ماذا سيحدث لو عاملنا الآلام النفسية كما الآلام الجسدية؟

الخميس 17 أكتوبر 201903:34 م

تخيّل أن تكون مستلقياً في سريرك وأنت منهك للغاية، مع آلام شديدة في البطن، ودرجات حرارة مرتفعة، وهذا هو حالك منذ أكثر من يومين.

ما الذي ستحتاجه في تلك اللحظات؟ على الأغلب علاجاً ناجعاً يخفف آلامك، واهتماماً من أهلك وأصدقائك والمقربين إليك، أي وصفة متكاملة للجسد والنفس. بعدها ستكون قادراً على متابعة حياتك كالمعتاد، وستغدو تلك الوعكة الصحية مجرد حادث طارئ من الماضي.

لنتخيّل الأمر الآن بشكل مغاير. أنت في نفس الحالة من الاعتلال، مع ردود أفعال مختلفة من محيطك. "نعلم بأنك مريض، لكن عليك أن تبذل بعض الجهد لتتحسّن". "هل حاولت ألا تصاب بهذا المرض؟". "أعتقد بأنك تستطيع التغلب على هذه الأعراض إن غيّرت طريقة تفكيرك". "لا أظن بأن ما تفعله مفيد لك. عليك أن تجرّب طريقة أخرى غير الاستلقاء في السرير". "أتعلم بأن هناك عشرات الأشخاص ممن يعانون أكثر منك بكثير؟ انهض وكفاك دلالاً".

قد تبدو هذه العبارات محبطة وغير واقعية، فما من أحد يستخدمها مع المرضى حوله، لكننا فعلياً، وبشكل غير واعٍ في كثير من الأحيان، نقولها لمن يعانون من الآلام نفسية، والتي لم نعتد التعامل معها بشكل جدي على أنها مرض يستحق العلاج أو مراجعة طبيب أو أخصائي نفسي، وإنما أمر عارض يمكن التخلص منه بسهولة ودون أدنى جهد.

الآلام العقلية والنفسية تحتاج  إلى عناية صحيّة أيضاً

يشير مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأمريكية Centers for Disease Control and Prevention إلى أن أكثر من نصف الأشخاص في العالم لا بد وأن يُشخّصوا باعتلال عقلي مرة واحدة في حياتهم، لأسباب بيولوجية أو خارجية تتعلق بالمحيط وطريقة الحياة والتجارب الشخصية، وهي أمراض واضطرابات قد تؤدي في نهاية المطاف للتأثير على قدرة الإنسان على الحياة بشكل طبيعي. يمكن أن نذكر منها الاكتئاب والقلق والاضطراب.

أكثر من نصف الأشخاص البالغين لا يتعاملون مع الآلام النفسية بشكل جدي، وذلك لاعتقاد (خاطئ) سائد بأن الألم النفسي أمر قابل للتحكم به والسيطرة عليه بأفعال بسيطة كالتنزه أو القراءة أو مشاهدة التلفاز، أو السفر، على عكس المرض الجسدي الذي يحتاج علاجاً فورياً ويمكن له أن يكون معدياً

"لماذا يُكتب على علب السجائر تحذير بأضرارها على الصحة، ولا نتلقى تحذيرات مشابهة عن خطورة الشعور بالوحدة؟" ماذا سيحدث لو عاملنا الآلام النفسية كما الآلام الجسدية؟

المركز ذاته يتحدث في تقرير نشره عام 2012 عما يزيد من وطأة تلك الحالات، فأكثر من نصف الأشخاص البالغين لا يتعاملون مع الآلام النفسية بشكل جدي، ولا يظهرون أي تعاطف مع من يختبرها. قد يعود ذلك لاعتقاد سائد بأن الألم النفسي أمر قابل للتحكم به والسيطرة عليه بأفعال بسيطة كالتنزه أو القراءة أو مشاهدة التلفاز، أو في أحسن الأحوال السفر لقضاء إجازة في مكان بعيد، على عكس المرض الجسدي الذي يحتاج علاجاً فورياً ويمكن له أن يكون معدياً، وكثيراً ما ننظر لمن يعانون من أي اضطراب نفسي على أنهم مزعجون، وثانويون، وأشخاص يحاولون لفت أنظار من حولهم.

اعتقاد خاطئ كما يقول الطبيب النفسي غاي وينتش في حلقة من سلسلة TED، فبرأيه تؤدي بعض الحالات النفسية السيئة، مثل الوحدة والفشل والرفض من الآخرين، وفي حال إهمال التعامل معها أو الاستخفاف بها من الآخرين، لندوب عميقة لا تقلّ خطورة عن أي مرض جسدي يمكن أنْ نُصاب به.


الوحدة المزمنة على سبيل المثال تزيد من حالات الوفاة بنسبة 14%، حيث ترفع من ضغط الدم ومعدل الكولسترول وتحبط أداء الجهاز المناعي، ولا تقل خطورتها عن الآثار السلبية للتدخين. "لماذا إذاً يُكتب على علب السجائر تحذير بأضرارها على الصحة، ولا نتلقى تحذيرات مشابهة عن خطورة الشعور بالوحدة؟"، يتساءل الطبيب وينتش في حديثه. انفصام الشخصية بدوره يضاعف بمقدار ثلاث مرات من معدل الوفيات لدى المصابين به، ومن أسباب ذلك عدم الاهتمام به وبأعراضه بالشكل الكافي.

الاهتمام بصحتنا العاطفية

لكي نخفف من آثار الاعتلال والآلام النفسية ونتعامل معها بالشكل الملائم، علينا أولاً الاهتمام بصحتنا العقلية، والتي تتضمن الصحة النفسية والعاطفية والاجتماعية.

"الصحة العاطفية Emotional Hygiene" كما يقول الطبيب وينتش هي ما علينا البدء به: "نحن نهتم بصحة أسناننا أكثر من صحة عواطفنا وعقولنا، ولكي نعتني بالأخيرة لا بد من أن نعترف بأولويتها، وأن نعي عمق الجروح النفسية التي يمكن أن نصاب بها نحن والآخرون". وهنا ينصح الخبراء ببعض الأمور التي يمكن أن نمارسها مع أنفسنا ومع الآخرين.

أولاً، لننظف عواطفنا. يعني ذلك أن نعطي أنفسنا كل يوم بعض الوقت لنفكر بالأمور التي تسبب لنا الأحاسيس المزعجة، مثل الغضب والقلق والإحباط، ونحاول مراقبتها وتعلّم كيفية التعامل معها، ومن ثم التخلص منها.

يعني ذلك أيضاً أن نتوقف عن الحفر عميقاً داخل جروحنا النفسية، وهو أمر نمارسه أحياناً عن قصد وكأننا نهوى تعذيب أنفسنا، ولنتعامل معها على أنها جروح جسدية كلما ضغطنا عليها كلما زاد الألم الذي تتسبب به، وطال أمد العلاج منها. وإن شعرنا بأننا في حاجة لزيارة طبيب نفسي فلنقم بذلك، فهو لا يقل أهمية عن طبيب القلب أو الأعصاب أو العظام، والذي نلجأ إليه عندما نعاني من مرض ما. سيساعدنا ذلك في تقوية مناعتنا النفسية والعاطفية.

من الاستراتيجيات الفعالة التي يمكن أن نتبعها أيضاً سياسة "تحطيم الجدران"، وتعني التوقف عن بناء جدران لعزل أنفسنا عند شعورنا بأي ضيق أو اكتئاب. على العكس، علينا التوجه نحو الآخرين لنبني شخصية اجتماعية متوازنة قادرة على التعبير عن مشاعرها، وفي الوقت نفسه السماح للآخرين بالحديث عن أحاسيسهم مهما كانت سلبية. هنا يتوجب علينا التفكير أيضاً بالتوقف عن استبعاد المضطربين نفسياً من الحياة الاجتماعية وكأننا نقول لهم: "تخلصوا من أمراضكم ثم عودوا لتمارسوا الحياة الطبيعية معنا".

يختتم الطبيب غاي وينتش حلقته بأن يقول: "قبل حوالي 100 عام بدأ الناس بممارسات النظافة والصحة الشخصية، وارتفع متوسط العمر بمقدار 50 بالمئة خلال عدة عقود. إن بدأنا اليوم بممارسة الصحة العاطفية، فلا شك بأن متوسط العمر وأيضاً نوعية الحياة سيشهدان تحسّناً ملحوظاً في العقود المقبلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard