حكاية سوريّ من ذوي الإعاقة لم "يستسلم" للحرب!

الاثنين 17 يناير 202204:08 م

"ما بيحس بالنار، إلا اللي انكوى فيها"؛ يقول ثائر بلال، وهو يستذكر معاناته، كونه من ذوي الإعاقة. لم يستسلم للواقع، فدرس الحقوق، وهدفه كان أن يُصبح ناشطاً يدافع عن ذوي الإعاقة في شمال غرب سوريا، ويساعدهم.

وُلد ثائر بلال، الخمسيني، في مدينة سلقين في شمال غرب إدلب، لأبٍ مدرّس، وأم حنونة. في صغره، لم يعانِ من شيء. بدأت حالته تتغير حين كان عمره أربع سنوات، إذ أصابه ضعف في اليدين، ليضطر إلى إجراء عملية جراحية في الصف الأول، وبدأ من بعدها باستعمال حذاء طبي يساعده على المشي، ليصمد إلى الصف السادس، حين بدأ باستعمال كرسي متحرك تتناوب أمه وجدته على توصيله به إلى المدرسة.

تابع ثائر مسيرته الدراسية بصعوبة أكثر، ولكن بعزيمة أكبر. درس المرحلة الإعدادية في المدرسة الوحيدة في قرية مجاورة، وهي غير مهيّأة لاستقبال ذوي الإعاقة، ولم ترحم عقلية المجتمع السلبية، ولا إدارة المدرسة، وضع ثائر، فأثّر ذلك على نفسيته، وانعكس على دراسته.

كان ثائر يذهب إلى المدرسة بكرسيّه البدائي المتحرك ذي الدواليب الثلاثة، وله جنزير يتحكم به بيديه. يقول إنه "يرتجف" كلما استذكر البرد والشتاء والقهر أيام الدراسة.

كان ثائر يذهب إلى المدرسة بكرسيّه البدائي المتحرك ذي الدواليب الثلاثة، وله جنزير يتحكم به بيديه. يقول إنه "يرتجف" كلما استذكر البرد والشتاء والقهر أيام الدراسة.

سافر ثائر إلى دمشق لاستكمال تعليميه الثانوي الذي كان نقطةً فارقةً في حياته، فقد صُقلت شخصيته بشكل جيد، فدرس في مدرسة الأمل للمعوقين جسدياً بنظام داخلي، ساعده في ذلك إصرار والدته الدائم بأنه لا مخرج له، ولا من يساعده، إلا تحصيله العلمي.

حصل ثائر على حلمه بنيل إجازة الحقوق من جامعة حلب، على الرغم من صعوبة السكن في المدينة الجامعية، التي كسائر المؤسسات، أو معظمها، لا توفّر معاملةً خاصةً لذوي الإعاقة. هناك، كوّن ثائر مع زملائه في الكلية، وهم من ذوي الإعاقة، مجموعةً يقول إنها "غيّرت مسار حياته إلى الأبد".

نشط ثائر ورفاقه، فأسسوا جمعيةً أسموها "المنتدى الثقافي لحالات ذوي الاحتياجات الخاصة"، ليتحول معها إلى مدافعٍ شرسٍ عن حقوق هذه الفئة المهمشة 

نشط ثائر ورفاقه، وعرفوا أن مطالبهم يجب أن تُسمع. أسسوا جمعيةً أسموها "المنتدى الثقافي لحالات ذوي الاحتياجات الخاصة"، وسافروا إلى لبنان والأردن لحضور ورشات وتدريبات عن ذوي الإعاقة، وفي مجال السياسة الاجتماعية والحوكمة، بإشراف المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية، ليتحول إلى مدافعٍ شرسٍ عن حقوق هذه الفئة المهمشة في المجتمع.

وقعت الحرب. كان ثائر قبلها يعاني في بلاد لا تُقيم اعتباراً لذوي الإعاقة، فكيف الحال في خضم معارك أتت على كُل شيء، ولم تميّز بين مدني وعسكري. شعر بأنه مُكبّل تماماً. لم يعد يغادر البيت، فعدا عن المعارك، كانت حواجز النظام لا ترحم، ولا تُميّز بين الناس. الكُل عرضة للاعتقال وللذل، يقول.

انزوى ثائر في منزله الذي تعرّض فيه أكثر من مرّة للخطر الآتي من الاشتباكات القريبة بين فصائل المعارضة وقوات النظام في عملية تحرير مدينة سلقين في صيف 2012، بالإضافة إلى انعدام مصدر الرزق، فحاول بصعوبة أن يُكمل بعض ورشات التدريب، كي يستطيع على الأقل الحصول على ما يكفيه لكي يعيش.

بدأت حياة ثائر تعود إلى مسارها الطبيعي، بعد تحرير مدينة سلقين من قوات النظام، وتلاشي الحواجز المحيطة بها. عاد ليتجول ولو بصعوبة، وليمارس الأنشطة التي اعتاد عليها سابقاً، ويقوم بتأسيس مركز للأطفال ذوي الإعاقة في مدينة سلقين، عام 2017.

تقدّر الأمم المتحدة أن ثلث سكان سوريا اليوم، هم من الأشخاص ذوي الإعاقة على اختلافها، إذ تتحدث عن أن أعدادهم تصل إلى 3.7 مليون شخص يعيشون في ظل أزمة اقتصادية وضعت أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر.

من يعِش في المخيم اليوم، وهو من ذوي الإعاقة، هو فعلياً مُكبّل. فبيئة المخيمات وأرضها لا تسمحان بأن يتحرك كما يريد. في الكثير من الأحيان، لا يستطيع الحركة حتى، فيما الوصول لاحتياجاته أشبه بمغامرة

يأسف بلال للتزايد الكبير والمستمرّ في أعداد ذوي الإعاقة، نتيجة القصف والعنف اللذين يطالان شرائح كبيرة من السوريين. يقول: "من يعِش في المخيم اليوم، وهو من ذوي الإعاقة، يواجه مشكلات كثيرة. وهو فعلياً مُكبّل. فبيئة المخيمات وأرضها لا تسمحان لشخص يتنقل على كُرسيّ متحرك، بأن يتحرك كما يريد. في الكثير من الأحيان والأماكن، لا يستطيع الحركة بمفرده، كما أن المرافق الصحية في المخيمات في غالبيتها لا تناسب هذه الفئة المهمّشة أساساً، والوصول إليها أشبه بمغامرة".

يردّ الدكتور مأمون سيد عيسى، مدير القسم الطبي في منظمة "عطاء"، تردّي أوضاع ذوي الإعاقة في شمال غرب سوريا، إلى أسباب عدة، منها "وجود نسب عالية، بل صادمة، من ذوي الإعاقة. ووفق تقرير ذوي الإعاقة في سوريا الصادر عن برنامج تقييم الاحتياجات الإنسانية في الأمم المتحدة عام 2021، فإن نسبة الإعاقة الواسعة في شمال غرب سوريا هي 28%".

تقدّر الأمم المتحدة أن ثلث سكان سوريا اليوم، هم من الأشخاص ذوي الإعاقة على اختلافها، إذ تتحدث عن أن أعدادهم تصل إلى 3.7 مليون شخص

يُضيف: "مرد هذا الأمر يعود إلى القصف الوحشي للنظام وحلفائه، وإلى نقص الوعي بأسباب الإعاقة، وإلى غياب الإستراتيجيات التي تعمل على التصدي للإعاقة، والحد من النسب المرتفعة لها، كما لاحظنا وجود فجوات كبيرة في الخدمات المقدمة على كافة المستويات؛ الصحة والتعليم والحماية، فضلاً عن غياب خطط المواجهة".

ويلاحظ عيسى أن "نسبة ذوي الإعاقة في المخيمات أقل منها في المناطق المأهولة، كما وجدنا أن غالبية المخيمات فقيرة بالخدمات، والعيش فيها صعب على ذوي الإعاقة، خاصةً في المخيمات العشوائية حيث لا توجد حمامات للاغتسال في جميع المخيمات التي زرناها، فضلاً عن غياب الطرق المعبّدة فيها، وتالياً يُصبح التنقل صعباً"، مُذكّراً بأن نسبة المخيمات العشوائية (المقامة ذاتياً)، من المخيمات كلها، هي 89% وفق قطاع المخيمات في الأمم المتحدة.

تزوج ثائر، ورزق بطفلين. هو مُستمرّ في مشروعه الذي لطالما حلم به، فمركز تعليم الأطفال المعاقين الذي أسسه، يقدّم الرعاية التعليمية النفسية للأطفال الذين يعانون من مرض التوحد، ومتلازمة داون، والتأخر العقلي، وفرط الحركة، وتشتت الانتباه، والإعاقة السمعية، واضطرابات النطق، والإعاقة الحركية، وصعوبات التعلم، فيقدّم المركز خدمة العلاج والتأهيل السلوكي، بالإضافة إلى جلسات التخاطب.

يقول ثائر: "أعمل موظف استقبال في مركز اجتماعي لذوي الإعاقة أيضاً. أنا اخترت هذا الأمر. أردت أن أكون أوّل من يلتقي به ذوو الأطفال من ذوي الإعاقة. شعرت بأن في استطاعتي مساعدتهم ليتخطوا صدمتهم النفسية أولاً، وبأن وجودي يُمكن أن يعطيهم جرعةً من الأمل في بلاد فُقد فيها الأمل منذ زمن".

هو دائم الابتسامة. يحاول قدر الإمكان أن يكون إيجابياً، وألا يدع الإحباط يتسلّل إليه، وإلى من هم حوله ممن بدأوا يثقون به وبما يفعله. يقول: "لن نستسلم. نحن نريد الحياة مثلنا مثل كل الناس، ونستحق ذلك. علينا أن نكون أقوياء، ونحيا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard