انسحاب إيران من جنوب سوريا وهم... وقائع ووثائق تُثبت توسعها!

الأربعاء 8 ديسمبر 202105:30 م

سيطرت قوات النظام السوري، مع نهاية تموز/ يوليو 2018، على محافظة درعا، بعد اتفاقٍ برعاية روسية، وموافقة إقليمية ودولية، في محاولةٍ لإيجاد حلٍّ للصراع في المحافظة الجنوبية التي تُعدّ البوابة الكبرى للوصول إلى السعودية ودول الخليج العربي، والتي تسبّب إغلاقها لسنواتٍ، بخسائر لمختلف الأطراف.

وكان أحد أهم البنود التي تم الاتفاق عليها، ابتعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الأردنية، وعن الحدود مع الجولان السوري، مسافةً لا تقلّ عن 80 كم، وسط خوفٍ من تغلغل الميليشيات بشكلٍ عابر للحدود، نحو السعودية، ودول الخليج العربي.

في 7 تموز/ يوليو 2020، وُقِّعت اتفاقية عسكرية بين النظام السوري وإيران، لتعزيز التعاون العسكري، وتتضمن تطوير أنظمة صواريخ للدفاع الجوي الإيراني، ونشرها في سوريا، خاصةً بعد الاستهداف المتكرر لمواقع عسكرية إيرانية في الأراضي السورية.

قام الحرس الثوري الإيراني بنشر بطاريات صواريخ للدفاع الجوي، شمال محافظة درعا، والتي تبعد عن الحدود الأردنية نحو 80 كم، ويُشرف عليها ضباط وعناصر من الحرس 

وبموجب هذه الاتفاقية، قام الحرس الثوري الإيراني بنشر بطاريات صواريخ للدفاع الجوي، في فوجٍ عسكري سوري بالقرب من بلدة جباب في شمال محافظة درعا، والتي تبعد عن الحدود الأردنية نحو 80 كم، والذي يُعرف بالفوج (89)، ويشرف على هذه الصواريخ ضباط وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، ويعملون بشكلٍ مستقلٍّ عن السوريين فيه.

وتتم حراسة الفوج من قبل قواتٍ خاصةٍ تابعة لحزب الله اللبناني، ويُعدّ مهماً للإيرانيين، لأسبابٍ عدة، إذ تتبع له قطعات عسكرية عدة، محيطة به، كما أن له مداخل ومخارج عديدة، ما يمنح سهولةً في الحركة والتمويه، فهو يشرف من جهةٍ على الطريق الدولي "أوتستراد دمشق-درعا"، ويشرف من جهةٍ ثانيةٍ على طريق دمشق-درعا القديم، الذي يحاذي العديد من المدن والبلدات في المحافظة، بالإضافة إلى قرب الفوج من العاصمة دمشق، والتي لا تزيد المسافة بينهما عن 30 كم.

تتم حراسة الفوج من قبل قواتٍ خاصةٍ تابعة لحزب الله، ويُعدّ مهماً للإيرانيين، إذ تتبع له قطعات عسكرية عدة، محيطة به، كما أن له مداخل ومخارج عديدة، ما يمنح سهولةً في الحركة والتمويه

وهناك ميزة أخرى، هي وجود مستودعات يستخدمها الحرس الثوري لتخزين الأسلحة، تُعرف بمستودعات "777"، وهي محصّنة طبيعياً أسفل إحدى التلال، ما يقيها من خطر الضربات الجوية. وكان الفوج قد استُخدم من قبل النظام لقصف الغوطة في ريف دمشق بصواريخ أرض-أرض، خاصةً في العام 2013.

لا ينحصر هذا الوجود في منطقة جباب، إنما في مناطق أخرى، كالصنمين، حيث يسيطر الإيرانيون على الفرقة التاسعة هناك، وهي فرقة قوات خاصة، شاركت في العملية العسكرية الأخيرة في درعا البلد، وكان قصفها أشد فتكاً من قصف الفرقة الرابعة، خاصةً من جهة مخيم درعا، وحي طريق السد، وحاولت أكثر من مرةٍ اقتحام هذه الأحياء.

لم تخرج الميليشيات الإيرانية من جنوب سوريا، حتى تعود إليه، ولم تتعدَّ التفاهمات الإقليمية والدولية لإخراجها، ما يعلن عنه الروس، وحتى الإيرانيون، عن أنه ليس لديهم وجود في جنوب سوريا، ولا يتعدى كلامهم أن يكون ذرّاً للرماد في العيون، لإيهام العرب والمجتمع الدولي بأن روسيا تسيطر كلياً على مفاصل الجنوب كلها، في حين لا تعدو هذه السيطرة أن تكون شكليةً فحسب، ولها مهمة تلميع النظام السوري، لإعادة دمجه عربياً وإقليمياً.

في الحقيقة، كل ما فعلته إيران هو سحب قسمٍ من عناصرها من غير السوريين، بينما يتوزّع آخرون ليذوبوا في القطعات العسكرية التابعة للنظام

وفي الحقيقة، كل ما فعلته إيران هو سحب قسمٍ من عناصرها من غير السوريين، بينما يتوزّع آخرون ليذوبوا في القطعات العسكرية التابعة للنظام السوري، كلما اقتربت هذه القطعات من الحدود، ولتظهر علناً في القطعات التي تبعد عن الحدود نحو 80 كم.

عملت إيران، منذ العام 2012، على التغلغل الهادىء في الجنوب السوري بشكلٍ عام. فبالإضافة إلى الوجود العسكري، تعمل في اتجاهاتٍ أخرى أكثر أهميةً، إذ جنّدت العديد من الأشخاص لشراء الأراضي والعقارات في مناطق مختلفة من درعا، وخاصةً على الطريق الدولي الواصل بين دمشق ومعبر نصيب الحدودي، بالإضافة إلى عقارات سكنية في مختلف المدن والبلدات.

تمكنت الميليشيات من الوصول إلى دوائر حكومية عن طريق بعض الموظفين من خلال سماسرة لتثبيت شراء عقارات لصالحهم 

ويؤكد قيادي سابق في المعارضة المسلحة في درعا أن "الميليشيات الإيرانية وحزب الله استطاعوا تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين السابقين عبر الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية من جهة، وعبر تجنيد مباشر في صفوف حزب الله من جهة ثانية"، ويوضح أن "العناصر المجندين في صفوف الحزب يعملون بطريقة المناوبات لمدة 15 يوماً في العمل و15 يوماً إجازة".

وتمكنت الميليشيات من الوصول إلى دوائر حكومية خاصة مديرية المصالح العقارية عن طريق بعض الموظفين من خلال سماسرة لتثبيت شراء عقارات لصالحهم بأسماء سماسرة سوريين. أما بالنسبة لمعبر نصيب فهناك مفرزة للمخابرات الجوية وهي أحد أذرع حزب الله في الجنوب السوري. بحسب القيادي. 

عمدت إيران بعد تسوية 2018 إلى تجنيد أعدادٍ كبيرة منهم تقدَّر، حسب ناشطين داخل المحافظة، بنحو ألفي شخصٍ من أبنائها، يتوزعون في مناطق مختلفة

واستفادت إيران من تسوية 2018، وبقاء عددٍ كبير من مقاتلي المعارضة من دون عملٍ، أو رواتب، فعمدت إلى تجنيد أعدادٍ كبيرة منهم تقدَّر، حسب ناشطين داخل المحافظة، بنحو ألفي شخصٍ من أبنائها، يتوزعون في مناطق مختلفة، ولهم مهام مختلفة، ويتقاضون رواتب تصل إلى 250 دولاراً شهرياً. وقد أكد تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال صادر في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، هذا الأمر.

وورد في التقرير، أنّ حزب الله وإيران يفهمان "أنّ اللعبة الفائزة هي لعبة الأرض: تحتاج إلى دمج نفسك في المجتمعات، وتحتاج إلى بناء وجود، وإلى أن تكون جزءاً من الاقتصاد والبنية التحتية المحلية، وهذا الوجود، بالإضافة إلى لبنان، سيكون نقطة ارتكاز الصراع المقبل".

لذلك، عمل الإيرانيون على شراء ولاء هؤلاء المقاتلين، كما قاموا بشراء ولاء كثيرين من الموظفين الحكوميين، في الدوائر الحكومية كلها في المحافظة، بدءاً من مديرية المصالح العقارية، وصولاً إلى معبر نصيب الحدودي.

ومن جهةٍ ثانية، فقد عمل الإيرانيون على تشييع عددٍ كبيرٍ من الأهالي، مستغلّين حالة الفقر التي خلّفتها الحرب، وتُعدّ بلدة قرفا في ريف درعا الشمالي، أهم بؤر العمل على تشييع أبناء حوران، فهي مسقط رأس اللواء رستم غزالي، المقرَّب سابقاً من حزب الله اللبناني. وحالياً، يعمل عدد من أقاربه على نشر التشيّع، بدعمٍ لا محدود من إيران وحزب الله.

عمل الإيرانيون على تشييع عددٍ كبيرٍ من الأهالي، مستغلّين حالة الفقر التي خلّفتها الحرب، وتُعدّ بلدة قرفا في ريف درعا الشمالي، أهم بؤر العمل على تشييع أبناء حوران

وقدّمت إيران مبالغ كبيرة من أجل ذلك، ولا تزال تفعل حتى الآن، وقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط، في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، عن تقريرٍ جديدٍ للاستخبارات الإسرائيلية، أن "النشاط الإيراني آخذ في الاتّساع حالياً، خصوصاً في منطقتَي جنوب سوريا وشرقها، وكذلك بالقرب من الحدود مع لبنان، حيث تقوم جهات بشراء بيوت وأراضٍ بأعداد هائلة، ويأتون بسكّان جدد من إيران، أو من مجموعات سكانية شيعية أخرى من بلدان عدة في المنطقة، مثل العراق وأفغانستان واليمن، وغيرها، كما يستغلّون الضائقة المالية للسكّان المحليين، فينشئون الجمعيات الخيرية لإغرائهم".

قام حزب الله بتشكيل مجموعات في مناطق متفرقة في درعا والقنيطرة، تعمل على تسهيل عمل الحزب الأمني وتشرف على تجارة المخدرات

ويضيف التقرير أن "جهاتٍ إيرانيةً، أرسلت في الشهور الأخيرة، حقائب مليئة بالدولارات إلى جهات عدة في البلدات السورية الجنوبية، في منطقتَي حوران والجولان، بغرض تجنيدها لأهدافها السياسية والعقائدية، وهذه الأموال وصلت إلى عددٍ من قادة المجتمع في مدينة السويداء، أبناء الطائفة العربية الدرزية، الذين عُرف بعضهم بتأييدهم للنظام، وراحوا يظهرون تحولاً نحو إيران وحزب الله اللبناني. كما وصلت الأموال إلى قادة بلدة قرفا التي نجحت إيران في تحويلها من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي، وإلى جهاتٍ أخرى تسعى إلى تجنيدها، أو تشييعها، واستخدامها في تسهيل مهمات حزب الله".

تشير وثيقة مسرّبة من فرع الأمن العسكري في درعا، حصل رصيف22 على نسخةٍ منها، إلى قيام القيادي في حزب الله المعروف بالحاج ولاء، وهو لبناني الجنسية، بتشكيل مجموعات عدة في مناطق متفرقة في درعا والقنيطرة، في العام 2018، تعمل على تسهيل عمل حزب الله الأمني، وتشرف على تجارة المخدرات، وعلى تجنيد المقاتلين. وتم تشكيل المجموعات خلال اجتماع للحاج ولاء في حقل كريم للرمي في منطقة اللجاة، شمال شرق درعا.

الوثيقة: 

ويُعدّ الحاج ولاء رجل المهمات الصعبة لحزب الله في جنوب سوريا، ويتبع من حيث التسلسل القيادي للحاج هاشم "منير علي النعيم"، وهو قيادي في الحزب، لبناني الجنسية أيضاً. ويُعدّ الحاج ولاء مسؤولاً عن إنشاء مقرّات الحزب، ومشرفاً على نقل السلاح والذخيرة.

ويتنقل الحاج ولاء، الذي لا يتجاوز الثلاثين من عمره، حسب ما أكد شهود رأوه في منطقة اللجاة، لرصيف22، بين مناطق عدة، منها السيدة زينب في ريف دمشق، وقيادة الفرقة التاسعة في الصنمين، والفوج 137 التابع للفرقة السابعة في منطقة زاكية في ريف دمشق الغربي، وهو مقرّ عمليات رئيسي للميليشيات الإيرانية، سبق وزاره قائد فيلق القدس الإيراني الراحل قاسم سليماني، بين عامي 2015 و2016. 

نفّذ حزب الله، وميليشيات إيران، انسحاباتٍ وهميةً من محافظة درعا، خاصةً بعد التسوية الأخيرة، كان هدفها إيهام الدول الإقليمية والمجتمع الدولي بالابتعاد عن الحدود الأردنية

ونفّذ حزب الله، وميليشيات إيران، انسحاباتٍ وهميةً من محافظة درعا، خاصةً بعد التسوية الأخيرة، كان هدفها إيهام الدول الإقليمية والمجتمع الدولي بالابتعاد عن الحدود الأردنية، وعن حدود الجولان السوري، في محاولةٍ لإعادة علاقات النظام بالدول العربية من جهة، ولتخفيف العقوبات الأمريكية، ومحاولة تجنّب القصف الإسرائيلي، من جهةٍ أخرى، في وقت تُثبت الوقائع زيف ما يتم ادّعاؤه عن إخلاء الجنوب السوري من هذه الميليشيات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard