حصاد المليارات والدموع... ماذا ربحت مصر بعد 4 سنوات من "التابلت"؟

الأحد 23 يناير 202205:35 م

بدأ أكثر من مليون و300 ألف طالب مقيدون بالصفين الأول والثاني الثانوي، في أداء امتحانات الفصل الدراسي الأول لعام 2021-2022، مطلع هذا الأسبوع. وأجرت وزارة التربية والتعليم المصرية الامتحانات هذا العام ورقياً لأول مرة منذ 4 سنوات، سعى خلالها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني طارق شوقي إلى تطبيق "منظومة التابلت" والتي تضمنت أداء الامتحانات إلكترونياص عن طريق أجهزة كمبيوتر لوحي "تابلت" وزعته الوزارة على طلاب المرحلة الثانوية، بدءًا من الصف الأول الثانوي.

تأتي العودة إلى الامتحانات الورقية التقليدية، إعمالاً للكتاب الدوري الذي أعلنه وزير التربية والتعليم المصري، في 15 كانون الثاني/ ينايرالجاري، قبل أسبوع واحد من بدء الامتحانات. وقتها؛ أعلن الوزير من خلال بث صوتي عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، قرار الوزارة بإجراء امتحانات منتصف العام، ورقياً بشكل كامل للصفين الأول والثاني الثانوي.

أثار هذا القرار العديد من التساؤلات حول جدوى منظومة التابلت، التي أدخلتها الوزارة باعتبارها "من بين أهم محاور التطوير"، وحاولت الوزارة أكثر من مرة على مدار السنوات الثلاثة الماضية، أن تجري الامتجانات إلكترونياً من خلاله.

وساق الوزير في كلمته المنقولة على فيسبوك مبررات تراجع الوزارة عن تطبيق الامتحانات عبر التابلت، وجاءت التعليقات على الكلمة تبدى أن تلك المبررات لم تكن مقنعة لدى كثير من المتلقين، إذ علق البعض أنها "غير منطقية".

وقال شوقي، إن تطوير منظومة الثانوية العامة يقوم أساساً على تغيير أسلوب التقييم من قياس مهارات الحفظ كما في الماضي، إلى الوقوف على فهم الطلاب الحقيقي لمخرجات التعلم، وبالتالي فإن ما يهم أن يركز عليه الطالب هو "السؤال" وليس الأداة التي يجيب من خلالها سواء ورقة أو تابلت. وأضاف أن فكرة إجراء الامتحانات إلكترونياً على جهاز التابلت؛ هدفها فقط تنحية العنصر البشري والتخلص من فكرة طباعة الأوراق ونقلها بما يسمح بتسريب الامتحان أحياناً، أو العبث بالإجابات في أحيان أخرى. "لكن التابلت في الدراسة هو مصدر تعليمي يتيح الوصول للمحتوى الرقمي على بنك المعرفة للطلاب كافة".

وتابع أن القرار الأخير هدفه التيسير على الطلاب، وتنظيم الامتحانات بأقل قدر من سوء الفهم: "علشان ما نخوضش في أسئلة متعلقة بالسيستم وجهاز التابلت"، لافتاً إلى أن الامتحان الإلكتروني "يكون موحداً على المستوى القومي، لكن هذا ليس هدفاً في سنوات النقل كأولى وثانية ثانوي، التي تستهدف امتحاناتها أساساً تدريب الطلاب على نمط الأسئلة الجديد. ولا يجب تشتيتهم بسيستم فشل أو تابلت وقع".

حملت تلك الإجراءات صورة مبهرة لما سيكون عليه نظام التعليم في مصر، إلا أنه مع بدء التطبيق في عام 2018-2019، تساقطت الأحلام واحداً تلو الآخر

وقال شوقي إن جهاز التابلت سيكون برفقة الطلاب في الامتحانات كمصدر معرفي باعتبار أن الامتحان بنظام الكتاب المفتوح: "الوزارة هتزود كل طالب بورقة فيها المفاهيم الأساسية لكل مادة، والتابلت مفتوح بالكامل لكل طالب هيكون المرجع الأساسي اللي عليه الكتب الرقمية وبنك المعرفة وغيره من المصادر". وأشار إلى أنه خلال الفصل الدراسي الثاني سيكون هناك تدريباً على الامتحانات الإلكترونية باستخدام التابلت.

أحلام عريضة وواقع بائس

في حين أن قرار وزارة التعليم بإجراء الامتحانات ورقياً عادة ما يلاقى هوى الطلاب وأولياء الأمور الذين عانوا خلال السنوات الماضية من تراجع قدرة البنية التحتية في مصر على تحمل الضغوط على شبكة الإنترنت وقت الامتحانات، وخاصة خارج العاصمة، ما غيَّب تكافؤ الفرص بين الطلاب، إلا أن تلك المشكلات التي يقول الوزير إنها كانت وراء قراره الجديد، أصر الوزير نفصسه على تجاهلها والتقليل من شأنها في تصريحات متعددة خلال السنوات الثلاث الماضية. كما أن القرار يأتي مفاجئاً ومخالفاً لما أعلنه الوزير نفسه عند بدء تطبيق النظام في العام الدراسي 2018-2019: " تقييم يقيس الفهم + امتحان إلكتروني.

في شباط/ فبراير 2017، تولى الدكتور طارق شوقي، حقيبة التربية والتعليم والتعليم الفني، بعدما كان يشغل منصب رئيس المجلس التخصصي للتعليم والبحث العلمي التابع لرئاسة الجمهورية، ومنذ أن وطأت قدماه ديوان الوزارة، أعلن ثورة على نظام التعليم القائم بأكمله، واصفاً إياه بـ"عقار آيل للسقوط لا يجدي معه إصلاح ولا ينتج عقول تناسب مهارات القرن الـ21"، معلناً إطلاق نظام جديد يبدأ من الصف الأول الابتدائي، إضافة إلى إجراء تعديل على نظام المرحلة الثانوية القائم، يبدأ تطبيقه على الطلاب الملتحقين بالصف الأول الثانوي عام 2018-2019، أساسه تغيير أسلوب التقييم والانتقال إلى قياس مهارات فهم مخرجات التعلم. مؤكداً أن هذه الطريقة تكفل تحول الطلاب إلى الفهم بدلاً من الحفظ، وتقضي على ظاهرة الدروس الخصوصية، وتواجه آفة الغش بعد تطبيق الامتحانات الإلكترونية التي تُنحِّي العامل البشري.

أظهر "التابلت" غياب تكافؤ الفرص بين الطلاب على اختلاف شرائحهم الاجتماعية ومناطق سكناهم الجغرافية

وشرح الوزير الشكل الجديد الذي سيكون عليه التعليم الثانوي، موضحاً أن كل طالب سوف يتسلم جهاز تابلت، يتيح له الوصول إلى "محتوى رقمي قيِّم متوفر مجاناً على بنك المعرفة المصري"، ويساعده على فهم المنهج بالطريقة المطلوبة، إضافة إلى خط هاتف يسمح له باستخدام الإنترنت بأسعار مخفضة. وفي كل فصل دراسي؛ يؤدي الطلاب امتحانين بنظام الكتاب المفتوح، ويحصل الطالب على الدرجة الأعلى بينهما، وتكون سنوات المرحلة الثلاث تراكمية، يحصل الطالب في نهايتها على متوسط درجات أعلى 6 امتحانات أداها.

كما أعلن تزويد المدارس ببنية تحتية تضمنت: ألياف ضوئية لضمان وصول الإنترنت فائق السرعة إلى كل مدرسة ثانوية، شبكات داخلية تحمل محتوى بنك المعرفة وتتصل بأجهزة الطلاب، وشاشات تفاعلية تسمح للمعلمين الدخول إلى بنك المعرفة وتسهل عملية توصيل المعلومة، كل هذا بالإضافة إلى بناء محتوى رقمي لمختلف الصفوف الدراسية بالتعاون مع كبرى الشركات المتخصصة في مجال التعليم، يتزايد عام بعد عام ويتم بثه عبر مختلف المنصات: قنوات تليفزيونية، بنك المعرفة واليوتيوب.

حصاد السنين

حملت تلك الإجراءات صورة مبهرة لما سيكون عليه نظام التعليم في مصر، إلا أنه مع بدء التطبيق في عام 2018-2019، تساقطت الأحلام واحداً تلو الآخر. ففي العام الأول، ظهرت مشكلات تتعلق بمن يتحمل تكلفة البنية التحتية في المدارس الخاصة (يدفع أولياء الأمور فيها مصاريف متدرجة الارتفاع مقابل تعليم أبنائهم) البالغ عددها 1720 مدرسة، وتكلفة أجهزة التابلت المسلمة لطلابها الذين يتجاوز عددهم 370 ألف طالب، وأخرى تتعلق بالقرى والنجوع البعيدة التي لا تدخلها الكهرباء من الأساس، ناهيك عن شبكات المحمول أو الإنترنت التي تغيب خدماتها عن كثير من القرى والبيوت خاصة في ظل تواضع دخول شريحة واسعة من المصريين قدرها البنك الدولي في 2021 بثلثي السكان، وتقدر الدولة المصرية في بياناتها الرسمية الواقعين تحت خط الفقر المدقع بثلث السكان، ما يجعل تكلفة الإنترنت لديهم رفاهية بعيدة المنال.

هذا إلى جانب أزمات تتعلق بطلاب المنازل الذين لم يتسلموا أجهزة التابلت، ما أظهر غياب تكافؤ الفرص بين الطلاب على اختلاف شرائحهم الاجتماعية ومناطق سكناهم الجغرافية. كما حدث صدام بين الوزارة وأولياء الأمور والبرلمان، انتهى إلى سحب الحكومة قانون الثانوية التراكمية، واعتماد مجموع الثانوية العامة بدرجة الصف الثالث فقط.

أطلقت الوزارة اختبارات تجريبية لاختبار كفاءة الشبكات لكن النتيجة جاءت: "السيستم واقع"

وأطلقت الوزارة اختبارات تجريبية لاختبار كفاءة الشبكات لكن النتيجة كانت "السيستم واقع"، واضطرت في آخر العام إلى إتاحة الامتحانات إلكترونياً وطباعة أخرى ورقية يتم التحول إليها حال فشل النظام الإلكتروني.

أما في العام الثاني 2019-2020، وبينما أطلت جائحة كورونا على العالم، اتخذت وزارة التربية والتعليم منها فرصة لتجربة نظام الامتحان الإلكتروني على طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي في منازلهم، وكان بإمكانهم الدخول إلى الامتحان من خلال أي وسيلة ممكنة خلاف التابلت، لكن التجربة لم تُكلل بالنجاح لأن الكثير من الطلاب استغلوا الأمر في الغش الجماعي، حيث كانوا يجتمعون معاً في أوقات الامتحانات من أجل الغش، كما تكررت مشكلة "السيستم واقع" بسبب الضغط على السيرفرات الحاملة للامتحانات من أعداد كبيرة من المستخدمين (الطلاب) في نفس الوقت، ما دفع الوزارة خلال التيرم الثاني (الفصل الدراسي الثاني) إلى التخلي عن إجراء امتحان موحد على المستوى القومي، والجوء إلى إجراء الامتحانات بشكل مقسم حسب المحافظات لتخفيف الضغط على السيرفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة، خاصة مع تعرض شبكة الإنترنت وخدمات الكهرباء للانقطاع في وقت الامتحانات، خاصة في منطقة الصعيد.

أما في العام الثالث 2020-2021، قررت الوزارة عقد امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي إلكترونياً داخل المدارس باستخدام التابلت خلال الفصل الدراسي الأول؛ تفادياً لحالات الغش. وجرى تقسيم الطلاب على فترات تجنباً لمشكلة سقوط النظام الذي حدث في اليوم الأول، لكن الأمر أيضاً لم يخل من المشكلات الفردية لبعض الطلاب، أما في الفصل الدراسي الثاني فأجريت للطلاب امتحانات شهرية بشكل ورقي فقط واعتُمدت النتيجة، وبالنسبة لطلاب الصف الثالث "الشهادة الثانوية"؛ قررت الوزارة إجراء امتحاناتهم ورقياً، وتخرجت الدفعة الأولى في نظام الثانوية المعدل، من دون امتحان إلكتروني، وإن خضعوا للشق الثاني من التطوير وهو تغيير أسلوب التقييم إلى قياس مدى فهم مخرجات التعلم.

وها قد بدأ العام الرابع، وقررت الوزارة كذلك إجراء امتحانات الفصل الدراسي الأول للصفين الأول والثاني الثانوي ورقياً، بينما لم تعلن موقف الصف الثالث بعد.

تكلفة عالية لم تؤت ثمارها... بعد

منذ تطبيق نظام التعليم المعدل في المرحلة الثانوية 2018-2019، خضع لهذه التجربة أكثر من 2.5 مليون طالب، تسلموا أكثر من 2.5 مليون جهاز تابلت. ووفقاً لتصريحات تليفزيونية لوزير التربية والتعليم، فإن أجهزة التابلت وحدها كلفت الوزارة نحو 10 مليارات من الجنيهات (نحو 636 مليون دولار)، بينما بلغت تكلفة البنية التحتية في مدارس المرحلة الثانوية التي جرت في العام الأول نحو 3.5

مليار جنيه (ما يقرب من مليارين وربع المليار من الدولارات)، أما تكلفة بناء المحتوى الرقمي فتصل إلى مليار جنيه سنوياً (نحو 63 مليون دولار)، نظراً لأنه عملية متواصلة عام بعد عام.

لكن منذ إطلاق التجربة وحتى الآن، لم يمر عام واحد بالشكل الذي خططت له الوزارة ومن دون شكاوى من الطلاب أو أولياء أمورهم.

في نيسان/ أبريل 2018، وقعت الحكومة المصرية والبنك الدولي، اتفاقية قرض بقيمة 500 مليون دولار لصالح مشروع دعم إصلاح التعليم في مصر، والذي يهدف إلى تحسين ظروف التدريس والتعليم في نظام التعليم الحكومي، وبدأت فترة الحصول على القرض من العام 2019 ولمدة 5 سنوات، وكان من المفترض أن توجه الأموال إلى: التوسع في إتاحة التعليم بتطبيق معايير الجودة في رياض الأطفال لنحو 500 ألف طفل، تدريب نحو 500 ألف من المعلمين والمسؤولين بوزارة التعليم، إتاحة موارد التعلم الرقمية لما يبلغ 1.5 مليون طالب، وإفادة أكثر من مليوني طالب من النظام الجديد لتقييم الطلاب والامتحانات.

لكن في كانون الأول/ ديسمبر 2021، شهد اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، غضباً كبيراً أثناء مناقشة الحساب الختامي لموازنة وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني للعام المالي 2020-2021، بسبب بند القروض، واتضاح عدم استخدام قرضين رغم مرور 3 سنوات على تسلمهما.

وتساءل أعضاء اللجنة عن سبب عدم صرف أي شيء من قيمة قرض البنك الدولي، لكن مدير عام الشؤون المالية بوزارة التربية والتعليم، الذي مثل الوزارة في البرلمان، أوضح أن تاريخ الحصول على القرض كان في العام المالي 2018-2019 بغرض إصلاح التعليم، لكنه لم يرد على باقي الأسئلة.

خبراء: لا يوجد منظومة

يقول الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، كمال مغيث، لرصيف22، إنه يرى في "تكرار أزمة" تنظيم امتحانات المرحلة الثانوية بالنظام الورقي أو الإلكتروني، دليلاً على غياب المنظومة: "المنظومة تعني فلسفة وأهداف وطريقة تنفيذ وعناصر بشرية وتمويل وتقويم، لكن إحنا أمام تصريحات فقط، ولم نر مشروعاً يتضمن الفكرة والعقبات والحلول".

وأضاف: "الطلاب حصلوا على التابلت لكن المنهج مش مبني عليه، والفكر مش مبني عليه، يبقى احنا كدا في حالة عبث، لو كان فيه مشروع جاد كان هيكون له دراسات جادة أيضاً".

واتفق معه أستاذ التربية في جامعة طنطا، محمد الطيب، قائلاً لرصيف22 إنه كان واضحاً من البداية أن الوزارة ليست لديها خطة واضحة، ولكن لديها "فكرة": "كان الأولى نشوف إيه اللي ناقص؟ المدارس والمعلم واحتياجات الطالب نفسه، قبل مانطبق فكرة مش مناسبة لأرض الواقع ونحول الطلاب لفئران تجارب".

وأضاف أن إدخال التطوير على منظومة الثانوية العامة كان يمكن أن يُقسم على سنوات وفق خطوات واضحة أو يتم تطبيقه على فئات محددة وفي ضوء النتائج تُعمم التجربة: "اللعب في التعليم يعني لعب بمقدرات الدولة، التعليم مش بس امتحان لكنه أيضاً مدرس لحد دلوقتي بيتقاضى راتبه على أساسي عام 2014، ولم يتم تعيين خريجي كليات التربية من سنة 1997 لحد المنظومة مابقت تعاني من عجز شديد".

وتابع: "إزاي ادخل فكرة التكنولوجيا والتابلت والتطوير فجأة والمجتمع مش مستعد لها، البنية التحتية مش حمل المشروع، الطلاب مش قابلين الموضوع، المنظومة محتاجة إعادة نظر".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard