ارتحالات صوفيّة

الأحد 6 ديسمبر 202003:50 م

قبل فترة قدّمت محاضرة عن جلال الدين الروميّ في الجامعة الأميركيّة ببيروت، تناولت فيها حضور الروميّ في الثقافة العربيّة، لقيت المحاضرة اهتمام عدد من المحبّين للتصوّف، وكانت حافزًا لي فيما بعد أن أعمل على تطوير بعض ما كتبته في هذا المجال، وقد أحسن الله إليّ بأن هداني إلى مواطن الضعف وألهمني العزم على إصلاح ما مرّ. أخذ الإصلاحُ وقتًا طويلًا لكنّه جعلني أعيد قراءة ما كتبته وأداوم البحث في حدائق الصوفيّة، ولأنّ جزءًا من هذه الرحلة تجسّدت في بعض ما سطرته هنا، أحببت أن أشارك القارئ رحلة البدايات.

بدايات الرحلة

سأل الراحل حامد طاهر أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلّية دار العلوم طلّابه في الدراسات العليا عن أيّ المجالات التي يحبّون أن يتابعوا دراساتهم وأبحاثهم فيها؟ كانت الإجابات تنصرف إلى فرعين من فروع الفلسفة الإسلاميّة فحسب، التصوّف ومقارنة الأديان! رغم أنّ تكوين الطلّاب العلميّ لم يكن يؤهّلهم إلى الكتابة في هذين المجالين، فضلًا عن تعرّفهم على باقي الفروع المعرفيّة التي تتقاطع مع هذين المجالين، من أحاديث علم الكلام والكتابات المنطقيّة وعلم الأخلاق. كان الطموح هو الحصول على درجة علميّة ترفع الطالب في مكانة اجتماعيّة أرقى!

هكذا كانت غاية الكثيرين وهكذا وُجّه الكثيرون نحو هذه الوجهة، حتّى أنّ أحدهم كان يشترط في علاقاته الاجتماعيّة أن تكون أو يكون الشريك حاصلًا على درجة علميّة حتّى يستوعب ظرفه العلميّ ويتفهّم طموحه! بُنيت كثيرٌ من الأمور على أساس غير واضح المعالم، ويصعب على من لم يعش في هذا الجوّ أن يتفهّمه، فكلّ شيء مختلط، وهذه الخلطة عند البعض لن تؤدّي إلى بحث أو معرفة مفيدة.

ولع المطالعة

كان هدفي واضحًا منذ البداية، فقد رسمت الصليب أكثر من مرّة على الورق، وكنت كلّما طلب مني أستاذي في الثانوية الأزهريّة أن أكتب الدرس على السبورة أختم الكتابة برسم الصليب من باب الفكاهة، لعلّ تلك الإشارة ستلازمني فيما بعد، فأبحث عن معنى الصليب في قاموس الكتاب المقدّس، والصليب في القرآن، والصليب في الحديث، والصليب في الأدب، ويصادفني كتاب الأب حبيب زيّات عن الصليب في طبعته الكاثوليكيّة العتيقة في مكتبة كلّية الآداب في جامعة القاهرة، فأطالعه بدهشة، وأحاول تتبّع ما قاله عن هذا الرمز المسيحيّ المهمّ، ولا ألتفت إلى ما يُقال عن المسيحيّة وشبهات النصارى التي كانت مادة من مواد الدراسة الجامعيّة المحبّبة!

"مقارنة الأديان"...كلمة جاذبة لشابّ صغير يريد أن ينضج سريعًا فيقيم العلائق بين عقيدته والأديان الأخرى ليحاول إثبات أنّ ما لديه حقًّا وأنّ ما لدى الغير باطل

كان أستاذ الفلسفة يضم إلى جوار لقبه كأستاذ للفلسفة كلمة "مقارنة الأديان" كوصف لتخصّصه العلميّ. كانت تلك الكلمة جاذبة لشابّ صغير يريد أن ينضج سريعًا فيقيم العلائق بين عقيدته والأديان الأخرى، أو يحاول إثبات أنّ ما لديه حقًّا وأنّ ما لدى الغير باطل. سيصبح لدى الشاب وغيره من صغار الطلّاب حلمًا أن يهدي الله الناس جميعًا إلى الإسلام وإن لم يعرف هو وأقرانه معنى الإسلام ولم يفهم ما تعنيه الكلمة حقًّا.

سأل الطالب بنهم العاشق أستاذه المتحدّث عن دار شيكوه وريموند لل، ماذا أقرأ حتى أعرف أكثر عن هذا الحقل الثريّ؟ كان من حسن حظّ السائل أنّ أستاذه لم يحله على مدرسة معيّنة أو تيار فرض سلطته على المعارف، فأجابه أن اقرأ ما تستطيع أن تقرأ وتدّبره جيّدًا! هكذا دون عناوين أو مراجع ولج الطالب بهو المكتبة العتيقة في كلّية الآداب بجامعة القاهرة، أو صعد إلى سطحها والتقي بأصناف شتّى من الطلاب، أحدهم يتحدّث مع أستاذه بأريحية، بلا رهبة ولا حرج ولا خوف زائف! ويتقبّل الأستاذه كلام طالبه ويناقشه بهدوء وتؤدة!

يخبرك أحدُ الطلّاب أنّه طالع عدّة أجزاء من دائرة المعارف الإسلاميّة في الأصل الإنجليزي، فتنزوي على نفسك قليلًا، هذا يقرأ ويفهم! وأنت لا تزال تتحسس خطواتك لتعرف كيفية استعارة كتاب في قاعة المكتبة الداخلية! كان العام 1998 عام انبهار بالمكتبة وشكل الكتب القديمة، وفي العام التالي لم أعد أدقّق النظر في إهداءات الكتب، فلو أنّ ذلك الكتاب عن التربية الاستقلاليّة أهداه مترجمه إلى الإمام محمّد عبده أو كان الكتاب الذي أطالعه قد أُهدي إلى طه حسين كنت أكتفي بالابتسام وأنا أقرأ، وأنشط للمطالعة أكثر.

علم التصوّف والداعية السلفيّ

لا أذكر الكثير من فوائد المطالعة في تلك الفترة، لكنني أذكر جيّدًا أنّ أوّل ما طالعته من أدبيات التصوّف أشعار حافظ الشيرازيّ، وإن اعتبر البعض حافظًا بعيدًا عن درب التصوف، وقد كان من حسن الحظّ أنّ كتاب رابعة العدويّة شهيدة العشق الإلهي للراحل المتفرّد عبد الرحمن بدوي متوفّرًا في قاعة المطالعة إلى جوار كتابات نيكلسون وتلميذه المخلص أبي العلا عفيفي. هنا كتاب مترجم تجذبك تحليلات كاتبه وإلى جواره كتاب مؤلَّف تشعرك حرارة لغته أنّ مؤلفه على صلة وثيقة بهذا العلم "علم التصوّف".

ويفاجئك غياب أستاذ التصوف في ختام الدراسة الجامعية وحضور تلميذه "الداعية السلفيّ" الذي تهكّم وتندّر على الصوفيّة وذكر من حكاياتهم ما يُرغّب الطلاب عن متابعة ما لديهم. كان المعيد الذي أنابه أستاذه لتعليم طلاب الفرقة الرابعة مؤثّرًا في الطلاب كونه يتقن أسلوب الوعظ والخطابة ويعرف كيف يقنع الباحثين عن معلومات قشريّة كيف أنّ الصوفية كانوا سببًا في انهيار الحضارة الإسلامية!

 لم أقنع كثيرًا بما قاله الأستاذ السلفيّ المخلص لدعوته، ورحت أقرأ لمن كانت مؤلّفاتهم مشكّلة للعقل العربي في تلك الفترة، ولا تزال كتاباتهم تتصدّر قائمة المراجع في الكتابات العربية المعاصرة عن التصوف.

لم أقنع كثيرًا بما قاله الأستاذ السلفيّ المخلص لدعوته، ورحت أقرأ لمن كانت مؤلّفاتهم مشكّلة للعقل العربي في تلك الفترة، ولا تزال كتاباتهم تتصدّر قائمة المراجع في الكتابات العربية المعاصرة عن التصوف

 الخليفة والمريد

مرّت أعوام قليلة، وفي عام 2003 سجّلت موضوع الماستر عن أدب الجدل والدفاع في القرن الثاني الهجري، تملّكني الإعجاب وأنا أقرأ كتابات المعتزلة في هذا الفن، وكنت كلما بحثت عن فكرة من الفِكر في المراجع ووجدت شيئًا جديدًا فرحت كطفل يريد أن يمتلك الكثير من اللُعَب، ومن هنا انخرطت في بحث طال لستة أعوام تعرّفت فيه على صنوف شتّى من المعارف جعلتني أخالط العديد من الباحثين في الجامعة الأميركيّة بالقاهرة، وأعمل معهم حتّى أصبحت المطالعة جزءًا من عملي وحياتي.

لم أحسن كتابة سطر أو فقرة تضيف جديدًا حتى ذلك الوقت، وإن كان طموحي في تلك الفترة أن أكتب الكثير من الكتب! هكذا سأصبح كاتبًا معروفًا في الوسط الثقافي العربي! كنت -كما كان أقراني- عجولًا متسرّعًا، أبحث عن النتائج قبل أن أُحكِم البناء، لذا كان من الطبيعي أن يكون إنتاج تلك الفترة من كتابات مجرّد نقرات سريعة لا تقترب من الهايكو في الشبه، ولا ترتفع إلى طبقة السرد الحرّ، حتى أعادني القدر إلى التصوف من جديد.

كانت بداية هذه الألفية المتسارعة أحداثها نذير شؤم لكثير من البلدان، غادر جمعٌ غفير من أهل العراق بغدادَ السلام، وكان وسط هؤلاء النازحين مَنْ حمل إناءً من شراب الصوفيّة العتيق، ملؤه الطاعة والإخلاص والسعي والعمل.كان عليٌّ وصاحبه في الطريقة "مصطفى" أنموذجًا للصوفيّ الذي طالعت بعض صفاته في كتب التراث، ما بخل أحدهما ببذل نفسه وماله ووقته من أجل نشر طريقته في مصر. كانت صلاتهما كما يصلّي الشيخ، تسابيحهم وذِكرهم الدائم لا يمكن أن يفارقا فيه شيخهما، فإذا ذكر أحدهم ربط قلبه بقلب شيخ، يستمدّ منه ويصل عبره إلى ربّه، لا يبحث عن وسيلة أو حيلة حتى يحجّ بيت الله الحرام، فقد تنسّك وحجّ بدخوله الطريقة وما عاد يطلب المزيد، بل يفعل ما كُتب له أن يفعل، لا ما يريد.

كنت أقرأ مواد موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، وكنت كلّما واصلت القراءة في حضرة هذين الصوفيّين أرى أثر الخشوع بادٍ عليهما! كأنني أتلو القرآن! فالموسوعة من تأليف شيخهما، وقد أراد الشيخ من تأليفها أن يقرّب المحبين من عالَم التصوف فألّف هذا العمل "المدخليّ"، هكذا فهمت عند مطالعتي لها.

حرص الخليفة والمريد أن أنخرط في الطريقة وأحمل عهدها، ورغم ترديدي لصيغة البيعة من باب المحبّة والمعرفة إلّا أنني لم أجد نفسي منسجمة مع قالب المريد، وفضّلت أجنحة الباحث التي تحملني إلى العديد من الطرق وتفتح الباب لي على ما لا ينتهي ولا يتوقف نبعه، وهكذا كان رأي الشيخ حينما التقيته في ساحة المشهد الحسينيّ وقت زيارته لمصر، أنت محبّ للتصوّف والبحث فيه، دعوه كما يحبّ ونحن نحبّ ما يفعل.

lمحمد...سراجٌ من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السراج وساد، قمرٌ تجلّى من بين الأقمار، برجه في فلك الأسرار، سمّاه الحق أمّيًّا لجمع همته، وحرميًّا لعظم نعمته ومكّيًّا  لتمكينه عند قربه، شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره

مع الحلّاج

كنت في تلك الفترة أطالع ما كتبه حلّاج الأسرار، وأعيد قراءته مرّة تلو الأخرى، مرّة أبكي وأخشع من هول تلك التجربة التي حيّرت الدارسين وشغلت الناس حتى يومنا هذا، ومرّة أبتسم من شجاعة ذلك الرجل وأدهش من أين أتى بهذا اليقين؟! وكيف سعى إلى حتفه وقدّم نفسه قربانًا عن كلّ من حوله، يستوي عنده المحبّين والشانئين؟! كيف نطق بهذه الأشعار؟ وكيف فسّر القرآن؟ وكيف رسم تلك الصورة التي رسمها للنبيّ في طاسين الأنوار؟ كانت تلك الشخصية مفتاح دخولي إلى هذا العالم الرحب! الحلّاج ممثّلا لتجربة الرجل الصوفيّ ورابعة هي التي تلخّصت فيها ملامح المرأة الصوفيّة.

سراجٌ من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السراج وساد، قمرٌ تجلّى من بين الأقمار، برجه في فلك الأسرار، سمّاه الحق أمّيًّا لجمع همته، وحرميًّا لعظم نعمته ومكّيًّا  لتمكينه عند قربه، شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره. نطق الحلاج بهذا الكلمات في طاسين السراج فتعرّف القارئ على صورة مختلفة للنبيّ محمّد، صورة مغايرة لباقي الصور المرسومة له في مدوّنات التراث الإسلاميّ، كان عليه أن يبحث عن معنى النور في القرآن الكريم ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[المائدة:15]

فيقرأ ما كتبه الغزاليّ عن الأنوار، وينقله البحث من فكرة إلى أخرى، فمن هو الغزاليّ؟ وما هي سيرته؟ وهل تفرّد الغزالي في التراث الصوفيّ بكتابته لسيرته الروحيّة؟ أم أنّ هناك آخرين من القوم الصوفيّة أخبروا عما عاينوا وشاهدوا وعرّفوا ببدء حالهم وكيفية ترحالهم؟! ماذا قدّم الغزالي في مختاراته التفسيرية لآيات الكتاب العزيز؟ لماذا كتب جواهر القرآن؟ لماذا دوّن موسوعته الصوفيّة إحياء علوم الدين؟ لماذا لم يكتف بالموسوعات السابقة عليه من أمثال قوت القلوب لأبي طالب المكّيّ؟ سيصبح التعرّف على الغزالي الصوفيّ أمرًا ليس باليسير، سيحتاج إلى وقت طويل حتى تستطيع أن تقول الآن أدركت عالم الغزاليّ، وسينصح الأساتذة المتخصصون في درس التصوّف طلّابهم بالابتعاد عن البحث في شأن مشاهير العلماء!

تقييم الصوفيّة العقائديّ والدينيّ

لم أستمع لنصح الأساتذة المتخصصون في درس التصوّف بالابتعاد عن البحث في شأن مشاهير العلماء! وهي نصيحة لا أفهمها حتّى هذه اللحظة. لماذا علينا أن نبتعد في بحوثنا المشرقيّة عن مناقشة سير أعلام الصوفيّة الأوائل كالحارث المحاسبيّ والنوريّ والجنيد والغزاليّ؟ لماذا لم يتناول أحدهم كثيرًا من المسائل المتعلّقة بهؤلاء الأعلام الكبار؟ لماذا لا نجد بحثًا مشرقيًّا عن كتاب الإحياء وثورات الصوفية السابقين؟

لماذا عندما نطالع تعليقات المتخصصين على مرويّات الصوفيّة لواقعاتهم ومشاهداتهم نجد أنّها تذهب لتقييمهم أخلاقيًّا وعقائديًّا، فهذا لم يراع حدود الله، والآخر كان ذا نزعة سادية أرهق جسده واستعذب الألم وأرهق الآخرين بما لا طائل من ورائه! إن قسطًا وفيرًا من هذه الأحكام مجرد صورة أسيرة للعقائد والعادات، لم يحاول أصحابها أن يتفكّروا قليلا في تجارب المتصوّفة، أو يقرأوها بعين المسكتشف.. تلازمنا أحكامنا أينما نسير، وتتحكّم عاداتنا ومعارفنا في رؤيتنا لتجارب الآخرين. وهنا بدأت أخطو خطواتي الأولى نحو الطريق، وأرجو توفيق ربّي في هذا المسير.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard