"روحه ما زالت حيّة"... وثائق تروي منهجية الحكم العسكري الإسرائيلي لقمع العرب وإذلالهم

الجمعة 8 يناير 202101:06 م

الأسبوع الماضي، أطلقت جندية إسرائيلية النار على فلسطيني أعزل كان يكافح لحماية مولده الكهربائي المهم لمورد رزقه من جنود الاحتلال. لم يكن هذا حادثاً فردياً، بل بات يتكرر بشكل أكثر قبحاً ووحشية في كل مرة. أما جذوره فتعود إلى عقود وتحديداً إلى فترة الحكم العسكري في إسرائيل.


كشفت وثائق رفعت عنها السرية حديثاً، بالإضافة إلى السجلات التاريخية في الأرشيف الإسرائيلي، عن العنف الحاد الذي ساد في "دولة داخل دولة"، والذي فرضته إسرائيل على مناطق واسعة من مناطق سيطرتها في الأراضي المحتلة عام النكبة، حيث يعيش الفلسطينيون الذين أصبحوا "المواطنين العرب" في دولة إسرائيل، وذلك بين عامي 1948 و1966.


عنفٌ حاد باقٍ في "الذاكرة الجماعية"

في مقال له بصحيفة هآرتس، أكد المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الباحث في معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مستنداً إلى كتاب "القاعدة العسكرية 1948- 1966: مجموعة من الوثائق" الذي نشره المعهد هذا الشهر، أنه "لأكثر من 18 عاماً، كان حوالى 85% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يخضعون لنظام قمعي".

"هل كنت لتقتل أي شخص بما في ذلك امرأة أو طفل؟ أجاب الضابط: نعم"... مؤلّف إسرائيلي جديد يسلط الضوء على تمييز دولة الاحتلال ضد المواطنين العرب وممارسة "الإذلال والقهر" بحقهم طوال عقود ومحاولة إخفاء هذا الماضي 

من القيود التي فرضتها إسرائيل على المواطنين العرب وأشار إليها راز، "كان لا بد من الحصول على تصريح قبل أي حركة خارج قراهم، وكانت مجتمعاتهم تخضع لحظر تجول دائم، وتم منعهم من تغيير محل إقامتهم دون موافقة رسمية، وحظر معظم التنظيمات السياسية والمدنية، وأصبحت مناطق بأكملها كانوا يعيشون فيها قبل عام 1948 الآن مغلقة أمامهم".


وشدد على أنه بينما تم إخفاء هذا الجزء من الماضي عن معظم السكان اليهود في إسرائيل، إلا أنه "يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية والذاكرة الجماعية للمواطنين العرب" بما في ذلك "الإساءة اليومية وشبكة المخبرين والمتعاونين".


في رسالة مستبعدة من أرشيف الدولة في إسرائيل، كتب يهوشوا بالمون، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك دافيد بن غوريون للشؤون العربية، إلى الحكومة العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1950، أن التقارير الواردة من الحكومة العسكرية في المثلث الفلسطيني (تمركز بلدات عربية وسط  فلسطين المحتلة) تفيد بأن "ضغوطاً غير قانونية تمارس أثناء استجواب السكان، مثل استخدام الكلاب (ضدهم) والتهديدات وما شابه". بعد نحو عام، أوضح باروخ يكوتيلي، نائب بالمون، لسكرتير مجلس الوزراء أن الوضع في المناطق العربية يتطلب في بعض الأحيان "يداً قوية من جانب السلطات". لم تفصّل الرسالة الأخيرة الممارسات المشار إليها، لكن الشهادات المعلن عنها توضح ما كان يحدث من إجراءات "تعكس الإذلال والقهر"، وفق راز.


من أشكال الإذلال والقهر للعرب، على سبيل المثال لا الحصر، أن "حاكماً عسكرياً (كان هناك ثلاثة: للنقب والمثلث والشمال) أمر بأن يظهر من يرتادون مقهى القرية احترامهم له بالوقوف عند دخوله وهدد كل من عصاه، كان الجنود يسلّون أنفسهم عند ترهيب مواطن عربي بالاتكاء عليه بوضع سلاح ناري على كتفه، وآخرون منعوا المواطنين المسلمين من الصلاة. في حالات أخرى، قام ممثلو الحكومة العسكرية بمضايقة المزارعين وتدمير ممتلكاتهم، وإذلال الناس بانتظام ومخاطبتهم بلغة فظة، وتعنيف الأطفال، ووجه أفراد عسكريون في الحكومة تهديدات لمواطنين عرب إذا لم يصوتوا في الانتخابات لمرشحين تفضلهم السلطات".


في شهادة أدلى بها مطلع عام 1956 أمام لجنة حكومية، ورُفعت السرية عنها بناءً على طلب "أكيفوت"، زعم الحاكم الإسرائيلي العسكري في الجنوب، يهوشوا فيربين: "الحكومة العسكرية أكثر ليبرالية ولطفاً. دعونا لا نتحدث عن القسوة على الإطلاق، لأن هذا لا أساس له، إنه افتراء لا أساس له في أي حال". كما ادعى رئيس الحكومة العسكرية آنذاك، Mishael Shaham، أن هذه الممارسات "لم تكن جديّة" وإنما "عنصر من عناصر التربية على المواطنة الصالحة".

"يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية والذاكرة الجماعية للمواطنين العرب"... مؤرخ إسرائيلي يقول إن تستر إسرائيل على العنف الحاد الذي مارسته ضد المواطنين العرب عقب نشأتها لم يفلح في طمس الحقائق، وينتقد تعايش غالبية الإسرائيليين مع هذا والتزامهم الصمت

لكن شهادة محافظ المثلث، زلمان مارت، عام 1957 ضمن المحاكمة المتعلقة بمجزرة كفر قاسم دحضت هذه المزاعم. قال مارت إنه لم يكن هناك إجراء يسمح بقتل المواطن العربي الذي ينتهك حظر التجول، ولكن كان هناك نوع من بروتوكول العقوبة "يمكنك أن تصفعه، وتضربه ببندقية على ساقه، ويمكنك أن تصرخ فيه".


نمط حياة يومي

خلال مجزرة كفر قاسم، تشرين الأول/ أكتوبر عام 1956، أطلقت شرطة حرس الحدود الإسرائيلية النار وقتلت 49 فلسطينياً - بينهم 23 طفلاً دون الثامنة عشرة- لانتهاكهم حظر تجول الذي لم يكونوا على علم به.


علاوةً على شهادة زلمان، تقدم الشهادات المطولة لجنود إسرائيليين، الذين عملوا في القرى العربية آنذاك، صورة للحياة اليومية التي عاشها العرب في ظل الحكم العسكري. وصف راز صراحة الضباط الإسرائيليين خلال شهاداتهم في محاكمة كفر قاسم بأنها "مروعة".


إجابةً عن سؤال: هل كنت "مشبعاً بالشعور بأن العرب أعداء دولة إسرائيل؟، أجاب أحدهم ببساطة: "نعم". رداً على سؤال آخر: هل كنت لتقتل أي شخص بما في ذلك امرأة أو طفل؟ كرر الضابط: "نعم". سئل ضابط إسرائيلي آخر عما كان ليفعل إذا أُعطي الأمر نفسه، فأكد أنه كان ليطلق النار على حافلة مليئة بالنساء العربيات. وأوضح ثالث: "طالما قيل لي إن كل عربي هو عدو للدولة وطابور خامس". أكد غالبيتهم أنهم قد يطلقون النار على "الأشخاص العاجزين" حتى إذا لزم الأمر. 

"طالما قيل لي إن كل عربي هو عدو للدولة وطابور خامس"... مؤرخ إسرائيلي يعترف بأن "غالبية الجمهور الإسرائيلي تتعايش وتلتزم الصمت" حيال الانتهاكات المنهجة تجاه المواطنين العرب

لفت أحدهم إلى أنه إذا صادف رضيعاً "انتهك" حظر التجول "قد يبدو الأمر قاسياً، لكنني سأطلق النار عليه. سأكون مضطراً للقيام بذلك".


كان معروفاً أن الحكومة العسكرية هددت المواطنين العرب لمنعهم من الشكوى من الانتهاكات التي تجري بحقهم. مع ذلك، تقدم بعض رعايا الحكومة العسكرية العرب بشكاوى دون الكشف عن هويتهم. في تقرير للجمعية اليهودية العربية للسلام، أرسل إلى لجنة وزارية عام 1958، جرى توضيح أسباب تجهيل الشكاوى: "في حالات سابقة، استخدمت الحكومة العسكرية التهديدات والضغط ضد الناس (يقصد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل) الذين شهدوا ضدها".


آنذاك، جمعت الجمعية عدداً كبيراً من الحسابات وألحقت اسم المشتكي بأحدها، وطلبت أن "يضمن الوزراء الموقرون عدم وجود مثل هذا الضغط وعدم تعريض الناس للمعاناة بسبب شهادتهم".

أقر جنود بإمكانية إطلاق النار على الرضع والنساء والعجزة من العرب لمجرد انتهاك حظر التجول، ولم ينكر المسؤولون الإسرائيليون القمع والإذلال اللذين مورسا بحق الفلسطينيين خلال الحكم العسكري بل زعموا أنهما كانا "عنصرين من عناصر التربية على المواطنة الصالحة"

العديد من الشهادات من قرية الجش في الجليل الأعلى المحتل، من عام 1950، ومخزنة في أرشيف ياد ياري، تفضح أيضاً الجرائم التي حاولت الحكومة العسكرية الإسرائيلية إخفاءها. روى أحد السكان المحليين كيف اقتحم الضباط الإسرائيليون منزله في منتصف الليل واقتادوه للاستجواب بتهمة شراء زوج من الأحذية المهربة. 


أضاف الرجل في شهادته، "في غضون ذلك، أُمرت بخلع حذائي وخلع غطاء رأسي. ثم أجبرت على الجلوس على الأرض ورفعوا ساقيّ على كرسي. في تلك اللحظة، اقترب مني جنديان وشرعا في ضربي على أخمص قدميّ بعصا خشبية مصنوعة من غصن خشن لشجرة تمر" ثم طُرد من مركز الاستجواب وهو غير قادر على المشي.


وروى مواطن عربي آخر أن قوات الأمن الإسرائيلي اقتحمت منزله وضربته بلا رحمة، وقال له مسؤول حكومي عسكري إنهم سيعدمونه بينما أُمر بركوب سيارة، وزوجته تشاهد ما يحدث وهي في حالة ذهول. بعد مسافة قصيرة، توقفت السيارة إلى جانب الطريق وضرب بمسدس على رأسه. بعد أن تعرض للضرب مرة أخرى وألقي به في حظيرة حيوانات.


وقال مواطن عربي ثالث إن الحاكم العسكري نعته بأنه "قمامة"، وضربه الجنود على يديه حتى نزفتا، مؤكداً أن الأمر نفسه تعرض له اثنان من رفاقه. أشار راز في مقاله إلى أن هذا كان "الروتين بالنسبة للكثيرين" من المواطنين العرب في إسرائيل آنذاك.


في نهاية مقاله، استنتج راز: "الواضح أن الدولة اتخذت خطوات لإخفاء المعلومات العامة عما حدث في نطاق الحكم العسكري"، مستشهداً بغضب رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي في شباط/ فبراير عام 1951، يغال يادين، من نشر تقرير عن طرد 13 عربياً من قراهم، معتبراً أن "التقارير من هذا النوع قد تكون ضارة بأمن الدولة، لذلك يجب إيجاد طريقة للرقابة لتأخير نشرها".


وشدد على أنه بينما "جرى تفكيك جهاز الحكم العسكري قبل سنوات، لكن روحه ما زالت حية في إسرائيل وخارجها"، مشيراً إلى التشابه الكبير في الأوضاع لا سيما أن "غالبية الجمهور الإسرائيلي تتعايش مع ارتكاب الأخطاء وتلتزم الصمت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard