نبض طرابلس... قبل أن تصبح السينما من الممنوعات

الخميس 20 يناير 202211:00 ص

"انهيار دور السينما" قد يبدو نتيجة طبيعية لموجات وباء كورونا الذي يجتاح العالم منذ سنتين، لكن هل الأمر يعود فقط إلى "المخاوف" و"القيود"، أم أن الانهيار يعود أساساً إلى توقف "المنتج" بشكله الكلاسيكي لأن يكون "جذاباً أيضاً بشكله الكلاسيكي.

يحتاج المشاهد أن يصل إليه المنتج، أن يقنعه، أن يبحث عنه كمستهلك، كما تفعل المنتجات الأخرى من أدوات وأطعمة ومنتجات. كما الحال في الانتخابات الديمقراطية، يحتاج المستهلك/ المواطن أن يزجر، وأن يدفع دفعاً للذهاب للتصويت وممارسة "حقه"، كأن هذا الحق أصبح هامشياً، أصبح غير ذي أهمية، مثله مثل السينما، الكتاب، الفن عموماً.

انتكاسات متتالية شهدها الحياة السينمائية في عاصمة الشمال اللبناني طرابلس، جعلت عدد صالات السينما المتاحة للزوار اليوم هو: صفر؛ بعد أن وصل عدد الصالات في الماضي إلى 41 صالة على الأقلّ.

اندثار صالات العرض يعود لأسباب عديدة، وفي مقدّمتها ظروف الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، وصعود التيارات الدينية في المدينة التي استطاعت جذب العديد من المؤيدين لأفكارها المعارضة للفن.

انتكاسات متتالية شهدها الحياة السينمائية في عاصمة الشمال اللبناني طرابلس، جعلت عدد صالات السينما المتاحة للزوار اليوم هو: صفر؛ بعد أن وصل عدد الصالات في الماضي إلى 41 صالة على الأقل

تاريخ ثقافي هائل مهدّد بالزوال، تحاول أمم للتوثيق والأبحاث الإضاءة عليه من خلال معرض "طرابلس سكوب، عودٌ على طرابلسَ في ثقافتِها وممارساتها السّينمائيَّة"، الذي افتتحته في الحادي عشر من كانون الأول. وهو معرض قيد الإنشاء، يضم المتعلقات الخاصة بأرشيف "الشركة السينمائية التجارية طرابلس لبنان" SCCTL، تقف عليه وتنسقه ناتالي روزا بوخر.

من خلال الوثائق المعروضة، ترسم بوخر شبه خريطة استراتيجية لفهم الحياة السينمائية التي عرفتها طرابلس في السنوات الثلاثين من القرن الماضي إلى تسعينياته، مروراً بما يقارب الإحدى وأربعين صالة عرض، توزعت في أرجاء المدينة، محيطة بجوانب مختلفة، من التجاري إلى الفني إلى التقني، ونحو ما هو أكثر خصوصية.

تقول بوخر: "كانت السينما التسلية الرئيسية لسكان طرابلس في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومع ذلك، اعتباراً من السبعينيات فصاعداً، تراجعت أعداد الروّاد بسبب الوضع الأمني، وبسبب القمع الذي يمارسه الجيش السوري. في الثمانينيات، ومع ظهور حركة التوحيد الإسلامي (1982-1991)، أصبح الذهاب إلى السينما من الممنوعات".

وتضيف: "حتى التسعينيات، شكّلت دور السينما محوراً للترفيه والتعليم ولجمع عشّاق السينما من جميع الأطياف معاً، وملأت وسط المدينة والمناطق المجاورة بالحيويّة، وأضافت الألوان والسحر إلى مناظر المدينة من خلال الملصقات واللافتات الكبيرة والواجهات المضاءة في الليل".

اندثار صالات العرض في طرابلس يعود لأسباب عديدة، وفي مقدّمتها ظروف الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، وصعود التيارات الدينية في المدينة التي استطاعت جذب العديد من المؤيدين لأفكارها المعارضة للفن

طرابلس عروس الثورة

كان مقرراً افتتاح "طرابلس سكوب، عودٌ على طرابلسَ في ثقافتِها وممارساتها السّينمائيَّة"، في 18 تشرين الأول 2019، لكن تم تأجيله بسبب قيام انتفاضة 17 تشرين. فارتأت أمم في حينه تعليق جميع الأحداث الثقافية تضامناً مع الانتفاضة وأعلنت الإضراب المفتوح.

لا ينفصل هذا المعرض، وإن كان يدور في فلك زمن بات منسياً من تاريخ طرابلس، عن واقع المدينة اليوم، الذي ظهرت إشكالياته وتبلورت أكثر من خلال انتفاضة 17 تشرين، والتي أبرزت وجه التناقض بين الصورة المكرسة عن طرابلس في الإعلام اللبناني الأقرب للكاريكاتورية في اختزالها المدينة كبؤرة للسلاح والإرهاب، وبين الصورة الأكثر شفافية التي عبّر عنها الناشطون والناشطات في الانتفاضة، وهي صورة لمدينة بالرغم من كل العوامل التي أدت إلى تهميشها، لا تزال تنبض بالحياة ولها دور أساسي في توجيه مسار الانتفاضة، كما كان لها دور ناشط في السينما وثقافتها.

أرشيف "الشركة السينمائية التجارية طرابلس لبنان"

الأرشيف الضخم للشركة السينمائية التجارية، والذي عملت بوخر على إحيائه، يوثق جانباً مهماً من الأفلام التي عرضت في طرابلس ما بين 1940 و1970، إذ إن الشركة كانت تدير العديد من صالات السينما حينذاك.

تاريخ ثقافي هائل مهدّد بالزوال، تحاول أمم للتوثيق والأبحاث الإضاءة عليه من خلال معرض "طرابلس سكوب"، عودٌ على طرابلسَ في ثقافتِها وممارساتها السّينمائيَّة"... لا بدّمن زيارته!

تقودنا بوخر، التي ومنذ عام 2013 تتابع بحثها حول السينما في طرابلس، وبحسب الثيمات المقسم إليها المعرض، إلى فهم حيوي وملموس لذلك التاريخ، مستعيدة إيقاعه عبر كل التفاصيل الاعتيادية واليومية التي كانت تشكل جوانب ذلك العالم، وتنسج رؤية دقيقة لآلية عمل صالات السينما بكل عناصرها ومدى تأثيرها في الاقتصاد المحلي.

نجد ضمنها مراسلات قديمة ووثائق تتناول الأفلام المعروضة على اختلاف أنواعها ومجموعها العددي، كما الأفلام العربية أو الأوروبية أو الوسترن أو حتى الهندية والكونغ فو، دون أن نستثني فئة الأفلام الإباحية أو أفلام البورنو... تفاصيل أخرى، مثل تذاكر السينما والبطاقات البريدية والصور المقتطعة من الأفلام، نكتشف عبرها الطرق المختلفة المعتمدة للترويج للشريط السينمائي في تلك الحقبة، وهي كلها تسهم في إعادة تركيب ذلك الزمن الذي يبدو وكأنه متخيل من تاريخ طرابلس، مقارنة بحاضر كل صالات السينما المهجورة اليوم والتي تواجه خطر الهدم والاندثار الكلي.

الحياة السينمائية وانعكاسات التغيرات الاجتماعية والسياسية

تتلاقى الحياة السينمائية التي عرفتها طرابلس وكيفية تطورها وتراجعها مع تاريخ المدينة، كل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حلت بها منذ الحرب الأهلية في السبعينيات إلى نشوء حركة التوحيد الإسلامي في الثمانينيات، ما أدى إلى توقف عمل غالبية صالات السينما المعروفة أو تغير توجهها، وبالمقابل، وللمفارقة، ازدهار الصالات التي كانت تعرض أفلام الأكشن والبورنو، والتي كانت تتخللها مشاهد مقتطعة من أفلام الوسترن أحياناً، ضمن مونتاج عجيب هو من فعل هواة.

يضم المعرض كذلك صوراً فوتوغرافية نادرة تعود لتلك المرحلة من تاريخ المدينة، من مجموعة جان بيار وياسمينا زهار، التي استحصلت أمم على حقوق عرضها بالتعاون مع المؤسسة العربية للصورة. كما تتعاون أمم أيضاً مع المعهد الفرنسي في طرابلس لبنان كشريك في هذا الحدث.

المعرض يستمر من 11 كانون الأول إلى 27 شباط، ويستقبل الجمهور ما بين الحادية عشر صباحاً إلى الخامسة بعد الظهر، أيام السبت والآحاد وأيضاً تبعاً للمواعيد.

يمكن زيارة الموقع للمزيد من المعلومات عن معرض طرابلس سكوب وأمم للتوثيق والأبحاث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard