً ومنسوبَا له حتى الآن، ومُقام فوقه مسجد يحمل اسم "السيد هاشم".

أما عن سلمى فلقد أنجبت طفلاً منحته اسم "شيبة الحمد"، وعاش بصحبتها 7 سنوات، حتى أخذه عمّه المطلب منها ليعيش معه في مكة.

عندما دخل المطلب بصحبة الصبي إلى مكة، كان يرتدي ثياباً رثّة وجسده متّسخ من وعثاء السفر، ولم يكن المكيّون قد رأوا شيبة من قبل، فظنّوا أن المطلب اشترى عبداً جديداً، فأطلقوا على الوافد الجديد "عبدالمطلب"، وهو الاسم الذي سيحمله حتى يموت.

 "شيبة الحمد" عرف لاحقَا بـ"عبد المطلب" وقصة الاسمين ستأخذنا في رحلة في التاريخ لنتعرف على سلمى، جدّة رسول الإسلام

لاحقاً، سيتزوّج عبدالمطلب وفاطمة بنت عمرو، وسيُنجبان عبد الله والد الرسول.

ما لم يُقل عن سلمى: يهودية، ثرية

في كتاب الباحث الإسلامي محمد جبارة "محمد، مُغيِّر العالم" الصادر حديثاً، عمد صاحبه لتقديم سيرة ذاتية متكاملة للرسول، عبر الاستعانة بمصادر سُنية وشيعية معاً، يزعم جبارة أن سلمى النجارية كانت يهودية تنحدر من جماعة النبي داود.

ويُضيف، أن سلمى كانت سيدة أعمال ثرية، لها أعمال تجارية ذائعة الصيت في أنحاء يثرب.

وفي موضعٍ آخر من كتابه، زعم أن سلمى امتلكت جذوراً يهودية، ليس هي وحدها وإنما كامل بني النجار.

تضعنا هذه الرواية غير المشهورة أمام إشكاليات كبرى، أهمها أن النسب النبوي يتضمّن فرعاً يهودياً يتفرّع بدوره إلى العديد من الأفرع الأخرى.

وهو ما يجعل "سلمى الخزرجية" شخصية فريدة في التاريخين الإسلامي واليهودي، فهي حلقة وصل نادرة بين الديانتين لن تتكرر لاحقاً.

ماذا نعرف عن سلمى؟

ستكون محاولة إعادة تكوين شخصية سلمى بحسبما أوردته لنا كتب التاريخ عنها أمراً صعباً، فبحسب جيوم داي، أستاذ علوم الإسلام في جامعة بروكسل لرصيف22، أن أكثر ما نعرفه عن سلمى لم يأتنا في سياق التاريخ المُحقّق وإنما أغلبه وقع أسيراً للأساطير.

 أكثر ما نعرفه عن جدة الرسول لم يأتنا في سياق التاريخ المُحقّق وإنما أغلبه وقع أسيراً للأساطير التي تجعلها شخصية فريدة في التاريخين الإسلامي واليهودي كحلقة وصل نادرة لن تتكرر بين الديانتين

برغم نصيحة الأستاذ جيوم، قرّرت أن أحاول لمّ شذرات المعلومات المكتوبة عن سلمى هنا وهناك، لعلّنا نصل إلى بناء محدّد لتلك الشخصية الفاصلة، إن صحت مزاعم جبارة.

هي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد، المنحدرة من بني النجار. أخبرنا محمد بن حبيب البغدادي في كتابه "أمهات النبي"، أن أمها تُدعى عميرة بنت صخر بن حبيب بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار.

وبحسب السهيلي في كتاب "الروض الأنف"، فإنها كانت شخصية شديدة القوة، ذات حسب ونسب، حتى أنها كانت لا تتزوّج بأي رجل إلا أن تشترط عليه أن يكون أمرها (العصمة) بيدها، فإذا كرهت رجلاً فارقته.

وهو ما جرى مع زوجها أُحيحَة الأوسي. ووفقاً لكتاب "معجم الشعراء العرب"، فإن أحيحة هو سيد يثرب، كان له حصن سماه المُستظل، ويمتلك مزارع وبساتين ومال وفير، لكن أحيحة لما اعتزم شنّ غارة على قومها، حذّرتهم من غدره وانفصلت عنه، وهو ما رفع شأنها بين أهلها.

كما يبدو أنها تمتّعت بقدر من الموهبة في إلقاء الشعر، فنقل البغدادي في كتابه "المنمق في أخبار قريش"، أنها كانت ترجز لابنها شيبة/ عبدالمطلب، فتقول له: "إن بنيّ ليس فيه لعثمة (التوقف خلال الكلام)، ولم يلده مدع ولا أمه/ يعرف فيه الخير من توسمه، أروع ضحاك بعيد هممه/ إن أخر الله عن بني الحمه، يزحم من زحامه فيزحمه/ أقول حقاً لا كقول الأثمة".

سعت بعض الكتب إلى إضفاء هالة تقديسية حولها، وتحديداً حول إنجابها لجد النبي عبدالمطلب. يقول محمد بن حبيب البغدادي في كتابه "المنمق في أخبار قريش"، إن سلمى عندما كانت حاملاً بعبدالمطلب، سمعت في المنام منادياً يقول لها: "رب قدوم (جريء، كثير الإقدام) زهر وصدق وبر ومسعر مبير (مُدمِّر)"، تبشيراً لها بأن ابنها سيكون سيداً على قومه.

"عندما كانت حاملاً سمعت في المنام منادياً يقول لها: 'رب قدوم (جريء، كثير الإقدام) زهر وصدق وبر ومسعر مبير (مُدمِّر)'، تبشيراً لها بأن ابنها سيكون سيداً على قومه"... من القصص التي نسجت حول سلمى، جدّة نبي الإسلام

وذكر شهاب الدين النويري في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب"، أن سلمى أنجبت من هاشم طفلة أخرى حملت اسم "رقية"، لكنها ماتت صغيرة.

وفقا للسهيلي، أبدت سلمى مقاومة لرغبة المطلب في أخذ ولدها منها، إلا أنه قال لها: "إن ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه ونحن أهل بيت شرف في قومنا، نلي كثيراً من أمرهم وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم"، وفي النهاية سمحت سلمى له بأخذ ولدها.

بينما يمنحنا البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف" مساراً مختلفاً تماماً للقصة؛ فالمطلب اختطف شيبة من يثرب بدون علم الأم، وأخبر الناس أنه عبد له كيلا تعرف سلمى مصيره، لكن سلمى عرفت واعترضت على هذه الفِعلة شعراً بقولها: "كنا ولاة حمه ورمه/ حتى إذا قام على أتمه/ انتزعوه غيلة من أمه/ وغلب الأخوال حق عمه"، فردَّ عليها المطلب شعراً أيضاً قائلاً: "يا سلم يا أخت بني النجار/ ما ابن أخي بالهين المعار/ فاقني حياء ودعي التماري/ إني ورب البيت ذي الأستار/ لو قد شددت العيس بالأكوار/ قد راح وسط النفر السفار/ حتى يرى أبيات عبد الدار".

يقول أيوب صبري في كتابه "موسوعة مرآة الحرمين الشريفية وجزيرة العرب"، إن زيجة "هاشم-سلمى" جعلت النبي أنصارياً خزرجياً، وهو ما جعل الخزرج لاحقاً أسبق من الأوس في البيعة، بسبب صلة قرابتهم بالنبي. وبالطبع لم يتطرّق أيوب لدعاوى اتصال نسب الخزرج أنفسهم باليهود.

سلمى: الاختفاء المريب

فيما عدى سطر قصير قاله البلاذري عرضاً خلال حكاية زواج هاشم من سلمى، بأن عبدالمطلب عقب رحيله إلى مكة "كان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرهم".

وما أورده الطبري في تاريخه واقعة أخرى، ربطت عبدالمطلب في الحقبة المكية من حياته بعدما تعرّض للظُلم على يدي عمِّه نوفل بن عبد مناف، فكتب عبدالمطلب إلى أخواله قائلاً: "يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي/ هل من رسول إلى النجار أخوالي/ بنى عديا ودينارا ومازنها/ ومالكاً عصمة الجيران عن حالي/ قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي/ ظلم عزيزا منيعا ناعم البال".

فإننا لا نكاد لا نعلم أي شيء عن سلمى منذ لحظة رحيل شيبة/ عبدالمطلب عنها، وكأن الأرض انشقّت وابتلعتها تاريخياً.

منذ لحظة رحيل شيبة/ عبدالمطلب عنها، لا نعلم أي شيء عن سلمى، جدّة نبي الإسلام وكأن الأرض انشقّت وابتلعتها تاريخياً

فقط نعلم أن من نسل زوجها السابق أحيحة، خرج  المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة، وهو صحابي اتّبع النبي وشهد بدراً، وفقاً لما ذكر ابن الأثير.

هل هي يهودية فعلاً؟

تصطدم مزاعم "يهودية سلمى" بمبدأ يهودي راسخ؛ وهو أن اليهودية لا تتزوّج إلا يهودياً مثلها، وهو ما سيضع أحاديث جبارة أمام حبال متينة من التعقيدات.

وحين توجهتُ بسؤال عن أصول ديانة سلمى لخبيرين في التاريخ الإسلامي، منحاني إجابتين متناقضتين تماماً؛ الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي، رئيس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، أكّد بشكلٍ قاطع لرصيف22، عدم وجود أي نصٍّ موثوق فيه يؤكد "يهودية سلمى الخزرجية"، في الوقت نفسه قال سامح الزهار، الباحث في التاريخ الإسلامي، إن "سلمى النجار يهودية وفقاً لأرجح الأقوال"! ربما يكون يتفق الرأيان في أنّ ما نعتمد عليه هو بأغلبه أقوال لا سبيل إلى التحقق منها. 

بعدما أبعدت كُتب التاريخ عن النجارين قصّة الانضمام الجماعي إلى اليهودية، كان عليها التفريق بين "بني النجار" وبين "يهود بني النجار"، وهي رؤية انطلقت من وثيقة المدينة ذاتها التي فرّقت بدورها بين الفريقين وذكرتهما في موضعين مختلفين

وهو ما دفعني لمزيد من الحيرة، ليس حول تاريخ سلمى وحسب، وإنما حول وقوع هذا التناقض من الأساس. لذا قررتُ البحث بنفسي بين ثنايا كتب التاريخ الإسلامي قدر ما استطعت التحقق من محتواها، متذكراً نصيحة جيوم الأولى أن ما في سيرة سلمى من الأساطير أكثر بكثير من التاريخ المُحقَّق، وربما تكمن في هذا السبب عِلة التناقض، أم أن هناك عِلل أخرى؟

رغم عملية البحث الواسعة التي أجريتها، لم أظفر بخبر موثوق ارتبط بالحديث عن الأصول اليهودية –أو أي أصول أخرى- لسلمى. فقط يخبرنا ابن الجوزي في كتابه "تلقيح فهوم أهل الأثر": "سلمى بنت عمرو خزرجية، وهم من اليمن من سبأ"، في إشارة منه للأصول القديمة لقبيلة الخزرج بأسرها.

الرواية الأخرى ومفتاح إشكالية "يهودية سلمى" تحكي عن مكانة غير مسبوقة بلغها هاشم بين قومه قبل زواجه. تقول الرواية: "كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع في السرّاء والضرّاء، وكان يحمي ابن السبيل ويأوي الخائف، وكان نور رسول الله في وجهه يتوقد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر من الأحبار إلا قبّل يديه ولا يمرّ بشيء إلا سجد إليه، تفد إليه قبائل العرب ووفود الأحبار يحملون بناتهم يعرضون عليه ليتزوّج بهنّ".

وردت هذه الرواية التي تحمل رائحة شيعية قحّة في كتاب "كحل البصر في سيرة سيد البشر"، الذي وضعه الشيخ عبّاس القمّي، أحد أبرز علماء الشيعة الذين ظهروا في القرن الـ14، واشتهر بمصنّفاته الكثيرة في التاريخ والحديث.

هنا نعرف ما وراء مزاعم كتاب "جبارة"، وفقاً لما أوضحناه في بداية المقال عبر سعيه لدمج التاريخ السُني والشيعي معاً، وفي هذه الجزئية تحديداً فلقد انتصر للرؤية التاريخية الشيعية.

فبحسب المرويات الشيعية، فإن قبيلة الخزرج ذات أصولٍ يهودية، وهو ما دفعهم لاعتبار أن بني النجار الذين صاهرهم عبدالمطلب كانوا يهوداً، مستندين إلى عبارة وردت في وثيقة المدينة نصّت على أن "وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف".

تقول الأخبار أن بعض بني النجار تهوّدوا، مثل الحبْر اليهودي سلسلة بن برهام الذي وُصفِ بأنه من أكثر أهل اليهود عداوة للرسول، وبعضهم الآخر اعتنقوا "الحنيفية" مثل صرمة بن أبي أنس بن النجار، الذي أسلم في نهاية حياته

وبرغم أن بعض كتب التاريخ السُنية انتصرت ضمناً لهذا الرأي دون إقراره بشكل علني، مثل الرواية التي ذكرها المسعودي في كتابه "مروج الذهب"، عن ترؤس عبدالمطلب لوفد قريش الذي زار سيف بن يزن حاكم مملكة حمير اليهودية، وبحسب الرواية فإن ابن يزن استقبل عبدالمطلب قائلاً: "ابن أختنا؟".

"رغم عملية البحث الواسعة التي أجريتها، لم أظفر بخبر موثوق ارتبط بالحديث عن الأصول اليهودية –أو أي أصول أخرى- لسلمى جدّة نبي الإسلام"... رحلة بحث في تشابك الأساطير والقصص التاريخي

إلا أن هذه الرواية يُمكن فهمها في سياق آخر، وهو أن ابن يزن قصد "الأخوة الجغرافية"؛ فبنو النجار منحدرون من الخزرج المنحدرين بدورهم من قبيلة الإزد اليمنية، التي عاشت ردحاً طويلاً جنوب الجزيرة، قبل أن تختار الرحيل عنها شمالاً بعد انهيار مأرب، ومنها تفرّقت في يثرب (الأوس والخزرج) وقُرب الشام (الغساسنة) وبجوار مكة (خزاعة).

ومن اللافت للنظر أن قبيلة إزد لم يُعرف عنها اعتناق اليهودية بالرغم من احتكاك أهلها الطويل باليهود خلال اليمن، وحتى بعد تمزّقها لعدة بطون جاورت اليهود؛ صادقتهم وأقامت علاقات وأحلاف معهم لكنّها لم تنضمّ إلى دينهم بشكل جماعي، فقط جماعات محدودة من كل قبيلة عُرف عنها التهوُّد.

وبحسب عبداللطيف الحسن في كتابه "أثر الفكر اليهودي على غلاة الشيعة"، فإن التأثير اليهودي الوحيد على العقلية الجمعية لأبناء الإزد أنهم أصبحوا "أقرب العرب لعقيدة التوحيد"، لذلك أبدى فرعها في يثرب (الأوس والخزرج) حماساً فوريّاً لدعوة النبي فور ظهورها، وتقبُّلاً لفكرة النبوة والوحي، بخلاف بعض قبائل العرب التي رفضت استيعاب منطق الرسالة من أساسه.

بعدما أبعدت كُتب التاريخ عن النجارين قصة الانضمام الجماعي إلى اليهودية، كان عليها التفريق بين "بني النجار" وبين "يهود بني النجار"، وهي رؤية انطلقت من وثيقة المدينة ذاتها التي فرّقت بدورها بين الفريقين وذكرتهما في موضعين مختلفين.

في كتابه "المبادئ الإسلامية في التعامل عبر الأديان"، قسّم سعيد إسماعيل تجمّعات المدينة إلى أغلبية، مثل بني الأوس وبني عمرو وبني النجار، وتجمعات أقلية مثل يهود بني عوف ويهود بني النجار ويهود بني الأوس. وهو هنا يفرّق بوضوح بين الكتلة الرئيسية من بني النجار، والتي كانت على أديان العرب الوثنية القديمة، وبين أقلية صغيرة من بني النجار اعتنقوا اليهودية، فاعتُبروا كياناً منفصلاً في حد ذاته صغير الحجم.

يقول نبيل الخاقاني في بحثه المجاز من جامعة البصرة "بنو النجار قبيل الاسلام حتى نهاية الخلافة الراشدة"، إن أصل ديانة بني النجار قبل الإسلام هي ما عبده الأوس والخزرج من أصنام، أهمها مناة الذي بجّلوه واعتبروه إلهاً للقضاء والقدر، ونصبوا صنماً له بين يثرب ومكة.

ويضيف أن بعض بني النجار تهوّدوا، مثل الحبْر اليهودي سلسلة بن برهام الذي وُصفِ بأنه من أكثر أهل اليهود عداوة للرسول، وبعضهم الآخر اعتنقوا "الحنيفية" مثل صرمة بن أبي أنس بن النجار، الذي أسلم في نهاية حياته.

أما "مسلمو بنو النجار" فحفظت لهم كتب التاريخ الإسلامي أدواراً تأسيسية في بناء الدين؛ فمنهم 3 كانوا من ضمن الـ12 رجلاً أبطال بيعة العقبة الأولى، مثل أبعد بن زرارة وعوف بن الحارث وأخيه معاذ.

وحرصت الروايات أن تؤكد انفصال هؤلاء الحاضرين عن الانتماء لجماعة اليهود، عبر إقرارهم أنهم مجرد "موالين (حلفاء) لهم دون أن يُشاركوهم الديانة أو المعتقد. سعياً لعدم المزج بين "بني النجار" وبين يهودهم في أي موقف، والأهم لدرء أي احتمال لتغلغل عِرق يهودي في النسب النبوي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard