"وضعوهم في براميل وأطلقوا النار عليهم"... جنود إسرائيليون قدامى يقرّون بارتكاب "مجزرة الطنطورة"

السبت 22 يناير 202211:18 ص

بطول 35 متراً وبعرض أربعة أمتار، حُفرت مقبرة جماعية لطمس آثار واحدة من أبشع مجازر العصابات الصهيونية إبّان نكبة عام 1948، وهي مجزرة الطنطورة التي يرقد ضحاياها الآن أسفل أحد أشهر الشواطئ الإسرائيلية المفعمة بالحياة والمرح.

أسفل شاطئ دوغ الإسرائيلي الشهير، المتاخم لكيبوتس نحشوليم قرب بلدة زخرون يعقوب، دُفنت جثث نحو 200 فلسطيني من أهالي قرية الطنطورة (جنوب حيفا)، على الرغم من "استسلام أهلها"، وبعد نحو أسبوعين من إعلان قيام إسرائيل، تحديداً في نهاية أيار/ مايو عام 1948، وفق وثائقي إسرائيلي جديد يحمل اسم "المجزرة".

ويعدّ هذا أحدث دليل على صدق الرواية الفلسطينية للنكبة وعلى ارتكاب عصابات الهاغاناه الصهيونية الفظائع والقتل الجماعي في حق السكان العرب، وبشهادة قدامى جنود لواء الإسكندروني (الهاغاناه)  الإسرائيلي الذين شاركوا في المجزرة.

تفاصيل مفزعة

ومن الشهادات التي نشرها المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الباحث في معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في مقال في صحيفة هآرتس الإسرائيلية:

"كنت قاتلاً، لم آخذ أسرى قط. حين كنت أجد مجموعة من الجنود العرب يرفعون أيديهم، كنت أقتلهم على الفور. لم أحسب كم قتلت منهم خارج ميدان المعركة. كان لدي رشاش به 250 طلقة، بالطبع لا أستطيع معرفة كم قتلت"، أميتزور كوهين الذي كان حديث العهد بالجندية حين شارك في المجزرة.

"ليس يسيراً قول ذلك. لقد وضعوهم في برميل وأطلقوا النار عليهم داخل البرميل. أتذكر مشهد الدم في البرميل"، جندي إسرائيلي آخر شارك في المعركة ولم يُذكر اسمه.

"أحد أفراد الكتيبة ذهب إلى مجموعة من 15 إلى 20 أسيراً فلسطينياً وقتلهم جميعاً"، حاييم ليفي، جندي إسرائيلي سابق شارك في المجزرة.

"ضابط تولى منصباً رفيعاً في وزارة الدفاع (الإسرائيلية) في السنوات الأخيرة كان يمر بمسدسه ويقتل العربي تلو الآخر"، ميخا فيتكون، جندي سابق آخر في اللواء شارك في المجزرة.

أحدث دليل على صدق الرواية الفلسطينية للنكبة… جنود إسرائيليون يقرّون بارتكاب مجزرة في قرية الطنطورة عام 1948؛ عشرات السكان الفلسطينيين العُزل قُتلوا بعد استسلامهم ودُفنوا في مقبرة جماعية أسفل أحد أكثر منتجعات إسرائيل صخباً

"قُتل القرويون (أهل الطنطورة) بوحشية بطلقات مدفع رشاش في نهاية المعركة"، موشيه ديامانت، جندي إسرائيلي سابق شارك في المجزرة.

"لم يتصرفوا  كبشر"، جندي إسرائيلي سابق يروي فعله رفاقه في أهالي الطنطورة.

"عدد القتلى يتجاوز الـ200"، أحد سكان زخرون يعقوب المشاركين في دفن الجثث.

محاولات الإسكات وقمع الحقيقة

وسبق أن تحدث مؤرخون فلسطينيون عن المجزرة بحق أهالي الطنطورة يومي 22 و23 أيار/ مايو 1948. لكن هذه الشهادات هي الاعتراف الأول من الجانب الإسرائيلي، علاوة على ذلك تقدم معلومات تفصيلية عن موقع المقبرة وعن الفظائع التي ارتكبت بحق الأهالي آنذاك.

وهي تؤكد ما صرّح به قبل نحو عقدين جوزيف بن أليعازر: "كنت أحد الجنود الذين شاركوا في احتلال الطنطورة. كنت شاهداً على أحداث القتل التي وقعت في القرية. بعض الجنود ارتكبوا جرائم قتل بمبادرة شخصية منهم".

لأول مرة، قبل 22 عاماً، أثار طالب دراسات عليا إسرائيلي، يُدعى ثيودور كاتس، الضجة حول أعمال القتل الجماعي التي رافقت احتلال العصابات الصهيونية للطنطورة، مستنداً إلى عشرات الشهادات من جنود سابقين في لواء الإسكندروني والمهجّرين العرب.

نُشر مقال في صحيفة معاريف الإسرائيلية عن الأطروحة بعنوان "مجزرة الطنطورة"، فأثار غضب قدامى المقاتلين الإسرائيليين الذين رفعوا قضية ضد كاتس واتهموه بالتشهير.

في نهاية المطاف، أُجبر كاتي عقب ضغوط شديدة على الاعتذار والتراجع عن الأطروحة واعتبارها "معيبة".

وفق مركز الإحصاء الفلسطيني، شُرّد نحو 800 ألف فلسطيني، من أصل مليون ونصف كانوا يسكنون فلسطين التاريخية، إبّان النكبة التي رافقها تنفيذ العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة أدت إلى استشهاد قرابة 15 ألف فلسطيني

تعقيباً على ذلك، قال آدم راز إن "قضية الطنطورة تجسد الصعوبة التي واجهها جنود حرب 1948 في الاعتراف بالسلوك السيئ الذي أظهروه خلالها: القتل والعنف ضد السكان العرب والطرد والنهب. الاستماع إلى شهادة الجنود اليوم، مع الأخذ في الاعتبار الموقف العسكري الذي أظهروه عندما رفعوا دعوى ضد كاتس، هو إدراك قوة مؤامرة الصمت والإجماع على أن هناك أشياء لا يتحدث المرء عنها".

 وأعرب المؤرخ الإسرائيلي عن اعتقاده بأنه بعد مرور السنوات "سيتم التعامل مع مثل هذه الموضوعات بأريحية أكبر".

وثائقي الطنطورة

بعد أعوام من القمع، تظهر شهادات الجنود الإسرائيليين المشاركين في المجزرة في وثائقي جديد للمخرج ألون شفارتز بعنوان "Tantura"، الذي يُعرض عبر الإنترنت الأسبوع المقبل ضمن فعاليات مهرجان صندانس الأمريكي للسينما.

بحسب آدم راز، وكما يوثّق فيلم شفارتز، وقعت أعمال القتل بعد أسبوع من احتلال القرية، أي بعد استسلام أهلها وتوقف القتال، وهذا ما يجعل منها جريمة حرب. واستمرت أعمال الدفن أكثر من أسبوع في موقع يعدّ الآن ساحة انتظار سيارات لشاطئ دوغ. من خلال استخدام التصوير الجوي للقرية قبل احتلال الميليشيات الصهيونية لها وبعده، يمكن تحديد موقع المقبرة.

وأسهم التصوير الثلاثي الأبعاد -كما يظهر في الفيلم- في تحديد أبعاد المقبرة بدقة: 35 متراً طولاً وأربعة أمتار عرضاً. لكن الإسرائيليين "حرصوا على إخفائها بطريقة تجعل الأجيال القادمة تسير هناك من دون أن تعرف ما الذي تخطو عليه"، وفق كاتس.

"أمر واحد يمكن تأكيده بقدر كبير من اليقين: تحت ساحة أحد أكثر المنتجعات الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط صخباً وشهرةً، يوجد رفات ضحايا إحدى المذابح الصارخة في حرب عام 1948"

أما راز، فختم تقريره بالإشارة إلى أنه لن يتم التحقيق بشكل شامل ووافٍ في أحداث الطنطورة، ولن تُعرف الحقيقة الكاملة لما جرى هناك، إلا أن "أمراً واحداً يمكن تأكيده بقدر كبير من اليقين: تحت ساحة انتظار أحد أكثر المنتجعات الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط صخباً وشهرةً، يوجد رفات ضحايا إحدى المذابح الصارخة في حرب عام 1948".

وفي نشرة أيار/ مايو الماضي، أوضح مركز الإحصاء الفلسطيني أن أحداث النكبة لم تكن سوى "عملية تطهير عرقي إذ تم تدمير شعب كامل وطرده وإحلال جماعات وأفراد من شتى بقاع العالم مكانه"، بعدما شهدت "تشريد نحو 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل نحو مليون ونصف مليون كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1300 قرية ومدينة فلسطينية".

وأضاف المركز: "الاحتلال الإسرائيلي سيطر خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، حيث دمّر 531 منها وما تبقى خضع لكيان الاحتلال وقوانينه، وقد رافق عملية التطهير هذه اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين أدت إلى استشهاد نحو 15 ألفاً منهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard