رحلة الحصول على "شهادة فقر"... حلول وزارة التعليم المصرية لإتاحة الكتب المدرسية

الخميس 28 أكتوبر 202106:18 م

لم تدر أسماء م. كيف تدبر المصروفات المدرسية لأبنائها الثلاثة المقيدين في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، خاصة أنها ليست من الفئات المعفاة من الدفع رغم ضيق حالها، كما أن وزارة التربية والتعليم المصرية، أصدرت في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، كتاباً دورياً يقضي بعدم تسليم الكتب للطلاب إلا بعد دفع الرسوم المطلوبة، فكيف سيبدأ الأبناء الثلاثة عامهم الدراسي؟

انتهى الأسبوع الثالث من العام الدراسي مع توقيت نشر هذا التقرير، وحتى الآن لم تتمكن أسماء من تدبير مبلغ يزيد قليلاً على 800 جنيه (نحو 50 دولاراً أمريكياً)، مطلوب أن تدفعها وزوجها العامل باليومية (المياوم)، كي يتمكن أبناؤهما الثلاثة من تسلم الكتب الدراسية في مدرستهم الأميرية (الرسمية) بأحد الأحياء المهمشة على أطراف القاهرة. 

يبلغ دخل الزوج 100 جنيه يومياً (نحو ستة دولارات) موزعة بين الطعام والشراب ودفع الفواتير وبدل إيجار المسكن، وتعاني الأسرة لتوفير الدواء إذا دعت الحاجة إليه. لم يعد أمام ربة البيت الشابة مفر من الاستماع إلى نصيحة الإخصائي الاجتماعي في مدرسة أبنائها بضرورة الحصول على "شهادة فقر". 

انتهى الأسبوع الثالث من العام الدراسي مع توقيت نشر هذا التقرير، وحتى الآن لم تتمكن أسماء من تدبير مبلغ يزيد قليلاً على 800 جنيه (كي يتمكن أبناؤها الثلاثة من تسلم الكتب الدراسية

طوق نجاة 


صورة من مدرسة حكومية مصرية - منشورة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تقول أسماء لرصيف22 إنها بدأت من قبل بداية العام الدراسي محاولات تدبير المصروفات المدرسية، لكنها لم تنجح في مسعاها في مواجهة غلاء المعيشة والتهام المصاريف اليومية لكامل دخل الأسرة، تقول: "بدأت الدراسة ولم يتسلم أبنائي الكتب لأنهم غير مسددين المصروفات، وكأن الدراسة بدأت لدينا ولكن مع إيقاف التنفيذ".

وبعد أسبوع تقريباً من بدء الدراسة، أصدرت وزارة التربية والتعليم، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول، الكتاب الدوري رقم 33، الذي يسمح بتسليم كتب الفصل الدراسي الأول فقط لمن سدد نصف المصروفات، وتوجيه غير القادرين لعمل "بحث اجتماعي" في مكاتب التضامن الاجتماعي لإثبات عدم القدرة على تدبير الرسوم حتى يتسلم أبناؤهم الكتب مجاناً.

"البحث الاجتماعي" المعروف شعبياً باسمه القديم "شهادة إثبات الفقر" مثّل طوق نجاة لأسماء وأبنائها، وحماية لهم من نظرات زملائهم كلما سألهم المعلم عن الكتاب المدرسي. 

لم تجد اسماء غضاضة في السعي إلى استخراج أوراق رسمية تثبت تواضع حال عائلتها، ووزعت جهدها بين إتمام المعاملات الرسمية و إخفاء الأمر عن أبنائها بعد أن وعدتهم أنها ستدبر المصروفات وأنهم سيتسلمون الكتب قريباً. 

"البحث الاجتماعي" المعروف شعبياً باسمه القديم "شهادة إثبات الفقر" مثّل طوق نجاة لأسماء وأبنائها، وحماية لهم من نظرات زملائهم كلما سألهم المعلم عن الكتاب المدرسي

"شهادة فقر"

أثارت مطالبة وزارة التربية والتعليم أولياء الأمور غير القادرين على دفع الرسوم المدرسية بتقديم "بحث اجتماعي"، الحديث عن "شهادات الفقر" التي غيرت وزارة التضامن الاجتماعي (التموين سابقاً) اسمها إلى "بحث اجتماعي" في مطلع الألفية الحالية. 

والبحث الاجتماعي المقصود هو توصية رسمية تصدرها مديرية التضامن الاجتماعي التي يتبعها سكن المتقدم، بعد إجراء تحريات بناء على طلبه، ومطالبته بتقديم أوراق ومعاملات رسمية يثبت من خلالها مقدار دخله ومصادره، وبناء على التحريات والأوراق تمنح مديرية التضامن للمواطن المتقدم إليها شهادة تفيد بأنه غير قادر على القيام بأعباء الحياة ويستحق الدعم أو الإعفاء من بعض الأعباء المالية المترتبة لصالح الدولة. 

وتفيد تلك الشهادة أو البحث في إثبات استحقاق الأسرة أو الفرد الدعم في جهات حكومية مختلفة مثل الصحة والتعليم ومعاشات التضامن، لكنها وثيقة غير إلزامية للجهة التي ستقدم إليها، أي أن للجهة (وزارة التربية والتعليم في هذه الحالة) أن ترفض الالتزام بالشهادة وتستمر في مطالبة الفرد في سداد الرسوم والمصروفات.

ويعود تاريخ "شهادة الفقر" إلى أكثر من نصف قرن، وبالتحديد إلى عهد الملك فاروق، حينما كان التعليم يقتصر على القادرين مادياً فقط، ولكن كان يُسمح لأبناء الأسر الفقيرة بدخول المدارس شريطة التفوق، وتُستخرج لهم "شهادة فقر" تحمل توقيع اثنين من موظفي الدولة محل الاعتبار يشهدان بفقر المتقدم كي تتحمل الدولة تكاليف تعليمه.

وبقدوم ثورة يوليو 1952، تعددت استخدامات "شهادة الفقر" لتشمل طلب الوظيفة، والحصول على العلاج المجاني خاصة في حالات الأمراض المزمنة والخطيرة، وتيسير السفر للخارج للدراسة والتقديم للحصول على سكن لمحدودي الدخل.

واستمر هذا الوضع حتى منتصف التسعينيات، حينما قل الحديث عن "شهادة الفقر" وتوقف استخراجها كشريطة لعلاج بعض الأمراض مثل الفشل الكلوي والأورام والكبد واستبدلت بالبحوث الاجتماعية الإجرائية التي تكتفي بمعلومات بسيطة عن مهنة طالب العلاج ومقدار دخله. وفي عام 2010 أصدرت وزارة الداخلية مرسوماً بإلغاء سبع شهادات من بينها شهادة الفقر.

ولكن مع قيام ثورة 25 يناير/ كانون الأول 2011، وتعرض مصر لضربات اقتصادية، عادت "شهادة الفقر" للظهور مرة أخرى في دستور عام 2012 - دستور الإخوان المسلمين- في مادته رقم 62 المتعلقة بتقديم الرعاية الصحية، إذ اقتصرت المادة على تقديم الخدمة الصحية بالمجان لغير القادرين فقط، ما يعني الاحتياج لإثبات  الفقر وعدم القدرة على تلقي العلاج، وقد أثارت هذه المادة لغطاً عند مناقشتها باعتبار أن الصحة حق لكل مواطن، خاصة أن كلمة "غير القادرين" في فقه "التضامن الاجتماعي" تعبر عن الفقير المعدم، وليس محدود الدخل أو الموظف، وهي فئات لا تسمح دخولها بتغطية نفقات العلاج وخاصة في حالات الأمراض المزمنة والمرتفعة التكلفة المذكورة آنفاً.

مع تعطل دستور الإخوان، استمر استخدام "شهادة الفقر" في بعض المجالات، حتى جاء عام 2017، وشهدت مكاتب التضامن الاجتماعي زحاماً شديداً بسبب طلبات الحصول على شهادات فقر للإعفاء من المصروفات المدرسية، بعدما قفزها نحو 40 جنيهاً إلى 300 جنيه للطالب الواحد 

ومع تعطل دستور الإخوان، استمر استخدام "شهادة الفقر" في بعض المجالات، حتى عام 2017، حينما شهدت مكاتب التضامن الاجتماعي زحاماً شديداً بسبب طلبات الحصول على شهادات فقر للإعفاء من المصروفات المدرسية، بعدما قررت وزارة التربية والتعليم القفز بالمصروفات المدرسية من نحو 40 جنيهاً إلى 300 جنيه للطالب الواحد (وصلت الآن إلى الـ500).

وأعلنت وزارة التضامن وقتذاك إلغاء شهادات الفقر الإدارية، وتولت إرسال كشوف بأسماء غير القادرين المسجلين لديها إلى التربية والتعليم لإعفاء أبنائهم من المصروفات المدرسية. ما يعني أن أصحاب معاشات التكافل والحاصلين على المساعدات الرسمية "تكافل وكرامة" فقط هم من يحق لهم الإعفاء من الرسوم الدراسية

كما أصدر مجلس الوزراء بياناً يؤكد فيه أن وزارة التضامن الاجتماعي لا تصدر ما يُطلق عليه "شهادات فقر"، وإنما تجري "بحوثاً اجتماعية" لمن يرغب في الإعفاء من المصروفات الدراسية أو الحصول على منحة لأبنائه، على أن تكون هذه الأسر مستفيدة من المساعدات الضمانية نتيجة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

والآن مع مطالبة وزارة التربية والتعليم الأسر غير القادرة على دفع المصروفات المدرسية ولا تندرج ضمن الفئات المعفاة، بتقديم "بحث اجتماعي" للحصول على إعفاء، أصبحت هناك فئة جديدة تضاف للفقراء في مصر، ولا تعلم عنها وزارة التضامن الاجتماعي شيئاً.

رحلة إعداد الأوراق لاستخراج شهادة الفقر

ترى أسماء أنه سواء كان المسمى "شهادة فقر" أو "بحثاً اجتماعياً" فالأمر لا يختلف كثيراً، تقول: "في النهاية نجريه في سرية بعيداً عن أبنائنا والمجتمع خوفاً من نظرة مسيئة أو وصمة تلازمنا سنوات".

وبدأت ولية الأمر البحث عن الأوراق المطلوبة لإجراء البحث والحصول على الإعفاء من المصروفات في أسرع وقت، لكن الأمر تطلب بعض الجهد، تقول: "ذهبت إلى مكتب التضامن الاجتماعي التابع لمنطقتي، ووجهوني إلى إحضار بطاقة ولي الأمر وشهادات ميلاد أبنائي وشهادة إثبات قيد أبنائي في المدرسة ممهورة بإمضاء المدير، وورقة مطالبة ببحث الحالة من الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، و’برنت’ تأمين يثبت عدم التأمين على زوجي، أي أنه لا يشغل وظيفة ثابتة".

وتضيف: "في اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة لاستخراج شهادة قيد لأبنائي، ولكني وجدت صعوبة في دخول المدرسة خاصة مع توجيهات وزارة التربية والتعليم للمدارس بتحديد مواعيد لدخول أولياء الأمور، ومدرسة أولادي لا تفتح أبوابها إلا في نهاية اليوم نظراً لعدم استقرار الأوضاع مع بداية العام الدراسي، وبعد انتظار ساعات تمكنت من الدخول لكنني أنهيت ورقة واحدة فقط، فبمجرد وصولي إلى مكتب المدير وطلب إثبات قيد لأبنائي، علم أني أسعى للحصول على إعفاء من المصروفات المدرسية، فباغته أنني أرغب في تسليم أولادي الكتب المدرسية وأني لن أنتظر أكثر من ذلك فقد مر اسبوعان على بدء الدراسة بالفعل".

وبعد إنهاء استخراج شهادات القيد، ذهبت ولية الأمر إلى الإخصائي الاجتماعي في المدرسة للحصول على طلب بحث الحالة، لكنها لم تجده، فاضطرت لإعادة الكرة في اليوم التالي، ولحسن حظها أن زوجها لا يحمل مؤهلاً عالياً فلم تضطر للذهاب إلى التأمينات الاجتماعية لاستخراج "برنت تأمين".

وتتابع: "الأربعاء الماضي، عدت للشؤون الاجتماعية (التضامن الاجتماعي)، فاستقبلني موظف يبدو عليه اعتياد إجراء تلك البحوث، فلم يكن مهتماً سوى باكتمال الأوراق. وفور فحص أوراقي طلب مني ملء استمارة البحث الاجتماعي ببيانات أسرتي ودخل زوجي غير الثابت، وختم الموظف شهادة فقري بشعار الحكومة، ثم ذهبت للمدرسة وقدمتها للأخصائي الاجتماعي، وأنتظر الآن تسليم أبنائي الكتب المدرسية".


صورة دعائية للحاصلين على معاش تكافل وكرامة - وزارة التضامن المصرية 

تؤكد أسماء أنها إذا كانت تمتلك المال الكافي لدفعت المصروفات المدرسية لأبنائها الثلاثة، حتى لا تشعر بالذل الذي شعرت به هذا العام، تقول: "حتى لو كان الموظفون معتادين إصدار شهادات الفقر، ففي كل مرة أدخل مكتب التضامن الاجتماعي أشعر وكأن الجميع ينظر إلى فقري، وأفكر في أولادي هل يراودهم نفس شعوري داخل المدرسة، وأحاول دائماً أن أتجاهل هذا الشعور وأذكر نفسي بأن مصلحة أبنائي أهم".

وتتساءل أسماء: "لماذا لم تفكر وزارة التربية والتعليم في حلول لدفع المصروفات بدلاً من ربطها بالكتب المدرسية وإلحاق الضرر بالأولاد؟ الآن يجب أن ننتظر حتى تنظر المدرسة في البحث الاجتماعي، وتسجله عن طريق أخصائي التطوير التكنولوجي على الموقع الخاص بالإدارة العامة لنظم المعلومات ودعم اتخاذ القرار بالوزارة".

وتختم أنها رغم ذلك تعتبر من المحظوظين الذين علموا بالإجراءات والأوراق المطلوبة مبكراً، بينما هناك الكثير من أولياء الأمور الذين لا يزالون يتخبطون ولا يعرفون ماذا يفعلون حتى يتسلم أبناؤهم الكتب المدرسية.

حالة أخرى لا تزال تتخبط

لم يكن حظ، سعاد علي* مثل حظ أسماء، فقد تخبطت في الأيام الأولى من صدور الكتاب الدوري المتعلق بإجراء غير القادرين بحث اجتماعي للإعفاء من المصروفات ولم تعرف الإجراءات والأوراق المطلوبة بالتحديد، وهي الأم لثلاثة أطفال أحدهم مقيد في مدرسة تجريبية، وسقطت أسرتها من الطبقة المتوسطة إلى طبقة محدودي الدخل جراء أزمة فيروس كورونا، واضطر زوجها للعمل بـ"اليومية" بعدما كان صاحب مشروع يوفر دخلاً كافياً.

في البداية تخيلت أنها لا بد أن تكون من المستفيدين بمعاش التضامن الاجتماعي "تكافل وكرامة"، وهي تعلم أن إجراءات الحصول على هذا المعاش تمتد لشهور، وبعد يومين من البحث قررت الذهاب إلى مكتب الشؤون الاجتماعية في منطقتها وعلمت أنه بإمكانها إجراء "البحث الاجتماعي" من دون شرط الاستفادة من إحدى الخدمات التي تقدمها الوزارة. تقول: "أعددت شهادات ميلاد أولادي وبطاقة زوجي، لكن الإجازة الرسمية في نهاية الأسبوع الماضي حالت بيني وبين ذهابي للمدرسة، فاضطررت للذهاب، الأحد، وذهبت أولاً إلى المدرسة الحكومية المقيد فيها اثنان من أولادي، وأنهيت شهادة قيدهما من مدير المدرسة، وحين ذهبت إلى مكتب الأخصائية الاجتماعية للحصول على طلب بحث الحالة، فوجئت بها تخبرني بأنه حتى الآن لم تصلها أي تعليمات من توجيه الاجتماع في الإدارة التعليمية، ولا يمكنها تسليمي هذه الورقة".

وتضيف سعاد: "انتهى يوم العمل في المدرسة الأولى ولم أُنه الخطوة الأولى من الإجراءات ولا أعرف متى ستصل التعليمات من الإدارة لأحصل على طلب بحث الحالة، ولا يزال ينتظرني يوم طويل في المدرسة التجريبية لأنهي أوراق ابني الثالث".

ولا تعرف ماذا تفعل، فقد استعانت ببعض الكتب الخارجية المستعملة من أحد طلاب العام الماضي، لكن هذه الكتب غير مسموح بدخولها المدرسة: "أولادي في الفصل بيكونوا تايهين علشان مش عارفين المدرس بيتكلم في إيه بالظبط لإن مش معاهم كتب".

لماذا لم تفكر وزارة التعليم في حلول إبداعية تحفظ كرامة أبنائنا؟

تقول فاطمة فتحي، الناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي ومؤسسة صفحة "تعليم بلا حدود"، إن وزارة التربية والتعليم حتى تحصل على الأموال التي تحتاجها للأنشطة والصيانة، قررت الضغط على أولياء الأمور عن طريق ربط تسليم الكتب المدرسية بدفع المصروفات، غير مهتمة بالحرج الذي تسببه للطلاب بين زملائهم ولا الضرر الواقع عليهم بسبب غياب الكتاب المدرسي.

وأضافت لرصيف22 أن الوزارة "منفصلة عن الواقع الذي فرضه فيروس كورونا" على أولياء الأمور"، فلم تكتفِ برفع المصروفات المدرسية للعام الدراسي الماضي 2020/ 2021 بنسبة 100%، بل قررت ربطها هذا العام 2021/ 2022 بتسليم الكتب المدرسية، ومن لم يستطع يسعى وراء إثبات فقره بالبحث الاجتماعي.

وطالبت فتحي وزير التربية والتعليم بإخراج الطلاب من هذه المعادلة الصعبة، و"تجنيبهم الإحراج الذي لن ينتج إلا جيلاً معقداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard