"أغطية الحب" منحتني حياةً جديدةً... عندما ترسم البسمة على شفاه المحتاجين

الثلاثاء 18 يناير 202204:44 م

على بعد 16 كلم جنوب شرق العاصمة تونس، وتحديداً في منطقة حمام الأنف الساحلية، يسابق وديع وابنته "شهد"، صاحبة الثماني سنوات، الزمن من أجل جمع كميات من الأغطية البلاستيكية للقارورات المتناثرة على أرصفة المدينة، وأمام المقاهي والمطاعم المنتشرة في الجهة.

تفلت شهد من يد والدها في كل مرة، لتنقضّ بأناملها الصغيرة على أغطية القارورات المتناثرة في كل مكان، من أجل وضعها في كيسها البلاستيكي، والعودة بها إلى المنزل، لتضعها مع بقية السدادات التي جمعتها، لتهديها في وقت لاحق إلى بعض الناشطين الذين أطلقوا حملةً وطنيةً على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت عنوان "مع بعضنا نلمو les bouchons d’amour" (معاً نجمع أغطية الحب)، من أجل بيعها إلى مصانع الرّسكلة وإعادة التدوير، للاستفادة من مداخيلها التي تخصَّص لذوي الاحتياجات الخاصة، والعائلات الفقيرة.

"أغطية الحب" مبادرة قدّمتها مجموعة من الشباب، لجمع أغطية القوارير البلاستيكية وبيعها للمصانع التي تختص بإعادة تدوير هذه المواد من أجل شراء كراسٍ متحركة، ورسم البسمة على شفاه ذوي الاحتياجات الخاصة. كما توسّع دور هذه المبادرة ليشمل إعانة العائلات الفقيرة، وذات الدخل المحدود، من خلال شراء الأغطية والملابس والأدوات المدرسية وغيرها.

حبل نجاة

انطلقت فكرة "أغطية الحب"، بمجرد اقتراح على فيسبوك من وفاء الورغمي، وهي إحدى الناشطات في هذا العمل التطوعي، وكان أول تحدٍّ عام 2019، والهدف منه توفير كرسيٍّ متحرك، لشخص من ذوى الاحتياجات الخاصة، وقد لاقت تدوينتها تفاعلاً وإقبالاً كبيرين من طرف المواطنين الذين تمكّنوا في ظرفٍ وجيز من توفير العديد من المستلزمات، وقد توسعت بعدها الفكرة، والتحقت بها مجموعة من المتطوعين من مختلف محافظات الجمهورية، عبّروا عن استعدادهم اللا مشروط لتقديم يد العون للمحتاجين.

وتلقى هذه المجموعة دعماً معنوياً من طرف المواطنين، إذ يقول جليل (30 عاماً)، إن فكرة جمع أغطية القوارير البلاستيكية وتثمينها في أعمال الخير، "باتت حبل نجاة لبعض المحتاجين الذين وجدوا ضالّتهم في هذا العمل التطوعي الرائع".

ويقول محمد تيسير، وهو المكلف بالإعلام في مجموعة "أغطية الحب"، إن إقبال المواطنين على هذه الحملة يمكن ترجمته من خلال الكميّات الكبيرة التي تُجمع، والتي وصلت حتى الآن إلى 34 طناً، وهو رقم لا بأس به منذ انطلاق الحملة في عام 2019.

ويضيف تيسير، أن الدافع الأول لإطلاق هذه المبادرة، هو "حماية الطبيعة من هذه المواد البلاستيكية التي يبقى مكانها الطبيعي هو الرسكلة وإعادة تثمينها، وقد وجدت المجموعة في إعانة المحتاجين وضعاف الحال أفضل خيار للتثمين".

وتشير تقارير علمية إلى أن عملية التحلل الحيوي الطبيعي للبلاستيك تستغرق أكثر من 400 سنة، لتتفتت بعد ذلك الجسيمات البلاستيكية شيئاً فشيئاً، وتؤكد التقارير نفسها، أن مخاطر البلاستيك بعد التحلل إلى قطع صغيرة، تكون أكثر خطورةً وأكثر انتشاراً، لذلك يجب التفطن إلى هذا الأمر، وتحفيز المواطنين على التقليل من هذه النفايات البلاستيكية.

إقبال المواطنين على هذه الحملة يمكن ترجمته من خلال الكميّات الكبيرة التي تُجمع، والتي وصلت حتى الآن إلى 34 طناً، وهو رقم لا بأس به منذ انطلاق حملة "أغطية الحب" في عام 2019

تؤكد الطالبة في كلية الحقوق، حياة، وهي في العقد الثاني من عمرها، وتشارك في هذه العمليات البيئية والإنسانية، أن مثل هذه المبادرات تحقق التكافل الاجتماعي والتعاون والتعاضد والتلاحم المجتمعي، وتغرس في النفوس حب الخير وقيم البذل والعطاء تجاه الآخرين، لا سيما تجاه المحتاجين، للتخفيف من معاناتهم.

حياتي تغيّرت

ترى هادية (43 عاماً)، وهي من بين المستفيدين من هذا العمل التطوعي، أن حصولها على كرسيٍّ متحرك غيّر حياتها إلى الأفضل، بعدما كانت تشعر بأنها أصبحت ثقيلةً على عائلتها، بما أنها عاجزة عن الحركة.

وتضيف لرصيف22، أنه بحصولها على الكرسي المتحرك تحسنت حالتها النفسية، إذ أصبحت تعوّل على نفسها في بعض المواقف، مثل التنقل داخل المنزل وخارجه من دون الحاجة إلى المساعدة، كما أصبحت قادرةً على قضاء بعض الحاجيات بمفردها، مثل التنقل إلى المطبخ وفتح الثلاجة والحصول على الطعام والشراب، وتشغيل التلفاز. أمور قد تبدو هذه بسيطةً في نظر البعض، إلا انها باتت مصدر سعادة بالنسبة إليها.

من جهةٍ أخرى، لا تضع الدولة أي قيود على ممارسة مثل هذه الأنشطة، خاصةً أنها لا تمس ولا تخل بالقانون، بل عادةً ما تكون سبيلاً إلى المزيد من التقارب بين المواطنين، وتنشر قيم التعاون والتضامن والتلاحم.

نجاح باهر

يقول العامل اليومي وديع، وهو في العقد الرابع من عمره، إن هناك مثلاً تونسياً يقول: "ما يحس بالجمرة كان اللي يعفس عليها" (لا يشعر بحريق الجمر إلا من يكتوي به)، والمقصود من كلامه أن هناك بعض البشر لا يشعرون بما يدور حولهم ولا بالمعاناة التي يعانيها بعض الناس، إلا اذا تعرضوا إلى المشكلة نفسها، حينها تعود إليهم ذاكرتهم، ويتذكرون أعمال الخير والتطوع ومساعدة الغير.

بحصولها على الكرسي المتحرك تحسنت حالتها النفسية، إذ أصبحت تعوّل على نفسها في بعض المواقف

على الرغم من أن الفكرة لا تزال حديثة العهد، وجاءت في وقت تعاني فيه البلاد من هزات متتالية، سياسية واقتصادية، بالإضافة إلى تفشي فيروس كورونا، إلا أنها نجحت بدرجة كبيرة في كسب التحديات، إذ جُمِع إلى اليوم نحو 26 مليون غطاء بلاستيكي، أي ما يقارب 36 طناً من هذه المواد التي تمت رسكلتها وتثمينها في مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة ومحدودي الدخل.

ويقول تيسير النهدي، الناشط في صلب المجموعة، إن الحملة "بدأت بالتوسع أكثر، لتشمل أكبر عدد ممكن من العائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود، نتيجة تظافر الجهود والمد التضامني الكبير الذي وجدناه من بعض المواطنين".

جمع أغطية القنينات في تونس تحول إلى "حملة حب" تحقق التضامن الاجتماعي وحماية البيئة 

ويذكر تيسير بكل فخر النجاحات التي تم تحقيقها حتى الآن، مؤكداً أن هناك تحدياتٍ تم إطلاقها في هذه الأيام، من أجل مساعدة الأطفال المرضى بالسرطان، وكذلك مساعدة أطفال بعض محافظات الشمال الغربي، من خلال توفير أغطية وملابس نظراً لبرودة الطقس الشديدة في تلك المناطق.

ومن بين التحديات التي كسبتها المجموعة، هو موعد ولادة فكرة "أغطية الحب"، في تموز/ يوليو 2019، حين تم جمع ألف ومئتي كيلوغرام من الأغطية البلاستيكية، وتوفير أكثر من 30 كرسيّاً متحركاً، بعد ما كان التحدي في المرة الأولى هو توفير كرسيّ متحرك واحد.

التحدي الثاني كان في آب/ أغسطس 2019، وتم توفير العديد من اللوازم المدرسية لمدرستين، بعد جمع 2،400 كيلوغرام من الأغطية البلاستيكية.

وارتفع نسق التحديات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، إذ تضاعفت الكمية لتصل إلى جمع 5،400 كلغ من أغطية القوارير، ومست الحملة التضامنية فئة المكفوفين، من خلال توفير 30 كاشف حواجز، كما تم توفير وظيفة للكفيف هيثم حدّاد، الذي اخترع جهاز الكشف، وإعانته على إنجاز مشروعه على أرض الواقع.

أما بقية التحديات التي وصلت إلى سبعة، فقد مست فئاتٍ مظلومةً ومنسيةً، من بينها فاقدي السند، لمركز صوت الطفل في محافظة بنزرت شمال تونس، كما تم توفير سبعة مشاريع صغرى لنساء المحار، المنطقة الموجودة بين محافظة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي، ومحافظة قابس جنوب شرق البلاد.

ولم تنسَ هذه الحملة الذين يجوبون الشوارع ليلاً نهاراً بحثاً عن لقمة العيش، من خلال توفير ثماني عربات لجامعي البلاستيك والبرباشة.

وكان آخر تحدٍّ هو توفير ألعاب فكرية وتثقيفية و مستلزمات ترفيهية للأطفال الذي يعيشون في طيف التوحد، في ثلاثة مراكز في محافظة منوبة وسيدي ثابت والقيروان، وقد نجح التحدي بعد جمع 6،270 غطاءً بلاستيكياً.

يد واحدة

يؤكد محمد تيسير، لرصيف22، أن هذه الحملة لا تستثني أحداً، إذ يمكن للجميع المشاركة فيها، ما عدا الأطفال الصغار، وكبار السن، وقد أثنى على الدور الكبير الذي يقوم به الأطفال في رياض الأطفال المدرسية، حيث تشارك 10 في المئة من تلك الرياض في تونس، في جمع الأغطية البلاستيكية، وتالياً "نضرب عصفورين بحجر واحد، وهما الحفاظ على البيئة في مرحلة أولى وترسيخ قيمة الحفاظ على البيئة للأطفال الصغار"، يشرح المتحدث.

ويضيف أن عملية تجميع الأغطية البلاستيكية عادةً ما تكون صعبةً، لكنها تمثّل فرحةً بالنسبة إليهم، خاصةً عند الاجتماع لوزن الكميات التي تم الحصول عليها، وذلك بالتنسيق مع كامل المنسقين في محافظات الجمهورية كلها، وتكون الفرحة مضاعفةً عند الوصول إلى الكمية التي يحتاجون إليها لمساعدة الأشخاص المعنيين.

ويباع الكيلوغرام الواحد من أغطية القوارير البلاستيكية، والذي يحتوى تقريباً على 600 غطاء، بـ800 مليم تونسية، أي ثلاثة كيلوغرامات مقابل دولار تقريباً.

وعلى الرغم من بعض الصعوبات التي يجدها المتطوعون في هذه الحملة، إلا أنها ذاهبة في التوسع، وقد تشمل في سنواتها القادمة أكبر عدد من الفئات الهشة التي أنهكها غلاء الأسعار، وقلة ذات اليد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard