غول الانهيار يلتهم التعليم الرسمي في لبنان

الخميس 25 نوفمبر 202111:58 ص

في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلن وزير التربية أنه نجح، بالتعاون مع الأساتذة، بإطلاق العام الدراسي. مثله فعل رئيس الحكومة بتاريخ الثامن من الشهر نفسه. لكن عن أي عام دراسي يتحدّث هؤلاء، وعن أي تعاون؟ جولة سريعة على أحوال الأساتذة، والطلاب، والمدارس، والتعليم، كفيلةٌ بتوضيح الصورة قليلاً.

مشهد أوّل: يتناقل الأساتذة بحسرةٍ على مجموعات الواتساب الخاصة بهم، إعلاناتٍ حول وظائف كانت في زمن سابق تُعدّ أدنى قيمةً من وظائفهم. هنا إعلان عن حاجة مطعم إلى عامل توصيل (دليفري)، براتبٍ يزيد عن راتب أستاذ التعليم الثانوي، وهناك إعلان يطلب عمّال تنظيفاتٍ براتب يوازي راتب "مربّي الأجيال". وبين إعلان وآخر مما يتناقلونه، تستمر رحلة شكوى الأساتذة من استحالة العيش، والتحسّر على الزمن الغابر، عندما كان راتبهم يضعهم على درجةٍ من درجات سلّم الطبقة الوسطى في لبنان، فيما صار اليوم لا يكفي ثمناً لبضعة كيلوغرامات من لحم الدجاج، أو عشر صفائح من البنزين.

مشهدٌ ثانٍ: أمام بوابة مدرسة ثانوية في مدينة صيدا، تقف الطالبات منحنيات الظهور، ومحمرّات الوجوه، يتصببنّ عرقاً بعد أن قطعنّ مسافةً تزيد عن خمسة كيلومترات، للوصول إلى المدرسة. فكلفة النقل الشهرية التي تزيد عن راتب ذويهنّ بأشواط، تمنعهنّ من التنقل بواسطة وسيلة نقل إلى المدرسة. تتجمع الطالبات أمام البوابة في المكان حيث اعتدنَ الوقوف سابقاً، بجانب فرنٍ كنّ يشترين منه المناقيش، قبل أن تحلّ لعنة الانهيار عليهنّ، وعلى ذويهنّ، فتجعلها بعيدة المنال، إذ يبلغ ثمن منقوشة الجبنة 28 ألف ليرة، أي أن كلفة شراء منقوشة واحدة يومياً، تقترب من الحدّ الأدنى للأجور.

مشهد ثالث: يتناقل الأساتذة رسالةً نصّية على تطبيق واتساب، ترسلها إحدى مديرات الثانويات في مدينة طرابلس، شمال لبنان، تعلن فيها باكيةً، عدم القدرة على تأمين استمرار العملية التعليمية، بسبب عدم توافر المواد التشغيلية، وبسبب امتناع المستخدمين والأساتذة عن الذهاب إلى المدرسة، على الرغم من المحاولات التي بذلتها لإقناعهم بالعدول عن قرارهم، سابقاً.

هذه هي الصورة العامة التي يمكن تكوينها عن حالة التعليم ومقوماته في لبنان، في ظل الانهيار الذي يدفع طلاب المدرسة الرسمية، وأساتذتها، أثماناً باهظةً على المستويات الصحية والتعليمية والحياتية كافة، ما يجعل من المستحيل استمرار العملية التعليمية.

المدارس غير قادرة على الاستمرار، بسبب الكلفات، والطلاب يعانون الأمرّين في يومياتهم، ولا يحصلون على نوعية تعليم جيّدة، والأساتذة يعملون، أو يؤدّون "رسالتهم"، براتبٍ يجعل حالتهم أشبه بأعمال السخرة.

تطوير المعرفة أو سدّ الرمق؟

يعمل سليم المصري مدرّساً لمادة علم الاجتماع في ثانوية رسمية في صيدا. اختار العمل مع والده، بعد الدوام، في مهنة تصليح السيارات، لأنه "كما نعلم جميعنا، الراتب لا يكفي أبداً".

بالإضافة إلى عمله الآخر، يشتري بعض "قطع الأنتيكا القديمة"، بأسعارٍ مناسبة، ثم يعرضها على صفحات على الإنترنت، وينتظر مَن يشتريها.

يتحدث المصري عن تأثير إرهاق العمل الإضافي، بعد الظهر، على المعلم، جسدياً، وفكرياً، وتالياً تأثيره على الإنتاجية التعليمية، "فلا وقت لتحضير الدروس"، كما يقول، "ولا وقت لتطوير المعلّم لذاته. ما يشغل الأستاذ هو البحث الدائم عن تأمين حاجاته اليومية التي يصل إليها بطلوع الروح".

"طُردنا من بلادنا"

أستاذ مادة الطبيعيات في إحدى ثانويات بيروت، م. د.، اختار طريقاً مغايراً للطريق الذي اختاره الأستاذ سليم. فعلى الرغم من أنه حديث الدخول إلى وظيفة التعليم، وعلى الرغم من الاندفاع الذي شعر به في بداية عمله مدرّساً، بعد نجاحه بتفوّقٍ في مباراة الدخول إلى ملاك التعليم الثانوي، ثم بعد اجتيازه مرحلة كلية التربية، إلّا أنه اصطدم بالواقع المرير، فقرّر البحث عن فرصة عملٍ خارج البلاد، واختار التعليم في إحدى البلاد العربية.

يقول: "باختصار، يمكن القول إن ما حدث هو عملية تحطيم لطموحاتنا في هذا البلد. وصلنا إلى مرحلة أصبح معها الراتب لا يوازي بدل اشتراك الكهرباء، ناهيك عن عذاب الوصول إلى المدرسة، في ظلّ أزمة البنزين، والأزمات المعيشية الخانقة. لذا قررت البحث عن فرصة خارج البلاد، وبدأت بذلك منذ منتصف السنة الماضية".

يرى أن "خيار ترك البلاد لم يكن خياراً صعباً، فقد كان يظهر لي، وللجميع أيضاً، أن سفينة البلد في طور الغرق".

وعن شعوره اليوم، بعد أن ترك البلاد، يجيب: "لا أتأسف. نعم، أشعر بالمرارة، فأنا تركت أولادي في لبنان مع والدتهم، وتركت أهلي، في ظل هذا الوضع الصعب. ولكن ما يحدث هو عملية طرد جماعية للبنانيين، كل اللبنانيين، وكان الأساتذة من بين المطرودين من هذه البلاد. وصلنا إلى مرحلة شعرنا معها بأننا عبء على وطننا. أنا اليوم لا أنظر إلى الوراء، فلبنان لم يعد لبنان أبداً. وإذا قررت ترك البلاد التي أعمل فيها اليوم، فلن أعود إلى لبنان، بل سأذهب إلى بلدٍ آخر. وأكثر من ذلك أقول، ومع كامل احترامي لكل مَن بقي في لبنان، إن الطاقات الموجودة في لبنان، والتي قررت البقاء، قررت الانتحار".

"لا أتخيّل اليوم كيف يمكن لأستاذ أن يدخل إلى الصف، ويدرّس مادته بشكل طبيعي"، يقول، ويضيف: "حاولنا التغيير، لكن هذه البلاد مخطوفة".

حالة الأستاذ ليست خاصةً، ولا معزولةً. على الرغم من عدم إصدار وزارة التربية أرقاماً رسمية حول أعداد الأساتذة الذين قدّموا إجازات من دون راتب، ومَن قدّموا طلبات استيداع (أي ترك المهنة مؤقتاً بحجة العلاج، أو التعلّم في الخارج)، أو مَن قدّموا استقالات من وظائفهم، فإن موجة الهجرة التي تضرب البلاد، تشير إلى أن الأعداد ضخمة، والحديث يدور اليوم عن آلافٍ، خصوصاً في التعليم الابتدائي.

سبعة كيلومترات مشياً إلى المدرسة

يتحدّث أستاذٌ لمادة الرياضيات في إحدى مدارس بيروت، يمارس التعليم للسنة الـ14 على التوالي، متحسراً على سنوات خبرته الضائعة، عن المعاناة التي تُسمّى مهنة التعليم، وعن المعادلة المستحيلة، وهو الأستاذ العارف بالمعادلات ونتائجها، بين الراتب والدفعات الشهرية.

"إيجار المنزل يبلغ مليوناً ونصف المليون ليرة، يضاف إليه اشتراك كهرباء بكلفة مليون ليرة، ما يساوي مليونين ونصف المليون. فماذا يتبقّى من الراتب؟ لا شيء تقريباً"، يقول.

"ما يحدث هو عملية طرد جماعية للبنانيين، كل اللبنانيين، والأساتذة من بين المطرودين من هذه البلاد"

في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، اتفق وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي مع الهيئة الإدارية لرابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، على فك الإضراب والعودة إلى التعليم الحضوري في الثانويات الرسمية، مقابل تقديمات تتمثل بـ90 دولاراً شهرياً لمدة تسعة أشهر (على سعر منصة مصرف لبنان التي تقل عن سعر السوق السوداء)، ونصف راتب لمدة سنة إلى الأمام، وبدل حضور يومي قيمته 60 ألف ليرة.

وفي تصريح لوزير التربية أثناء التفاوض على هذا الاتفاق، قال إن ما عُرض من زيادات على الأساتذة من أجل إطلاق العام الدراسي، يكفي لسدّ الرمق.

لكنّ معادلات أستاذ الرياضيات تؤكد أن هذا الحديث لا معنى له، أو بالأحرى على الأستاذ أن يختار وفق هذه المعادلة، بين السكن وإضاءة منزله من ناحية، وبين "سدّ الرمق" من ناحية أخرى.

على أي حال، لا يتوقف عدّاد التكاليف التي يذكرها أستاذ الرياضيات عند ما ذُكر. يضيف تكاليف علاج زوجته التي شُخّصت إصابتها بمرض السرطان قبل سنةٍ تقريباً، ويقول: "أتذكّر جيّداً أنه عندما خضعت زوجتي للفحوصات في المرحلة الأولى لتشخيص المرض، وبالمناسبة لم تكن تلك فترة تضخّم كبير كالتي نشهدها اليوم، وعلى الرغم من ذلك، أذكر أن تكاليف الفحوصات تخطّت الـ15 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف راتبي، وقد حصّلت من هذا المبلغ نحو مليون و600 ألف ليرة من تعاونية موظفي الدولة (المؤسسة التي تقوم بتغطية تكاليف علاج موظفي الدولة في لبنان). أمّا اليوم، فندفع دورياً تكاليف هائلة، ثمن أدويةٍ وصور شعاعية، ونضطر دائماً إلى البحث عن الإبر والأدوية في السوق السوداء.

"وضع الأساتذة صار اليوم بالأرض"، يقول ويضرب مثلاً موجعاً: "اليوم لم يتبقَّ معي بنزين في السيارة، وكذلك لم يتبقَّ في جيبي أي ليرة، لذا أجبرت نفسي على قطع المسافة مشياً من منزلي في الحدث، إلى مدرستي في بيروت، أي ما يعادل سبعة كيلومترات".

ويشرح أنه "لولا الدعم المالي الذي أتلقّاه من أخي المغترب، بين الفينة والأخرى، ودعم إخوة زوجتي في الاغتراب، ‘كنّا انكبّينا بالشارع صراحة’"، ويتابع: "اتّخدت خيار الهجرة إلى الخارج، وباشرت البحث عن عملٍ خارج لبنان، لكنني لم أوفَّق حتى الآن".

ويتحدث متحسّراً عن أنه "حتى الهجرة تهرب منّي اليوم". لكنه لن يتوقف عن المحاولة، لأنه "لا إمكانية للعيش في لبنان"، خصوصاً بالنسبة إلى المعلّم الذي أصبح في أدنى المستويات الاجتماعية، فراتبه أدنى من راتب أهالي الطلاب الذين يدرّسهم في المدرسة الرسمية، كلهم؛ الميكانيكي، والحلّاق، والسمكري، وأصحاب المهن الأخرى كلهم الذين تأقلموا إلى حدٍ ما مع الانهيار، ما عدا المعلّم، وموظّفي الدولة.

جرائم الفواتير الصحّية

تتحدّث معلمة مادة التربية المدنيّة في إحدى الثانويات الرسمية في صيدا، عن معاناتها في التنقّل من مدرستها، وإليها. كلفة النقل في سيارتها الخاصة تفوق الـ150 ألف ليرة يومياً، أي ما يعادل أساس راتبها شهرياً. طلبَت نقلها من مدرستها التي تعلّم فيها، قبل خمس سنوات، إلى مدرسةٍ قريبةٍ نسبياً من مسكنها، لكن وزارة التربية لم تبتّ بطلبها إلى حينه، وما زال ملف مناقلات أساتذة التعليم الثانوي نائماً في أدراج الوزارة.

تستدرك أن مشكلة النقل هي أتفه من أن تفكّر فيها، إذا ما قورنت بالويلات المالية التي تجرّها الأزمات الصحيّة التي قد يتعرّض لها الأساتذة، أو ذووهم. فهي التي تأخذ تأمين والدها الصحّي على عاتقها، تجد نفسها مصدومةً من المبالغ التي اضطرت العائلة إلى دفعها، بعد الوعكة الصحيّة التي ألمّت به: "كلفة العمليات والفحوصات المخبريّة، وشراء وحدات الدمّ، تخطّت الـ100 مليون ليرة، في غضون سنة تقريباً".

هذا المبلغ الذي جمعته العائلة، والذي اصطُلح على تسميته بـ"فارق التعاونية"، أي المبلغ الذي يفوق ما تدفعه المؤسسة الضامنة، يعادل المبلغ الذي تتقاضاه الأستاذة لمدة تزيد عن ثلاث سنوات. هذا ناهيك عن عذاب "الانتظار وتبعاته الصحيّة على والدي، نتيجة عدم ثقة المستشفى بتعاونية موظفي الدولة، وعدم تسديد هذه المؤسسة المبالغ المستحقة عليها للمستشفى، كما تدّعي الأخيرة".

"أزمتا كورونا والانهيار الحالي أسقطتا ورقة التوت عن نظامنا التربوي المهترئ نتيجة السياسات المتبعة في مقاربة التعليم"

تروي: "انتظرنا فترة أربعة أشهر، ولم تقم المستشفى بإزالة الجفصين من داخل رجل والدي، بعد إجرائه عمليةً، الأمر الذي ساهم في التهابها، وتحوّل لونها إلى الأزرق، وترافق ذلك مع صعودٍ في حرارته، ورفضت المستشفى التي أُجريت فيها العملية إعادة استقباله، ما دفعنا إلى البحث عن مستشفيات أخرى رفضت بدورها إدخاله، وإجراء عملية له، لأنها تخاف من انتقال عدوى جرثومة ‘ستافيلوكوكس’ التي يحملها، والتي سبّبت له هذه المضاعفات كلها، إلى مرضاها، كما يقولون".

تتحدث المعلّمة عن الأجهزة التي اشترتها، والتي تباع بدولار السوق السوداء. تقول إنها لا تنتظر "أي مبلغ بالمقابل من تعاونية الموظفين، لأنها ستقدّم لنا الفتات". وعلى أي حال، فالدفعات السابقة، أو بالأحرى فتاتها، لا تزال نائمةً في الدرج.

كذلك تتحدث الناظرة في إحدى ثانويات صيدا الرسمية، عن المبالغ الخيالية التي تتكبّدها عائلات الأساتذة، إذا أصابت أحدهم وعكة صحيّة. فبعد اكتشاف مرض السرطان الذي يعاني منه زوجها، وككلفة للعيّنات المخبرية، والصور، والتحاليل، وعملية استئصال المرض، اضطرت العائلة إلى دفع مبلغ يفوق الـ200 مليون ليرة لبنانية، أي ما يوازي راتب عملها مدة سبع سنوات. أنفقت العائلة مدّخراتها القليلة، وساعدت الابنة التي تعمل في دولة عربية في البقية، وإلا لكان علاج زوجها قد تعسّر.

ولتتفاقم معاناة الناس، تحتجز المصارف مدّخرات اللبنانيين، وتمكّنهم من سحب جزء منها فحسب، لكن بالتقسيط، وبسعر أقل من قيمتها بأشواط.

تقول الناظرة إن العائلة، وكتحضير لمرحلة العلاج المقبل، "باعت سيارة ابني الذي هاجر إلى بلجيكا، ليعمل طبيباً هناك".

ما يشغلها الآن، هو الحصول على جرعات العلاج الكيميائي. تقول: "الآن الموضوع الأصعب هو كيف سنحصل على العلاج الكيميائي". فرحلة العذاب ما تزال في أولها كما تقول.

قصص انعدام التغطية الصحية لا تنتهي، وهي تشير إلى الهمّ الشاغل للأساتذة اليوم. فكل أستاذ يعيش هاجس إمكانية مرضه في كل لحظة، ويرتعب من إمكانية دفعه مبالغ خيالية تفوق ما حصل عليه طوال فترة وظيفته.

قبل أن تنهي الناظرة حديثها، تذكر قصة أخ زوجها الذي تعمل زوجته معلمةً، والذي دفع مبلغ 15 مليون ليرة من جيبه الخاص، كفارق تعاونية بدل إجراء عملية.

ما ذكرته الناظرة، هو حالة الأساتذة العامّة. وتأكيداً على ذلك، تضيف فدى دبوس، أستاذة مادة الفلسفة في ثانوية رياض الصلح الرسمية، أنها دفعت "فروقات تعاونية"، ما مجموعه ثلاثون مليون ليرة، تضاف إليها فواتير الأدوية التي لا سقف لها، خصوصاً بعد رفع الدعم عن الدواء.

تصف دبوس ما يحدث بـ"الإبادة الجماعية"، وتشير إلى واقع تفشي كورونا في المدارس بشكل مخيف، وعدم قدرة الأساتذة على دفع كلفة إجراء فحوصات الـPCR. وذلك كله في سبيل أن يعلن المسؤولون في لبنان أنهم أنجزوا عملية إطلاق العام الدراسي، من دون أدنى حساب لمقوماته الصحية والمعيشية.

الجلوس في المنزل أوفر

محمد أيوب، أستاذٌ لمادة الرياضيات متعاقد في ثلاث مدارس رسمية، يتحدث بنبرةٍ ساخرةٍ عن تكاليف النقل اليومية بين هذه المدارس، فكلفتها تفوق عقده السنوي حكماً. يقول إن حساباته هذه، هي حسابات استهلاك وقود فحسب، أي من دون احتساب مسألة اهتلاك السيارة.

وعليه، تصبح مسألة عدم التوجّه إلى المدرسة، أكثر ربحاً من الانتقال من المدرسة، وإليها. فبين حسابات حقل التعليم، وبيدر التنقّل من المدرسة، وإليها، تميل الكفة إلى صالح الجلوس في المنزل.

يعلّم محمد بعض الطلاب الذين يسكنون قرب إحدى هذه المدارس دروساً خصوصيةً، ما يشكّل دافعاً من أجل إشعال محرّك السيارة، والتوجّه إلى المنطقة التي تقع تلك المدرسة فيها.

بدورها، تقول الأستاذة المتعاقدة مع وزارة التربية، بدريّة شهاب، إن "معاناة الأستاذ هي معاناة لم نشهدها في حياتنا؛ ننوء تحت ضغط نفسي هائل، نتيجةً للوضع الصحي، والوضع الاقتصادي، وعدم توافر نقل عام. لا أستطيع تحمّل كلفة وقود السيارة، ولا تصليحها، وخصوصاً أنني كمتعاقدة لا أحصل على بدلات النقل".

تقارب معلمة اللغة الإنكليزية المسألة انطلاقاً من تأثيرها على أداء الأستاذ في صفّه، وعلى التعليم بشكل عام، فالأستاذ الذي يعيش هذه الهواجس كلها، لن يقدّم النتيجة المرجوة منه، وتسحب المعلمة هذا الهاجس على الأهل والتلاميذ، "الأمر الذي ينعكس حكماً على أداء التلاميذ، وعلى العملية التعليمية برمّتها". فالطالب الذي يعيش هذه الهواجس المعيشية كلها، سيتحوّل إلى طالبٍ غير مبالٍ بتحصيله العلمي، ويحمل ميولاً عنفية أيضاً.

عذاب يومي مقابل تعلّمٍ دون الحدّ الأدنى

المشكلات التي تعترض الطلاب هائلة، في ظل الانهيار: من تدنّي مستوى إنتاجية الأستاذ التي اعترف بها أغلب مَن تحدثنا إليهم من الأساتذة، إلى نوعية التعليم الذي يمكن أن يحصل عليه الطالب في ظل غياب التجهيزات المدرسية، من تصوير مستندات وغيره، وانعدام النشاطات الصفّية، أو اللا صفّية، إمّا بسبب كورونا، أو بسبب ارتفاع كلفات القرطاسية، والمستندات التي تحتاج إليها هذه النشاطات...

إحدى مشكلات الطلاب في ظل الانهيار المالي، هي الارتفاع الجنوني لأسعار القرطاسية. فكلفة دفتر المادة الواحدة، يتعدى في أقل تقدير الـ30 ألف ليرة، ما يجعل فاتورة الدفاتر توازي، إذا أضفنا إليها أسعار الأقلام، وسائر عناصر القرطاسية، الحدّ الأدنى للأجور البالغ نحو 600 ألف ليرة، هذا إذا استثنينا سعر الشنطة طبعاً.

أمّا الطامة الكبرى، فهي كلفة النقل التي إمّا تدفع الطلاب إلى البحث عن مدارس قريبة من منازلهم إذا توفرت، أو إلى دفع مبالغ خيالية تبدأ من 300 ألف ليرة شهرياً، في حالات نادرة، وترتفع إلى أضعاف مضاعفة أحياناً كثيرة، حسب وسيلة النقل، أو حسب بُعد المسافة. أمّا الخيار الأخير عند الطلاب، فسيكون التوجه مشياً على الأقدام إلى المدرسة، وقطع بعضهم مسافاتٍ تزيد عن خمسة كيلومترات يومياً، ما "يؤدي إلى تأخّرهم عن الحصة الأولى مثلاً"، كما تقول الناظرة في إحدى مدارس صيدا، مشيرةً إلى أنها "عند استفسار الأهل عن هذا الموضوع، أجاب بعضهم: بيعملوا رياضة"، في إجابة تحاول إخفاء الحديث عن فقر الحال، عن طريق "النكتة".

المدرسة أفقر من أن يحدث فيها تعليم

في نهاية شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر، أقرّ مجلس النواب مشروع القانون المتعلّق بتخصيص مبلغ 500 مليار ليرة لبنانية لدعم القطاع التعليمي، ذهب منها 350 ملياراً إلى المدارس الخاصة، و150 إلى المدارس الرسمية.

وجد مراقبون كثر أن هذا الدعم هو مساهمة مجانية في دعم المدارس الخاصة، على حساب المدرسة الرسمية، ويظهر ذلك من خلال مقارنة المبلّغين المذكورين، وكذلك من خلال صيغة إقرار القانون التي، حسب الباحث التربوي نعمة نعمة، سمحت للمدارس الخاصة بعدم إدراج المبالغ في موازناتها السنوية، مع ما يترتب عن ذلك من رصدٍ لشكل صرفها، لأن صيغة القانون أشارت إلى أن الدعم هو عن السنة السابقة، وليس الحالية.

أمّا بالنسبة إلى المدارس الرسمية، فالواقع يشير إلى أن تكاليف تشغيل المدارس تهدد أكثرها بالتوقف عن العمل، إذا استمر الوضع على هذه الشاكلة. ففواتير المازوت الشهريّة مثلاً، وإضاءة الصفوف، ارتفعت من 600 ألف إلى ستة ملايين ليرة، وكذلك ارتفعت كلفات الصيانة.

يتحدّث أحد الأساتذة الذين يتابعون هذه المسائل في إحدى الثانويات في جنوب لبنان، عن ارتفاع كلفة عقد تصليح ماكينات تصوير المستندات في المدارس، إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون، من دون احتساب كلفات المحابر، والأوراق، وتكاليف قطع الغيار التي تصل إلى مبالغ خياليّة، ما يؤدي إلى إيقاف عملية تصوير المستندات في المدارس، ويؤدي إلى فقدان عنصر أساسي من عناصر العملية التعليمية في الصفوف.

ويبدو أننا سنصل إلى وقت يكتب فيه المعلّم مسابقة الرياضيات، أو الطبيعيات، على اللوح، لينقلها الطلاب على أوراقهم الخاصة. لكن مهلاً، فكلفة الأقلام المخصصة للألواح الصفّية، أعلى من قدرة موازنات المدارس على احتمالها!

المدارس مكان لتقاسم النفوذ لا للتربية والتعليم

أمام هذا الواقع الكارثي في الثانويات والمدارس الرسمية، والذي سيرخي بثقله على التعليم فيها، والذي تصحّ تسميته بالانهيار، فإن مدرّس مادة الفلسفة في إحدى مدارس الجنوب، فراس حريري، والذي لا يترك مناسبةً إلا ويعبّر فيها عن وجهة نظره في مسائل التربية والدفاع عن حقوق الأساتذة، والذي استطاع أن ينجح كمرشح مستقل لانتخابات مندوبي النقابة عن مدرسته، يقول إن البحث عن سبب انهيار القطاع التربوي يتطلّب البحث في الأسس التي بُنيت عليها التربية في لبنان، والعودة إليها.

فعلى الرغم من فداحة الانهيار، وتأثيره، تعود مشكلة التربية، وتحديداً في القطاع الرسمي في الأساس، برأيه، إلى أن النظرة إليها ليست تربويةً، إنما "مبنية على أسس المحاصصة وتقاسم الأرباح بين القوى السياسية الأربع: التيار الوطني الحرّ، وتيار المستقبل، وحركة أمل، والحزب التقدمي الاشتراكي، الموجودة في القطاعات التربوية في وزارة التربية، والقطاعات الملحقة بها".

يقول إن "التوازن الدقيق بين هذه القوى، يفرض أن يُنظر إلى أي خطة تربوية من منطق هذا التوازن الذي ينسحب على القوى السياسية الأخرى أيضاً: من إعداد المناهج، والمشاريع، والمسائل المرتبطة بالتربية كلها".

هذه النظرة لا تنطلق إذاً من السياسات التربوية الحقيقية، إنما من فكرة الإمساك بمراكز القرار، وتقاسم المصالح الموجودة، والاستفادة من "مزاريب" المركز التربوي، ودائرة الامتحانات الرسمية، والمؤسسات الأخرى كلها".

يربط فراس المشكلة أيضاً "بوضع النقابات وارتهانها للسلطة. ففي قلب النقابات يتم تركيب الصفقات، مثل تبادل منطقة تربوية مقابل إدارة بعض المدارس، أو العكس، أو توزيع النقابات بين هذه القوى، مثل توزيع رابطة الأساتذة الثانويين على قوة سياسية معيّنة، مقابل حصول مجموعة أخرى على رابطة الابتدائي. هذا الإمساك بالتوازن يحاول دائماً منع أي حراك حقيقي للأساتذة من أجل المطالبة بحقوقهم المعيشية من ناحية، وبالحقوق المرتبطة من ناحية أخرى بالتطورات الحاصلة على مستوى التعليم، والتربية، والمنجزات الحديثة في طرق التعليم".

برأيه، "تمنع هذه النقابات الموجودة الأساتذة من تحصيل حقوقهم، وتضعهم اليوم أمام خيار ترك التعليم، والتوجّه إلى مهنٍ أخرى، في حال وجدوا الفرصة داخل البلاد، أو تدفعهم إلى الهجرة في أحيان كثيرة. فيصبح قطاع التربية قطاعاً لا يستقطب إلا إمّا العنصر غير الكفؤ من أتباع هذه القوى السياسية المسيطرة، أو مَن يبحث عن أي وظيفة من دون أن يكون عنده إلمام بمهنة التعليم. والملاحظة الجديرة بالذكر هنا، هي أن هذه النقابات، والقوى المرتبطة بها، التي تمنع التعليم الرسمي من التطور، تمتلك المدراس الخاصة في الوقت ذاته، لذا نجد أن وزارة التربية والنقابات المرتبطة بها، هي الأب الحنون للمدارس الخاصة، عوضاً عن أن تكون حاضنة التعليم الرسمي".

أمام هذا الواقع، والكوارث كلها التي تصيب التعليم اليوم، يجد الأساتذة أنفسهم اليوم من دون أي مظلة تحمي حقوقهم، وتضمن استمراريتهم، واستمرارية التعليم حكماً.

الانهيار الذي أسقط ورقة التوت

يتحفّظ الباحث التربوي نعمة نعمة، على مسألة الربط المباشر بين الانهيار المالي والاقتصادي الذي يعانيه لبنان، وانهيار التعليم فيه. برأيه، "أزمتا كورونا والانهيار الحالي أسقطتا ورقة التوت عن نظامنا التربوي المهترئ نتيجة السياسات المتبعة في مقاربة التعليم"، ولم تسببا الأزمة بذاتها.

فالأزمة تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وإلى النظرة التي حملتها المنظومة السياسية في لبنان إلى التعليم، كبابٍ واسعٍ من أبواب التوظيف السياسي للمعلمين والموظفين؛ هذه النظرة التي ساهمت في رفع أعداد الموظفين الرسميين العاملين في مجال التربية في لبنان، إلى نحو 40 ألفاً، نصفهم من المتعاقدين.

كذلك "ساهمت عملية تحجيم دور كلية التربية، من خلال وقف التوظيف في القطاع الرسمي عام 1997، وتحويلها عملياً إلى رافد لرفد قطاع التعليم الخاص بالكادرات التربوية، في تعميق هذه الأزمة"، ما ساهم في انخفاض مستويات التعليم الرسمي، وتحويل خيارات الناس إلى القطاع الخاص، بدل الرسمي.

تُرك التعليم الرسمي للفئات الأشد فقراً من السكان. ونظرة إلى الإحصاءات المرتبطة بالفقر، تشير إلى تطابقٍ لافت بين معدلات الفقر، وبين عدد طلاب المدارس الرسمية، إذ بلغ العدد 30% في الحالتين قبل الأزمة.

المشكلة الأساسية هي مشكلة السياسة العامة للدولة، ويضرب نعمة مثالاً حول المشكلة المرتبطة بأزمة التعليم الحالية، بمشكلة التلفزيون التربوي "الذي كان من المفترض أن يتم تفعيله، وأن يمتلك عيّنات التعلّم عن بعد، ومواده"، في فترة الحجر. "خرج هذا التلفزيون في ظل أزمة كورونا، وإقفال البلد، ليقوم ببث نوع من الحصص المصوّرة لا أكثر، من دون أدنى مراعاة للتقنيات التي يجب أن تتوفرّ في التعلّم عن بُعد. وهكذا كانت فترة إقفال المدارس في ظل أزمة كورونا، فترةً ارتفع فيها الفاقد التعليمي عند الطلاب، وأدى إلى خسارتهم سنتين من عمرهم التعليمي".

"المشكلة الكبرى هي أن المقاربة السيئة ذاتها هي التي تطرح الحلول في ما يخص التعليم، في ظل الانهيار، وعليه سيخسر الطلاب سنةً ثالثةً أيضاً"، بسبب إقفال المدارس المتوقع، وبسبب التقليص العشوائي للمناهج.

وبرأيه، فإن الحلّ الآن "يجب أن يكون استثنائياً بقدر استثنائية الظروف"، وأن ينطلق من نظرية تربوية للتعليم، لا من نظرة مالية أو إدارية. ومن الحلول التي يقترحها، مسألة التعليم الأهلي، أو المنزلي الممنهج المراقَب من قبل منسّقين وتربويين، وتفعيل لا مركزية التعليم، بحيث تحمله البلديات والبيوت على عاتقها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard