الكويتيون والأزمات النفسية... بين الخجل من العلاج وغلاء الأسعار

الأربعاء 19 يناير 202211:10 ص
Read in English:

Stigma and overpriced treatment corner Kuwaitis seeking psychological help


مرّ ما يقارب العامين، وقريباً سندخل في العام الثالث على دخول فايروس كورونا إلى حياتنا، معيداً منهجتها كما يشاء، هو لا نحن، على إيقاع حظر جزئي أحياناً وكلي أحياناً أخرى. صرنا وكأننا فئران تجارب في يد الحكومات التي كانت أغلبيتها تجهل كيف تتعامل معه، ففرضت أنواعاً كثيرة من الإجراءات الاحترازية، فانتقلنا من العيش في عالم فسيح إلى الحبس في بيوتنا، لا نعلم مصيرنا، ولا نفقه متى سنخرج من هذه الدوّامة.

كان لهذا التحوّل الكبير أثره النفسي الكبير في نفوسنا، وتفاقمت حالات الاكتئاب، والوسواس القهري، وغيرها من الأعراض النفسية التي عجزنا عن التعامل معها.

تابو زيارة الطبيب النفسي

حتى الآن، ما زالت زيارة الطبيب النفسي واحدة من أكبر التابوهات في العالم العربي، فما بالك بالخليجي الذي لم يخرج من شرنقة العادات والتقاليد ومعتقدات تصعّب من زيارة الطبيب النفسي؟

سارة سيدة كويتية في العقد الرابع من عمرها، تعاني من حالات هلع منذ ما قبل الكورونا، وحين نفدت الحلول، كان الخيار الأخير أمامها زيارة طبيب نفسي، ولكنها لم تستمر في رحلة العلاح بسبب ارتفاع أسعار الاستشارات النفسية.

ففي الكويت، تبدأ الاستشارة بـ100 دينار كويتي (330 دولاراً أمريكياً) للساعة وتصل إلى 200 دينار (660 دولاراً) وأكثر في حالات أخرى.

هذا بحد ذاته عامل كفيل بأن يجعل المحتاجين لطبيب نفسي يتخلون عن الفكرة. ولكن يُضاف إليه عامل آخر هو الخجل المجتمعي من هذه الخطوة، ما يجعل العديدين يخوضون حروبهم الخاصة بدون مختص بإمكانه أن يسهل المسألة.

لم يبقَ هذا الأمر بلا تبعات، فقد أدى إلى انتشار العنف لا سيما في بدايات أيام الحظر الكلي أو الجزئي، فصار أخباراً شبه يومية، منها حادثة زوجة قتلت زوجها وهشمت رأسه، بالإضافة إلى حوادث عنف بين الشباب أدت إلى الموت في حالات كثيرة. وما زالت حوادث العنف مستمرة وإنْ بشكل أقل نسبياً.

وطال ضرر كبير الأطفال، إذ عاش واحد من كل سبعة أطفال في العالم في ظل سياسات حكومية فرضت عليهم ملازمة المنازل أو أوصت بذلك، ما "عرّض صحتهم العقلية وعافيتهم للخطر"، حسب ما أفادت به منظمة اليونيسف، و"بات أطفال عديدون يشعرون بالخوف والوحدة والقلق والانشغال بشأن مستقبلهم"، كما أوضحت المديرة التنفيذية لليونيسف هنرييتا فور، وهو أثر سيستمر لسنوات.

أطفال كثيرون لم يعرفوا من طفولتهم سوى ملازمة المنزل، دون أن يكون هناك وعي كافٍ بمدى الأزمة النفسية التي تسببت بها الكورونا، ومن دون إيلاء اهتمام كبير بالصحة النفسية.

ولم يكن توالي التصريحات العنصرية وحوادث العنف، والقتل سوى دليل صريح على الأزمات الاجتماعية الخطيرة التي تسبب بها كورونا.

زيادة الخوف والتوتر...

خلال جائحة كورونا انتابت الكاتبة أمل الحارثي نوبات قلق، تروي لرصيف22، وشعرت بأعراض شبيهة بأعراض كورونا، فاستعانت بمعالجة وتلقّت علاجاً سلوكياً، بدون عقاقير، ولكن المشكلة استمرت إلى أن أخذت لقاح الكورونا، وبدأت نفسيتها بالتحسن "وكأن تأثير اللقاح نفسي وليس جسدياً فقط"، حسب ما قالت، مشيرة إلى أهمية أن يعي الشخص أن الحالات النفسية أمر طبيعي وقد يمرّ به أي شخص بشرط أن يدركه ويعالجه.

"حتى الآن، ما زالت زيارة الطبيب النفسي واحدة من أكبر التابوهات في العالم العربي، فما بالك بالخليجي الذي لم يخرج من شرنقة العادات والتقاليد ومعتقدات تصعّب من زيارة الطبيب النفسي؟"

من جهتها قالت لمى (اسم مستعار)، وهي دكتورة جامعية، أنها أصيبت بالاكتئاب في منتصف الجائحة. تروي لرصيف22 أنها في البداية كانت سعيدة بتعلّم مهارات جديدة كالطبخ والاستمتاع بالوقت مع العائلة، ولكن بعد حين، عندما شعرت بأنها حُرمت من الأشياء التي تحبها كالعمل والسفر، بدأت تراودها أفكار سوداوية، مثل جهل المصير، وتؤثر سلباً على حالتها النفسية.

لجأت لمى إلى مدربة حياة. "ساعدني ذلك كثيراً في تغيير طريقة تفكيري، واستثمرت الوقت بالكتابة وهو الأمر الذي ساعدني على تخطي الاكتئاب الذي استمر على مدار عام".

بدوره، عاش سعد إبراهيم، وهو مدرس كويتي في المرحلة المتوسطة، في منتصف الثلاثينات من عمره وأب لثلاثة ابناء، تجربة شبيهة.

بدأت صحته النفسية بالتدهور مع بداية أيام الحجر، وزادت مع وفاة والده. "كوني رجل كان عليّ أن أتحمل مسؤولية الأسرة دون إظهار ضعفي، مما زاد حجم الألم لديّ، وبقيت في هذه الدائرة على مدار شهور، عانيت فيها من نوبات غضب غير مبررة، إلى أن وجدت إعلاناً لجهة تقدّم استشارات نفسية على الإنترنت بأسعار معقولة، وبالفعل هذه التجربة غيّرتني للأفضل، فبعد التزامي بالجلسات على مدى عام تحسن كثيراً وضعي النفسي"، يقول لرصيف22.

تشير المختصة في العلاج التحويلي السريع بسمة السعد إلى أنه "خلال جائحة كورونا، زادت مشاكل الصحة النفسية، وأبرزها الاكتئاب والوسواس القهري، إذ أدّت الظروف غير المسبوقة إلى ارتفاع مستويات الخوف والتوتر في المجتمع الكويتي والعالم".

وتضيف لرصيف22: "كبشر لدينا احتياجات عاطفية ومنها التواصل مع الآخرين والشعور بالأمان، وفي ظل الحجر والالتزام بإجراءاته شعر الناس بالوحدة وزاد الشعور بالخوف من هذا الوباء".

وبيّنت أن "الأطفال أيضاً عانوا خلال جائحة الكورونا بسبب غياب روتين المدرسة واستبدالها بالدراسة عن بعد، بالإضافة إلى العزلة التي تسببت بارتفاع إدمانهم على الألعاب الإلكترونية والقلق، ونتائج خطيرة لدى البعض قد تمتد إلى إيذاء النفس".

خروج البعض عن صمتهم ومشاركتهم قصص اضطرابات نفسية عانوا منها وواجهوها، لا سيما بعض المشاهير مثل الشيخة ماجدة الصباح والمذيع الكويتي هاشم أسد، ساهم، ولو قليلاً، في نشر الوعي وكسر أي حاجز يحول دون العلاج النفسي في الكويت

وأدت زيادة إقبال الكويتيين على العلاج النفسي أثناء الجائحة إلى ارتفاع الأسعار لا سيما وأن سعر الجلسة يتحدد حسب نوع العلاج والتقنيات المستخدمة في العلاج النفسي، كما أوضحت السعد.

لكنها في الوقت عينه، تعتبر أن العلاج النفسي "يُعتبر استثماراً لحياة الشخص". وبرأيها، "الأهم من كل هذا أن يكون الشخص مستعداً ليبدأ بالتغيير، وهذا الأمر يتطلب شجاعة والتزاماً، والسعر المرتفع يزيد من الالتزام والمسؤولية عن الفرد".

وتحذّر السعد من أن إهمال العلاج يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية، "إذ أن قمع الأفكار والمشاكل النفسية الدفينة يؤدي للجوء إلى الإدمان لتخفيف وتخدير الألم المشاعري وتسكينه، من خلال شرب الكحوليات أو العقاقير أو الأكل الزائد أو حتى التسوق، وهنا تتعقد المشكلة أكثر وتصير السيطرة عليها أصعب، لأن الجسد يتضرر من هذه السلوكيات غير الصحية، ويتزايد منسوب التوتر والقلق على الجسد وجهازه المناعي".

رغم وعي الكثيرين بأهمية العلاج النفسي، إلا أن الخجل المجتمعي من تلقيه ما زال يطغى على عدد كبير من الناس.

لكن خروج البعض عن صمتهم ومشاركتهم قصص اضطرابات نفسية عانوا منها لا سيما بعض المشاهير، مثل الشيخة ماجدة الصباح، وهي رائدة في عالم التجميل أعلنت عام 2018 عن إصابتها باكتئاب حاد، وخاضت معركتها بشجاعة، وأسست مبادرة ASAP، وهي حملة لزيادة الوعي بالصحة العقلية والاستثمار في المبادرات ذات الصلة، وكذلك المذيع الكويتي هاشم أسد الذي ظهر في لقاء مع القبس الإلكترونية في كانون الأول/ ديسمبر 2021 ليتحدث عن قصته مع المرض النفسي، ساهم، ولو قليلاً، في نشر الوعي وكسر أي حاجز يحول دون العلاج والاعتراف بوجود أي نوع من أنواع الاضطرابات.

ينصح سعد إبراهيم أي شخص يشعر بخجل من زياره طبيب أو معالج نفسي بأن يلجأ إلى استشارات أونلاين لأنها ترفع الحرج المجتمعي، "و تجعلك أكثر راحة بالفضفضة لمَن لا يعرفك، الأمر الذي يجعلك صريحاً إلى أبعد حد"، مشيراً إلى أنه حين ينتكس بين الفينة والأخرى يحجز موعداً أونلاين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard