عندما أربك كيلوت "مريم" العالم العربي

الثلاثاء 25 يناير 202203:06 م
Read in English:

Maryam’s Blue Panties Rattle the Arab World


لم أكن أعلم لماذا أمّهاتنا، وقريباتنا وجاراتنا، كنّ يمنعننا من نشر ثيابنا الداخلية في نقطةٍ مكشوفةٍ للرجال، وعلينا البحث عن بقعةٍ أمنيّة إستراتيجيّة لنشر "كيلوتاتنا" من دون أن تظهر لأحد؟ مرّت سنوات وأنا أحاول سؤال نفسي لماذا علينا فعل هذا؟ وعندما نشتري سروالاً داخليّاً لماذا علينا أن ننتبه لئلا يراه أحد؟ حتى أنّي تساءلت مراراً وتكراراً، عما إذا كانت النساء اللواتي ينشرن سراويلهنّ الداخلية على شرفات منازلهنّ، قد سمعوا بهذه المعلومة التي لم أفهمها قطّ؟ لكنّني حتماً نجحت في معرفة الجواب. فسراويلنا الداخليّة قد تصبح حديث عامّة الناس، أو تتسبّب بخدش الحياء، أو من يعلم، لربّما هناك الكثير من الكبت الذي قد يجعل جموعاً من المارّة في هيجانٍ تام، كما فعل كيلوت "مريم" (والتي قامت بدورها منى زكي في فيلم "أصحاب ولا أعزّ").

لم أكن أعلم لماذا أمّهاتنا، وقريباتنا وجاراتنا، كنّ يمنعننا من نشر ثيابنا الداخلية في نقطةٍ مكشوفةٍ للرجال، وعلينا البحث عن بقعةٍ أمنيّة إستراتيجيّة لنشر "كيلوتاتنا" من دون أن تظهر لأحد.

بين مشهد الاغتصاب الجماعي في مسلسل "الطاووس"، الذي أدّته الممثلة سهر الصايغ، ولقطة سروال منى زكي الداخلي في فيلم "أصحاب ولا أعز"، عالم عربي عالقٌ في ذكوريّة لا متناهية. يوم أحدث مشهد الاغتصاب الجماعي ضجةً في العالم العربي، لم تكن هذه الضجّة نابعة من المشاعر المأسويّة، بل هذا المشهد تصدّر مواقع البحث بمشاهدات عالية بلغت الملايين خلال شهر رمضان، وجاءت المطالبة من الرأي العام بإيقاف عرض هذا المسلسل، لأنه يسيء إلى قيم المجتمع المصري، ويهدّد الأسرة. في حين أنّ هذا المسلسل لم يفضح سوى قذارة ما تعانيه النساء والفتيات في المجتمع المصريّ، فإسدال الستار على قضيّة فتاة "فيرمونت"، من قبل النيابة العامة المصريّة، لم يُثِر الجدل مثلما أثاره مشهد سروال منى زكي الداخليّ الذي هزّ كيان المجتمع العربي. فالسروال الداخلي لامرأةٍ عربية يثير غيرة المجتمع التي تفوح منه رائحة "جرائم اللا شرف"، وجلد النساء، وتزويج الطفلات.

هذا مجتمع "السي السيّد"، الذي يخشى من سراويلنا الداخلية، وحمّالات صدورنا، ويهتزّ أمام قبلة سلاف فواخرجي "في شارع شيكاغو"، معبّرةً عن رغبات الحبّ والجنس... هذه "المحرّمات" على النساء العربيّات الاعتراف بها والإدلاء عنها.

فلا يعيب المجتمع العربي تلك الأغاني العربية التي تتردد على مسامعنا، وتحمل في طيّاتها الكثير من المحتوى الذكوري والتحرش اللفظي والإساءة إلى كل امرأة، وعلى الرغم من ذلك نسمعها صادحةً ترددها حناجر عربية، مجاهرةً بها، حتى تتحول إلى "تراند" في العالم العربي، فتجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوز على مشاهداتٍ عالية. فـ"سي السيّد"، "وجمهورية قلبي"، لا يستفزان المجتمع العربي، "إيه نعم"، لأن مثل هذه الأغاني الانحطاطية تعزز هرمونات السلطة الأبوية، وقوة الرجال العرب في احتقار النساء والإساءة إليهن، وتبرر العنف الممارَس ضدّهن، والتي تالياً توضع في أطر "المغازلة" و"الحماية" بالنسبة لمجتمعاتنا الأبويّة.

فـ"سي السيّد"، "وجمهورية قلبي"، لا يستفزان المجتمع العربي، "إيه نعم"، لأن مثل هذه الأغاني الانحطاطية تعزز هرمونات السلطة الأبوية، وقوة الرجال العرب في احتقار النساء والإساءة إليهن، وتبرر العنف الممارَس ضدّهن، والتي تالياً توضع في أطر "المغازلة" و"الحماية" بالنسبة لمجتمعاتنا الأبويّة

كذلك لا تهدد قيم الأسرة العربية، يد عادل إمام على فخذ يسرا وصدرها، وهو يتحرّش بها في "الأوتوبيس". فهو يصنَّف "الزعيم" في مجتمعاتنا المكتظّة بمثل هذه الزعامات. التحرّش في الأفلام العربية الواقع على النساء والفتيات، يُصنَّف ضمن أطر الحميميّة والمداعبة والغنج، وبأنّنا كنساء يجب أن نخضع لرغبة الرجال الذكورية بسرورٍ وضحكٍ، ونتقبّل ما يجري من قذارة في شوارع مدننا العربية من تحرشٍ على أساس أنّها غزل في مفاتننا، أو إذا صُنّفت في إطار الجرم، فيكون مرتكبها "لباسنا" من وجهة المجتمع، الذي أثار هرمونات الكبت المنتشرة.

كذلك لا تهدد قيم الأسرة العربية، يد عادل إمام على فخذ يسرا وصدرها، وهو يتحرّش بها في "الأوتوبيس".

أذكر أني كنت في الصف الابتدائي السادس، بعدما انتشرت في شوارعنا اللبنانية موضة "هو ده"، والتي أتت تأثّراً بالفيلم المصري "عمر وسلمى" في الجزء الأوّل، فراح عدد من الشبان يقلدون تامر حسني (عمر)، على أنّه الشاب المتقدّم و"المودرن"، وقد تلقّى يومها مني أحد الشبان في مدرستنا صفعةً قويةً بسبب تلك الحركة التي ضايقتني. وقد مرّ وقت حتى فهمت أنّ فيلم "عمر وسلمى" الذي أضحك الكثيرين منّا، كان مجرد دعوى إلى نشر التحرش الجنسي بالنساء والفتيات. وعلى الرغم من أنّ جيلنا قد تربّى على "هو ده"، لم يختشِ العالم العربي، أو يستحِ، أمام هكذا جرم.

إنّ سعي مجتمعاتنا إلى تنميط صورة المرأة في الأفلام العربية، ليس إلا اعتداءً على شخصيّة النساء ورغباتهنّ ومشاعرهنّ. وإذا عدنا بالسينما المصريّة إلى الوراء، نرى أن العديد من الممثلات أبدعن في إظهار رغباتهنّ الجسدية، كالفنانات يسرا، ونبيلة عبيد، وهند صبري، ولم يكتفوا بخلع سراويلهن الداخليّة فحسب، كالفنانة منى زكي (فقط من باب طمأنة المشاهدين/ ات المستفَزّين/ ات على وقع هذا المشهد).

"على كلٍّ"... أرى أن فيلم "أصحاب ولا أعزّ" نجح في حصد ضجّة كبيرة بسبب كيلوت "مريم" (منى زكي)، وليس لأي موضوع آخر تم التطرق إليه فيه، وكلّ هذا بفضل الذين شعروا بأنّه قد تم خدش حيائهم.

"على كلٍّ"... أرى أن فيلم "أصحاب ولا أعزّ" نجح في حصد ضجّة كبيرة بسبب كيلوت "مريم" (منى زكي)، وليس لأي موضوع آخر تم التطرق إليه فيه، وكلّ هذا بفضل الذين شعروا بأنّه قد تم خدش حيائهم

من المؤكّد أن كسر الصورة النمطية للمرأة العربيّة في الأفلام، سيثير هجوماً واسعاً، خاصةً في الدول التي باتت تحت حكم الإخوان، لكن لا يحق لأحد إهانة أي ممثّلة أو التحريض على منع عرض أي فيلم، تحت حجج التقاليد والعادات والقيم. فمن المؤسف والمخزي، أننا تحت وطأة مجتمع ذكوري يحاصر النساء والفتيات بالقتل والموت، ويثيره جنسياً الاغتصاب والتحرش الجنسي، ويتباهى بفرض سلطته وهيمنته علينا، وينتشي بمشاهد الغرب الحميمية، ولكنه يتهاوى خوفاً عند سراويل نسائه الداخليّة، خشية أن تنتهك معالم قوّته وسلطته، وينهار نظامه البطريركي الأبوي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard