خيوط "العشق" تغزل الطواقي والشيلان

الثلاثاء 25 يناير 202210:15 ص

حظت الطاقية ومعها الشال، وعلى اختلاف الزي في مصر من قبلي إلى بحري، ومن صحراوي إلى سواحلي، بسطوة اهتمام المحبين. دخلت في نسيج قصصهم، وقصائد الشعراء وأعراف الصوفيين.

تعد صناعة "الطواقي والشيلان" من الحرف التي يستخدم فيها صانعها يديه. تلك الملامسة التى تجعلها لفترات طويلة ملاصقة لجسده، عرق يديه وأنفاسه. يحوّل الخيوط إلى نسيج متكامل من طاقية أو شال، وهو يستمع لأغانٍ يحبها، سور قرآنية لمشايخه المفضلين، يصنعها وهو يرتشف أكواب الشاي أو يصمت مع قطعته.

تُصنع الطاقية الصوف، وهى الأشهر والأكثر تداولاً، من وبر الجمال الأحمر أو الوبر الأبيض للأغنام، يُستخدم في صناعتها أدوات بدائية، تبدأ بالقرداش لتنعيم الوبر. توضع على سطح خشب مغطى بالمسامير ليثبته وتمرر القطعة الخشبية الأخرى عليه مرارا لتنعيمه، حتي يسهل عمل المغزل لتحويل الوبر مع دورانه عليه لخيوط، وبإبر خاصة بصناعة الطاقية تُغزل الطاقية، وعلى قوالب ساخنة توضع لتأخذ هيئة الرأس، جاهزة لتغطي رأس فلاح عاشق أو مريد صوفي.

أما الشال فيُستخدم لصناعته النول وهي أداة متوارثة من الفراعنة ـ يجلس عليها النساج، يلف الخيوط بيديه، وبحركة قدميه من أسفل يضم الخيوط جنباً إلى جنب. يجلس على النول كعازف القانون، تخرج من حركة أصابعه النغمات لألحان، ومن الخيوط تخرج الشيلان مختلفة الألوان، ليشتريها آخر يلف بها جسده.

 تلك الحميمية التي تصنعها الحرف اليدوية فى الصنع والاستخدام، ألهمت الكثير من الشعراء قديماً بكتابة الأغاني والجدات، برواية الحكايات للصغار وفى جلسات السمر.

نالت الطاقية والشال حظ ما نالته "العيون" من بين ملامح الوجه في الغزل، لأسباب اجتماعية ربما، وجمالية على الأرجح. كما حظى "الحمام" من بين الطيور بشوق الأحبة ولوعتهم، إذ كان رسول الغرام، العارف به.

وكلاهما، الطاقية والشال، يُعدان من كماليات الزي، تلمس المحبوب وتحفظ رائحته، ولا يتعرى دونهما. يَسهُل إهداؤهما للحبيب علناً أو سراً، تصبح ذكرى لقصة قديمة أو شاهد قائم على عهود الأحبة.

"أنا عايز صبية يكون قُليبها عليّ

ترسم لي على الطاقية قلب ويمامة ودار

تمسح دمعة بكايا ورموشها تكون غطايا

وإن طال الليل معايا كلمتها تكون نهار

يبقالنا بيت صغير وقمر أخضر ينور

وولد دايماً يدور عن حاجة يهشها".

في غنوة الأبنودي هنا التى لحنها بليغ حمدي وغناها محرم فؤاد لسعاد حسني في فيلم "حسن ونعيمة"، وقد كانت مهنته "مغنّواتي" أودع المُحب أجمل أحلامه في طاقية من نسج حبيبته، ترسم أصابعها بالخيوط الملونة قلباً ويمامة وداراً، لتصحبه في مشواره وتحثّه على مواصلة الطريق، يرتدي حُلمه وهو يلف البلاد يغني ليكسب رزقه، ويعد بيتا يضمّه وحبيبته، تحط يمامة المحبة على شباكهما تحرس البيت.

اهتم أهل الطرق الصوفية بالطاقية والشال في أعرافهم كرموز ودلالة انتساب. الطاقية، وتسمى لديهم بالخرقة، تعني في اللغة قطعة من الثوب الممزق، وعند الصوفيين هي عتبة لدخول الطريق، يُلبسها الشيخ لمُريده ليأخذ منه العهد على سلوك الطريق تحت رعايته

الطاقية والشال في الصوفية

كما اهتم أهل الطرق الصوفية بالطاقية والشال في أعرافهم كرموز ودلالة انتساب. الطاقية، وتسمى لديهم بالخرقة، تعني في اللغة قطعة من الثوب الممزق، وعند الصوفيين هي عتبة لدخول الطريق، يُلبسها الشيخ لمُريده ليأخذ منه العهد على سلوك الطريق تحت رعايته، يتولى تربيته وتهذيبه وتقويم سلوكه، وتسمى بالخرقة دلالة الزهد واجتناب الزهو.

يقول السهرودي في كتاب عوارف المعارف: "لبس الخرقة ارتباط بين الشيخ والمريد، وتحكيم من المريد للشيخ في نفسه".

هذا وقد وذكرها بهذا المسمى "خرقة" صلاح عبد الصبور في مسرحيته "مأساة الحلاج".

"الحلاج وصديقه الشبلي يتحدثان، وقد ارتدى كل منهما خرقة الصوفية، شيخان في أواخر العمر.

يقول الشلبي: يا حلاج لا أدري للصوفي صديقاً إلا نجوى الليل، وبكاء الخوف من الدنيا وأناشيد الوجد المشبوب وآهات الذل وفتوح المحبوب بنور الوصل.

فإذا ثقُلت في جانبيه الوحدة، فليلزم أهل الخرقة، أبناء الفاقة ممن قنعوا باليأس عن الآمال، طرحوا الانكار ببحر التسليم، حجبوا عن أعينهم هم الرؤية، قرأوا ما لم تره العين".

نجد هنا عند الشعراء والصوفيين تُعد الطاقية دلالة لحفظ العهد، وربط لمصائر معاً، وتشجيعاً للسير على طريق المحبة.

لارتداء الطاقية عند الصوفيين مراسم، منها: تطهر ووضوء الشيخ، ثم يأمر المريد بذلك، ثم توضع الخرقة بين أيديهما، ثم يقرأ الشيخ سورة الفاتحة، ثم يقوم بإلباسها للمريد، ثم يبين له سند وصولها إليه، ثم يأخذ عهد الوفاء لشروطها، ثم يُعرفه حقوق الخدمة

على خط موازٍ تعاتب فايزة أحمد أمها، في غنوة من كلمات الأبنودي لحنها محمد سلطان، لمنعها من الوصال مع الحبيب واهداء طاقية غزلتها له لتصحبه مشوارهما في الحياة.

"مشواري هو، قدري هو... يا أماه ما تبعدناش

غزلاله يا أماه بإيدي الطاقية وإزاي يا أماه ما يلبسهاش"

ولارتداء الطاقية عند الصوفيين مراسم يوردها عبد الرازق القاشاني في لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام منها: تطهر ووضوء الشيخ، ثم يأمر المريد بذلك، ثم توضع الخرقة بين أيديهما، ثم يقرأ الشيخ سورة الفاتحة، ثم يقوم بإلباسها للمريد، ثم يبين له سند وصولها إليه، ثم يأخذ عهد الوفاء لشروطها، ثم يُعرفه حقوق الخدمة.

خضر العمائم

من أشهر أغاني أحمد التوني، شيخ المداحين، "خضر العمايم" في دلالة على مشايخ الصوفية الذين يلفّون الطاقية بعمامة حول الرأس خضراء.

"ناديت يا اللي تداوا الناس داوني هات دوايا من حبيبنا الزين وداوني

"خضر العمايم" وأنا نايم ندهوني أهل الكرم في الحرم ناديتهم جوني

قالوا نعدك معانا قولت عِدوني أشرط عليكم في بحر الحب عَدوني

لما لقيوني موافي الشرط ثبتوني فرطوا البوارق وحلفوا لم يفوتوني"

يتم التعاطي مع الطاقية عند الصوفيين بإجلال ومهابة، بينما نجد فى الغناء الشعبي كيف تُستخدم الطاقية للإغواء

ونجد هنا محاكاة فنية لطقوس تسلم الراية من الشيخ للمريد، وذكر لشروط سلوك الطريق. يردد التوني: صفات العشق تجريد عن الملكوتِ والمُلكِ/ شروط العشق أن تبقى مع المحبوب كالمِلكِ.

يتم التعاطي مع الطاقية عند الصوفيين بإجلال ومهابة، بينما نجد فى الغناء الشعبي كيف تُستخدم الطاقية للإغواء. وإن كان الغنج والدلال من طبائع النساء إذ يبدين إعجابهن بالدلال في الحكي والتمايل في الحركة، فإن الطاقية كانت خير معين للرجال. يقف ثابتاً بجسده، ويميل بها.

تُسجّل غنوة "عوج الطاقية الوله" لمرسي جميل عزيز التي غنتها عفاف راضي، بالكلمة والحركة المصاحبة للطاقية، إحدى محاولات طلب الود والوصال.

تبدأ مع:

"عوج الطاقية الوله وبص ليا وقال كلام في الهوا ورماه عليا"، ومع ازدياد الصد يتجرد "الوله" من زينته: "قلع الطاقية وحلف قال ايه ما بينامشي

وأنا ذنبي ايه يا جدع قال السبب رمشي"، ومع فشل محاولاته عاد ليرتدي الطاقية بانكسار ومكر: "لبس الطاقية ومشي على أقل من مهله، فاكرني هاستعطفه ولا راح اندهله".

وبعد ذهاب "الجدع" تتسأل عفاف راضي عن سر الغواية قديماً: "أبويا هو اللى ابتدى عوج الطاقية، ولا غواه الورد ده والضحكة ديّه، قوليلي يا أماه".

زينة وغواية

ولأن الطاقية لدى العامة من كماليات الزينة، نجد ارتداءها يكثر فى الأعياد والمناسبات الخاصة في القرى والمراكز البعيدة عن عواصم المحافظات، لذا كان ارتداؤها والعناية بها في غير أوقاتها عند العامة مثار للتعجب.

تتغامز هنا "نجاح سلام" وتغني:

"يا واد يا حتة سكرة يا أبو الطاقية مشجرة

عاوج الطاقية ورايح فين والجلابية مزهرة

عندك معاد بحر البلد ولا أنت بتشم الهوا

يا بخته بيك اللى انسعد وقلبه م الحب انكوى".

تتعدد أنواع الطواقى في مصر حسب الموقع الجغرافي، حتى في مسمياتها. يُقدم لنا أطلس الحرف اليدوية الذي صممه أسامة غزال،  أحد المهتمين بالتوثيق للتراث الجغرافي الثقافي المصري،  27 خريطة للحرف اليدوية وتوزيعها عبر مصر لعدد 27 محافظة.

يقول أسامة غزال فى مقدمة كتابه "أطلس الحرف اليدوية": "تتميز مصر بتنوع ثقافي تراثي كبير عبر مناطقها الجغرافية والثقافية المختلفة، وتُعتبر الحرف اليدوية أحد أهم روافد الاقتصاد الابداعي. حيث عرفت جميع المجتمعات بفنون الحرف اليدوية، فكل مجتمع تميز بحرف استمرت عبر أجياله،  فهي نتاج طبيعي لحاجة المجتمع لسد احتياجاته الحياتية والشعبية وقد تطورت مع الوقت لتمتزج مع الفن".

لذا نجد تنوع خامات ومسميات الطواقي والشيلان عبر محافظات مصر يواكبه تنوع فى التراث الغنائي.

تنتشر الطاقية الصوف فى الوجه القبلي والبحري وتلف العمامة عليها، تتعدد ألوانها لكن تظل سادة؛ كما تُصنع من الحرير للمناسبات الخاصة والأعياد لأصحاب الجاه من الأثرياء. ويسمى الشال في الوجه البحري باللاسة، وفي الوجه القبلي بالشال أو الملحفة إن كان من الصوف وذي حجم كبير، وباللاسة إن كان من الحرير أو الكشمير.

تردد نساء الصعيد من التراث الصعيدي الشجي: "آه يالاللي آه يالاللي على اللي أتغرب بعيد ولا قالي/ خد شاله الكشمير وطاقيته الحرير راح يغيب كتير".

 في غياب الأحبة مع أشيائهم الحميمة، التي تحمل رائحتهم، يتمنين لو تركوها لتخفف من لوعتهن متى اشتعل الحنين.

تعيد غناءها شريهان في فيلم "الطوق والأسورة"، قصة وإخراج خيري بشارة، سيناريو وحوار عبد الرحمن الأبنودي.

الفيلم عن قرية من قرى الصعيد "الكرنك" في الأقصر، وقد أعاد إحياء مجموعة من أغانيه التراثية.

كما أخذت بدرية السيد، أو كما ينادونها محبي الغناء الشعبي "بداره"، تغني من التراث البحراوي: "بحيري يا واد بحيري وآه م البحراوية/ وعايق في السديري واللاسة والطاقية".

ومن تراث الواحات تردد نساء القبيلة مجتمعات بينما يغزلن الطواقي لشباب ورجال الواحة: "يا منقرش الطواقي نقرشلي طاقية".

وفى المناطق الساحلية والصيد تسمى الطاقية "برنيطة"، وتُصنع من القماش الأبيض كما يرتدون الشيلان البيضاء.

ومن تراث السمسمية تتغنى فرقة الطنبورة: "والنبي يا غزال حوش طرف الشال يطرف عين/ ده حرير في حرير م النسمة يطير عيني يا عيني".

كما تتنوع الطواقي في أسوان، أشهرها الصوف متعددة الألوان التي يُقبل على شرائها السياح، تتماشى مع جمال ألوان البيوت في أسوان. ويتميز أهل النوبة بالطاقية الشبيكة البيضاء وتُلف عليها عمامة.

من الحكايات النوبية المتوارثة، أن أول ما تتعلمه الفتاة النوبية منذ صغرها صُنع طاقية من نسج يديها، حين تصير شابة يُمكنها صنع طاقية مميزة وإهداؤها لحبيبها.

يغني محمد منير من التراث النوبي: "يا أبو الطاقية الشبيكة يا مين عملهالك

عملهالي قاضي الغرام يا عمدة عقبالك".

وتُرتدى الطاقية الشبيكة البيضاء فى باقي محافظات مصر خاصة لصلاة العيد مع الجلباب.

في غنوة أخرى لمرسي جميل عزيز، راحت حورية حسن تتغزل بجمال الطاقية الشبيكة:

"يا أبو الطاقية الشبيكة مين شغلهالك

شغلت بيها البلد ولا انشغل بالك

"يا أبو الطاقية الشبيكة يا عزيز عيني

خدك حرق مهجتي ورمشك طرف عيني".

مراتب صوفية

كما تتعدد ألوان الشيلان والطواقي في عرف الصوفيين وفقاً للطرق المختلفة في الصوفية، ويفسر الوعي الشعبي تلك الاختلافات وفق شواهد بعينها.

الطريقة الرفاعية، نسبة للشيخ أحمد الرفاعي، اشتهرت باللون الأسود، حيثُ يُشاع أن للنبي محمد ثوبين، أبيض وأسود اللون. وقد وقع اختيارهم على اللون الأسود.

والطريقة الأحمدية، نسبة للشيخ أحمد البدوي، اختصت باللون الأحمر، حيثُ يقال إن النبي كان يرتدى الثوب الأحمر في الأعياد والمناسبات.

واللون الأشهر لدى الطرق الصوفية هو اللون الأخضر، ولا يقتصر على طريقة بعينها، وتتعدد الأسباب لذلك منها أن قبة الحرم النبوي خضراء، والبردة التي تغطى بها الأمام علي ليفدي النبي ليلة الهجرة خضراء، أو لأنه يُشاع أن ثياب أهل الجنة خضراء، استشهادا بالآية: "عليهم ثيابٌ سندسٌ خضر واستبرق".

فى مسرحية صلاح عبد الصبور يقول على لسان الحلاج: "أصحابي أكثر من أن تحصيهم يا إبراهيم. أصحابي آيات القرآن وأحرفه، كلمات المحزون المهجور على جبل الزيتون، أحياء الأموات، الشهداء الموعودون، فرسان الخيل البلق ذوو الأثواب الخضراء".

كما توجد الكثير من الطرق الصوفية لا ترتبط بلون محدد.

ولا يجد الشعراء في الشيلان دلالة وصال كما الطاقية فقط، بل أداة فعلية لذلك أصبغوا عليه الكثير من الشاعرية والإيحاءات.

من أشهر مقاطع "الليلة الكبيرة" رائعة صلاح جاهين:

"طار في الهوا شاشي وأنت متدراشي يا جدع/ طرفه شاورلي شاورلي عليك  حُكم الهوى ماشي".

تجعل الحبيبة من شاشها (شالها) حكيم الهوى ورسوله، يتطاير ليدل الحبيب على محبوبه، وتصل أطرافه بينهما.

وفي أغنية لمرسي جميل عزيز تغنيها نجاة الصغيرة، نجد للشال فوائد أخرى يسردها بمواربة وخفة شاعرنا: "حبيبي لما لقاني مريت قباله/ شال طرف شالي وسقاني وبطرف شاله

طرفلي عيني يا عيني بس بهداوة/ أما براوة براوة على الهداوة".

ومن تراث السمسمية: "حوش طرف الشال يُشبك فيّا. أنا دوبت خلاص مبقاش فيّا/ ولا كان ع البال ولا ع النية .. بيعلق قلبي بطرف الشال".

يبدو الشال هنا صنارة  في عرف السواحلية يلقي بها الحبيب ليصطاد محبوبه.

تاريخ متشابك بين صناعة الطواقي والشيلان مع الأغاني رصدناه هنا، إذ تُصنف صناعتها فنا بحد ذاته. كما لاحظنا كيف أن أدوات صناعة الطواقي والشيلان وميكانزيم الحركة عليها أشبه بالآلات الموسيقية. يعيد الفن هنا إنتاج ذاته بصور متعددة ومتداخلة، كالروايات التي تتحول أفلاماً، والموسيقى إلى لوحات فنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard