عشائر بعلبك-الهرمل... من البيارق إلى سطوة حزب الله

الثلاثاء 18 يناير 202209:06 ص

"أنا عتيقك". بهذه العبارة التي تعني "اعفني"، انتهى إشكال ثأر وعُقدت مصالحة بين عشيرتي ناصر الدين وعلّوه في الهرمل.

يروي أحد المصلحين من عشيرة آل دندش لرصيف22 أنه "عندما قال الجاني لذوي القتيل أمام جمع من العائلتين ‘أنا عتيقك’، انتهى الإشكال"، مضيفاً أن "الصفح عن المرتكب في هذه الحالة هو القاعدة العشائرية".

عادات وقِيَم عديدة في الأصول العشائرية يتحدث عنها دندش الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الأول، تبدأ من حماية الحق والحفاظ على الجيرة وواجب الدفاع عن العائلات الصغرى إذا ما تعرّضت إلى غبن أو اعتداء لتصل في حدّها الآخر إلى الثأر والاقتصاص العائلي من الجناة في حال قَتلوا أحد أفراد العشيرة.

مجموعة مسلحين ينتمون إلى عشيرة آل شمص في بعلبك.

يروي دندش حادثة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، شكّلت نقلة نوعية في مفهوم الأخذ بالثأر لدى العشائر، فبعد أن كان الثأر لا ينحصر بالجاني ويمتد إلى كل عائلته، أرست عشائر بعلبك-الهرمل قاعدة جديدة تقتضي الاقتصاص من الجاني نفسه فقط. هذه القاعدة تجلّت إثر مقتل حسن طعان دندش على يد مخايل روفايل، وردّ عشيرة دندش بقتل الجاني حصراً دون المساس بعائلته.

قوى الضبط

يقول الباحث الاجتماعي ومؤلف كتاب "العشيرة دولة المجتمع المحلي/ عشائر جرد الهرمل" الدكتور فؤاد خليل لرصيف22 إن "حلّ الخلافات العشائرية يرتكز على سعي قوى الضبط إلى تسوية من أجل الحفاظ على البنية العشائرية من الفناء نتيجة استفحال الاقتتال".

قوى الضبط هذه، بحسب خليل، هي ما اتُّفق عليها اصطلاحاً في الوسط العشائري بـ"مجالس الصلح" التي تتكوّن من "زعماء الأفخاذ العشائرية والوجهاء الذين يمتلكون تجربة في مجال حل النزاعات".

لمجالس الصلح أسسٌ تعتمدها في حل النزاعات، إذا ما استُبعد خيار الثأر. ويكون الصلح، "إما بموجب ‘الدية’ وهي مبلغ من المال تدفعه عائلة الجاني لعائلة الضحية، أو بتسليم الجاني لأجهزة الدولة وبالتالي إلى القضاء، وأحياناً تأتي عائلة القاتل به إلى منزل القتيل وتُحمّله كَفَنَه ما يوجب عرفاً على عائلة القتيل أن تقبل المصالحة"، يقول خليل.

وقياساً على الحادثة التي رواها دندش، فإن عبارة "أنا عتيقك" تُعتبر وفق القيم العشائرية بمثابة لبس الكفن، وتوجب بالتالي على العائلة المعتدى عليها مصالحة المعتدي.

في ستينيات القرن الماضي، برز في الوسط الشيعي اسم موسى الصدر. قدم السيّد المولود في إيران لعائلة علماء دين تعود أصولهم إلى جبل عامل (جنوب لبنان) إلى لبنان أواخر عام 1959، واستطاع خلال أعوام قليلة احتلال مركز الشخصية الشيعية اللبنانية الأبرز، ومعه تحوّل شيعة لبنان إلى طائفة بكل ما للكلمة من معنى.

من أولى الأشياء التي أسسها الصدر كانت "هيئات التحكيم للخلافات العشائرية"، وذلك عام 1966، عبر زيارات قام بها للقرى والعائلات الشيعية، و"نسج علاقة ودية مع آل حمادة والعشائر التي تعنى بحل النزاعات العشائرية"، يوضح الكاتب والأكاديمي اللبناني وضاح شرارة لرصيف22.

مؤخراً، عندما عملت العشائر على إعادة تفعيل دور مجالس الصلح، استطاع حزب الله أن يخرقها من خلال جماعاته التي أصبحت متغلغلة في كل العشائر، ما أدى إلى إناطة دور قوة الضبط المجتمعي بحزب الله عملياً. يتجلى ذلك في واقع أن غالبية المصالحات العشائرية في بعلبك صارت تتم برعاية رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله الشيخ محمد يزبك.

"حزب الله صار البديل الفعلي لمجالس الصلح"، يقول الرئيس السابق لبلدية مقنة فادي المقداد لرصيف22 مضيفاً: "أي مصالحة لا تتوَّج بحضوره تبقى غير ناجزة، فهو اللاعب الأقوى بعلبكياً في السياسة والجذب الديني، فضلاً عن نفوذه ومَونته على أجهزة الدولة بقاعاً".

ما هي العشيرة؟

يعرّف خليل العشيرة بأنها "مجموعة قرابية تقيم في مكان مشترك، ويجمعها الانتماء إلى نَسَب واحد، وتوحّدها رابطة عصبية كرباط مجتمعي وظيفته المدافعة عنها كوحدة مجتمعية سياسية تمتلك سلطة مستقلة"، ويتابع أن العشيرة "ذات نظام تكافلي بين أفخاذها وأجبابها بحيث تقوم أصول المعاملات بين أفرادها من جهة ومع الخارج من جهة أخرى على أساس المرجعية العَصَبية، كما تُعتبر بنيوياً تنظيماً اجتماعياً سياسياً له آلياته".

ويشير خليل إلى أن "عشائر جرد الهرمل كانت موجودة في منطقة جبيل كعناصر بزعامة الحمادية السياسية (نسبة إلى آل حمادة) التي كانت تلتزم جباية الضرائب وتقديمها للسلطنة العثمانية، إلى أن جاء الأمير يوسف الشهابي عام 1772، فاختلفت معه العشائر على النفوذ السياسي، ما أدى إلى تهجيرها إلى جرد الهرمل، وانتشر أبناؤها في الجانب الشرقي لسلسلة جبال لبنان الغربية، حيث استوطنت كل مجموعة عصبية في مقطع طولي عُرف بالحمى".

عام 1926، وقع ما يُعرف بـ"معركة وادي فيسان" بين عشائر بعلبك-الهرمل من جهة والقوّات الفرنسية من جهة أخرى. شكّل ذلك الحدث بداية استقلال العناصر العصبية عن السلطة الحمادية المركزية، فتشكل بيرقان حماديان هما البيرق الشمصي ويضم آل شمص، آل علّوه، آل دندش، آل علام، آل عواد، آل ناصر الدين، آل علاء الدين؛ والبيرق الزعيتري الذي يضم آل زعيتر، آل جعفر، آل نون، آل أمهز، آل المقداد، آل الحاج حسن، آل شُرَيف، وآل رباح. وتنتمي كل هذه العشائر بقسميها إلى عصبية عامة أوسع تُعرف بالعشائر الحمادية.

مدى نفوذ العشيرة تشكّله عناصر عدّة، ليس عدد أبنائها الأساسي بينها، بل يتأتي النفوذ من "قوّة العصبية ومدى ممارستها للعنف"، بحسب خليل. وفي العقود الأخيرة، تراجع مفهوم العنف لدى عدد كبير من العشائر، نتيجة لأثر التعليم وغيره من المظاهر المدنية.

العشائر والسياسة

لبست العشائر منذ زمن الرداء الحزبي، وكان الانتماء الحزبي في بعض الأحيان بمثابة وصم للعشيرة أكثر مما هو حقيقة لها مفاعيلها على الأرض. فآل أمهز في اللبوة، على سبيل المثال، صُبغوا بالشيوعية إذ دار بعضهم في فلك الحزب الشيوعي نتيجة تبوّؤ حافظ أمهز منصب مسؤول عسكري حزبي في البقاع، وعشيرة علّوه اكتست بطابع حزبي مزدوج: الأول بعثي عراقي من خلال حسين محمود علّوه، ذي التأثير داخل عشيرته، والثاني سوري قومي اجتماعي بسبب مفضل علّوه، عميد الدفاع في الحزب السوري القومي الاجتماعي في السبعينيات.

"في فترات التأسيس الأولى (1982)، استغلّ الحرس الثوري الإيراني النداء الذي وجهه الرئيس اللبناني آنذاك إلياس سركيس للدول الصديقة بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فتوجه فصيل منه إلى لبنان عبر سوريا واستوطن في قرى بعلبك-الهرمل"

حاولت الأحزاب العلمانية اللبنانية تغيير العقلية العشائرية، على اعتبار أن ابن العشيرة الحزبي هو مواطن ينتمي إلى المجتمع الحديث، فاصطدمت مساعيها، بحسب خليل، بـ"الواقع القبلي للمجتمع"، وجرت في أحيان كثيرة "محاولات للمواءمة بين الحزب والعشيرة"، انتهت عملياً إلى الفشل مع اضمحلال هذه الأحزاب وتصدّر الأحزاب الطائفية للمشهد العام، وهي أحزاب "لا تتعارض مع الانتماء التقليدي العشائري لأن العشيرة تجدد نفسها من خلال إعادة إنتاج كل الولاءات الأخرى".

"ثنائي حزب الله وأمل لم يكن يوماً نقيضاً للفكر العشائري بالمطلق"، يقول خليل، "لكن لكل منهما طريقته في الدخول إلى قلب العشائر. فدخول حركة أمل كان من خلال ‘أجباب السلطة’ في العشيرة، ومثال على ذلك زعامة الشيخ نواف ناصر الدين التاريخية في عشيرته وهي زعامة ساعدته حركة أمل في تعزيزها. أما حزب الله فتمدد إلى العشائر عبر الأجباب الطرفية أو الصف الثاني"، أي الأجباب التي لم تكن تمتلك مكانة مهمة وسلطة في المنظومة العشائرية.

وعن علاقة عشائر بعلبك-الهرمل بالسياسة، يشير الوزير اللبناني السابق والأكاديمي طراد حمادة إلى أن "العشائر كجماعة اجتماعية لم تكن مغلقة على الأحزاب ولا على العمل السياسي، بل ساعدت وحدتها العصبية على نمو ملفت للأحزاب بين الشباب ما أدى إلى تحوّل هذه العشائر إلى قوة حزبية فاعلة".

ويلفت حمادة إلى أن مشاكل كانت تقع بين قيادات الأحزاب الشابة وزعماء العشيرة، مضيفاً لرصيف22 أنه كانت "توجد حلول سريعاً لها وكان يُعقد التوافق على إدارة أي خلاف بطريقة سلسة وناجحة في أغلب الأحيان".

في الشق "العسكري"، يلفت حمادة إلى أن "العشائر كقوة عسكرية محلية كانت محل اهتمام الأحزاب وأجهزة المخابرات اللبنانية والسورية، واشتركت في كل الصراعات اللبنانية، وكان ثمة دور أساسي أيضاً للزعامات التقليدية، فقد كان رئيس مجلس النواب الأسبق صبري حمادة عربياً وشهابياً ومن قادة ثورة 1958"، في عهد الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون، وهي نوع من انتفاضة على سعي الأخير إلى إلحاق لبنان بالمعسكر الغربي والولايات المتحدة حينذاك.

ويذكر حمادة أن "الحزب السوري القومي كان حينذاك على تفاهم مع التيار الشمعوني، ونشبت صراعات دامية بينه وبين الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان له أنصار في بعلبك من آل ياغي، ومع الحركة الشعبية في عرسال، ودارت معارك على الجرود المشتركة بين عرسال والنبي عثمان".

وفي السياق "العسكري" أيضاً، يشير حمادة إلى أن "المنطقة شاركت مع كل الأحزاب خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، وكان للثورة الفلسطينية وبشكل خاص حركة فتح تأييد كبير فيها"، ويضيف أن "قوة الأحزاب في بعلبك-الهرمل بقيت قائمة ولم تصطدم بالعشيرة".

وكان لعشائر بعلبك-الهرمل دور كبير في تحوّل "حركة المحرومين" التي أسسها موسى الصدر وصارت لاحقاً "حركة أمل" وحزب الله، إلى أحزاب نافذة في الطائفة الشيعية. ويردّ طراد حمادة الأمر إلى دور هذه الأحزاب في مقاومة إسرائيل: "ظروف الجنوب الخاصة في مراحل الصراع العربي-الإسرائيلي جعل من منطقة بعلبك الهرمل ومن العشائر القوة الأساسية في مراحل الإعداد والتأسيس والتدريب والتجهيز، وساعدت العصبية العشائرية في تأمين حماية للحركة السياسية".

 السيّد موسى الصدر في مرجة رأس العين في مدينة بعلبك.

المد الأوّل

يقول وضاح شرارة إن "الموقع العشائري العام هو موقع مناهض لأي سلطة، سواء أكانت محلية أو أجنبية، تسعى إلى تركيز السلطة من جباية، عسكر، وإدارة. ولكن هذا الموقف لا يمكن الاحتفاظ به عندما تتمكن السلطة من استخدام نفوذها العسكري القاهر. في هذه الحالة يُفتح باب على طور جديد من العلاقة، قائم على محاولة اقتطاع العشائر حصة لها في السلطة، عبر الموارد والوظائف، وهذا الأمر يعطي نوعاً من الانخراط الاجتماعي والسياسي في أجهزة الدولة التي دخلت في صلب المجتمع".

وبالتالي، يتابع شرارة، "يصير حصول العشائر على حصة من موارد الدولة هدفها الأساسي". أما الأمر الثاني الذي قرّب العشائر من السلطة، برأيه، فـ"هو استبعاد وسائل السيطرة التي تفكك المجتمع العشائري، إذ جرى احترام القيم العشائرية من قبل كل الذين تعاقبوا على السلطة في لبنان وصولاً إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب".

عام 1949، حاول رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة الانقلاب على السلطة اللبنانية. يشير شرارة إلى أن تلك المحاولة ارتكزت على ثلاثة أطرف: حسني الزعيم في سوريا، أنطون سعادة، والطرف الثالث كان العشائر، ويضيف: "هذه العوامل دفعت فؤاد شهاب بعد فشل الانقلاب إلى الاهتمام بالعلاقة مع العشائر من خلال توزيع المال، التعيينات، غض النظر عن التهريب، بما يشبه الميزان النسبي مع العشائر".

شكّلت الفترة الشهابية (بين عامي 1958 و1964)، وفق شرارة، "انعطافاً شكلياً ولم ينتج عنها ما طمح إليه شهاب، إذ لم يتم بسط سلطة الدولة على الأطراف كما كان يسعى، ولم تتمكن العشائر من فرض إدارتها الذاتية".

من جانبه، يعتبر حمادة أن "العهد الشهابي اهتم بالعشائر من وجهة نظر أمنية باعتبار أنها قوّة عسكرية محلية تسكن مناطق حدودية ومحصّنة في أعالي الجبال، ومحرومة من كل أشكال التنمية والدولة غائبة عنها، أي لا وجود للدولة في مناطقها بمعنى الإدارات والخدمات والتنمية والبنية التحتية".

ويضيف: "كانت زراعة الحشيش قد بدأت بالازدهار في بعلبك-الهرمل، وكانت هذه المنطقة عسكرية تخضع لسلطة الجيش الذي يتولى فيها الأمن، وعملت الشهابية على تطويرها، من النظام الأمني إلى الإداري والسياسي، فأخذت عدة قرارات منها تعيين بطرس عبد الساتر مستشاراً للعشائر في القصر الجمهوري، وإعطائه صلاحيات واسعة، وإعطاء مخابرات الجيش صلاحيات واسعة وصلت إلى حد العمل على تشكيل اللوائح الانتخابية، وربط مجموعة من الشخصيات بعبد الساتر وضباط الشعبة الثانية (استخبارات الجيش)".

ويذكر حمادة أن من بين ضباط المخابرات كان هناك واحد معروف باسم "الضابط فرح"، في أبلح، وهي منطقة كانت تاريخياً مقرّاً للجيش في البقاع، فتحول مكتبه إلى مركز قيادة لكل شؤون منطقة بعلبك-الهرمل، وغضَّ النظر عن زراعة الحشيش، ورعى المشروع الأخضر لاستصلاح الأراضي وتأمين المياه.

الطريق إلى "الحالة الصدرية"

عندما دخل بعض أبناء العشائر إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، دخل طرفان من العشائر إليه، "واحد له الصدارة متمثل بأبناء زعماء العشائر كمشهور دندش على سبيل المثال، والطرف الثاني هو الشخص الضعيف الذي يحتمي بالحزب. فالعلاقة هنا جدلية، أشخاص أقوياء يزيدهم الحزب نفوذاً ويستفيد من قوّتهم داخل عشيرتهم، وأناس ضعفاء يستقوون بالحزب"، يوضح شرارة ويعلّق: "هذان العاملان جعلا من العشائر مسرحاً للتنازع الحزبي الحاد".

ومنذ زمن بعيد، نشأت علاقة بين العشائر والأنظمة السورية المتعاقبة. وبحسب شرارة، "بوابة هذه العلاقة كانت حمص، وضابط الأمن المسؤول عن المحافظة كان على علاقة ودية مع العشائر والقوميين الذين نشطوا في التهريب إلى سوريا".

ومع وصول حزب البعث إلى لبنان، في الخمسينيات، دخلت العشائر في مرحلة جديدة، إذ بدأ الشباب والشابات البعثيون يتجهون نحو التعليم، وينزحون إلى المدن، "ما أدى إلى تبدل الشكل المجتمعي للعشائر"، بحسب شرارة.

"ثنائي حزب الله وأمل لم يكن يوماً نقيضاً للفكر العشائري بالمطلق... لكن لكل منهما طريقته في الدخول إلى قلب العشائر. فدخول حركة أمل كان من خلال ‘أجباب السلطة’ في العشيرة، أما حزب الله فتمدد إلى العشائر عبر الأجباب الطرفية أو الصف الثاني"

وفي مرحلة "نجومية" جمال عبد الناصر ومشروعه القومي العربي، "لم يكن زعماء العشائر مقربين من المد الناصري، فانتماؤهم الشيعي جعلهم أقرب إلى الهاشميين"، بعكس الشباب المتعلمين "الذين كانوا في الصف الثاني أو الثالث في الترتيب العشائري".

شهدت الأعوام بين 1968 و1975 متغيّرات أفضت إلى إضعاف الأجسام العصبية العشائرية نتيجة الهجرة إلى المدينة ونشوء الضواحي وتفتت التماسك العشائري.

هذا التفتت والنزوح وتشكل الضواحي مهّد لانتشار حالة الإمام موسى الصدر، بحسب شرارة، "لأنه شيئاً فشيئاً غلّب الانتماء الجماعي الأوسع (الطائفي) على الانتماء العائلي المحلي".

ساهم الانتماء الطائفي في إنتاج ما يشبه فدرالية بين العشائر والمناطق، وبين شيعة البقاع وشيعة الجنوب. وشكّل "حزب الدعوة"، منذ عام 1957، المدماك الأول للشيعية الحزبية والسياسية في لبنان وسوريا والعراق، بحسب شرارة.

عام 1968، استصدر الصدر من الرئيس اللبناني شارل حلو مرسوم تشكيل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ليكون مرجعية للشيعة في لبنان، ما اعتُبر إقراراً من الدولة بدور الشيعة. كذلك، دخل الصدر في المنافسة على الوظيفة العامة واستعملها للموازنة بين حاجات الجنوب والبقاع، "ما حدا بالعشائر في هذه الحالة إلى الانبطاح أمامه بشكل كامل بسبب العامل الديني، والعامل المذهبي الشيعي الجامع والعامل السوري بحكم علاقاته الوثيقة بالضباط السوريين والتداخل بين بعلبك-الهرمل وحمص، ورفع لواء الزراعات البديلة (1968- 1974)"، يقول شرارة.

"كانت سياسة الصدر ترتكز على التوجه إلى الشيعة عموماً وتوحيدهم بشطريهم الجنوبي والبقاعي، وبمراتبهم الاجتماعية المختلفة، من خلال حزب جماهيري ضخم يكون طرفاً وازناً داخل الدولة"، يوضح شرارة، مشيراً إلى أن سياسة "الدائرين في الفلك الإيراني" الذين ظهروا لاحقاً في المشهد كانت مختلفة إذ كانت "انشقاقية عن الكيانية اللبنانية الشيعية، وداعية إلى التوحد تحت لواء الثورة الإيرانية".

"الثورة الإسلامية"

بداية اختراق حزب الله لقرى بعلبك، بحسب شرارة، أتت نتيجة عاملين: تأسيس حركة المحرومين ومن بعدها حركة أمل، وعامل آخر استند إلى فكرة أن الشيعية حركة فدرالية تجمع اللبنانيين وغير اللبنانيين.

من هذا المنطلق، يتابع شرارة، تشكلت نواة إيرانية ركيزتها كانت عند المرجع الشيعي الراحل السيد محمد حسين فضل الله، وتمثلت بقاعاً بحركة "أمل الإسلامية" التي كان يرأسها حسين الموسوي، وهو حالياً نائب ضمن "كتلة الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله.

يشير المحلل السياسي المقرب من حزب الله قاسم قصير إلى أن "مفاعيل سيطرة الثورة في إيران عام 1979 على مقاليد الحكم، لم تكن بعيدة عن الساحة البعلبكية، ففي الفترة الممتدة بين أعوام 1979 و1982، نشطت مجموعة رجال دين مؤيدة للثورة في قرى بعلبك-الهرمل، تحت مسمى ‘تجمع علماء البقاع’. وكان من أبرز شخصيات هذا التجمع الأشخاص الذين تعاقبوا على الأمانة العامة لحزب الله، كالشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي. في هذه الفترة افتتح تجمع العلماء حوزة دينية في بعلبك برئاسة الموسوي، والتحق فيها في ما بعد أمين عام حزب الله الحالي السيد حسن نصر الله".

وبحسب قصير، استمر نشاط تجمع العلماء المسلمين في البقاع كذراع فكري للثورة الإيرانية، وفي عام 1982، وبعد انشقاق حركة "أمل الإسلامية"، بقيادة حسين الموسوي، عن "حركة أمل"، أبصر حزب الله النور من نواة تجمع كل من تجمع العلماء وأمل الإسلامية.

ويروي لرصيف22 أنه "في فترات التأسيس الأولى (1982)، استغلّ الحرس الثوري الإيراني النداء الذي وجهه الرئيس اللبناني آنذاك إلياس سركيس للدول الصديقة بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فتوجه فصيل منه إلى لبنان عبر سوريا واستوطن في قرى بعلبك-الهرمل". 

عبّاس الموسوي في بعلبك، عام 1985.

ساهمت كل هذه المستجدّات في تمدد حزب الله في بيئة العشائر. فالحزب الذي أصبح يمتلك القوة والإمكانيات في المنطقة دخل بداية إلى العائلات الصغيرة التي وجدت فيه تعويضاً معنوياً يحقق لها توازناً مع العشائر الكبرى، ومع الوقت تضخمت بنيته التنظيمية والعددية، نتيجة تراجع حركة أمل بقاعاً في حقبة معاركه مع الأخيرة (1988-1990).

يقول قيادي بقاعي في "حركة أمل" إنه "بعدما سقطت الضاحية الجنوبية لبيروت في يد حزب الله، أقدمت حركة أمل على طرد قائدها العسكري عقل حميّة من صفوفها، إثر اتهامه بتسليم الضاحية للحزب. وأدى طرد حمية الذي له رمزية في الوسط البعلبكي والعشائري إلى خلخلة بنية ‘أمل’، وذهاب جزء منها للانخراط في صفوف خصم الأمس، بعد توقيع اتفاق سلام بين الطرفين في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1990، برعاية سوريا وإيران، بصفتهما الدولتين الراعيتين والداعمتين لطرفي النزاع".

انتخابات عنوانها الحزب

تفتتت العشائر كقوى "تنظيمية" وتماهت مع الحزب الطائفي، بحسب الدكتور فؤاد خليل الذي يشير إلى أن "الحزب الطائفي تماهى مع الانتماء التقليدي (العشائري) وأعطاه استقلالية اختيار الشخص الذي في نهاية المطاف هو في الموقع السياسي للطائفة، في إطار يشبه علاقة من الخدمات التبادلية بين العشيرة وبين مَن هم في موقع السلطة في الطائفة، وشيئاً فشيئاً في العشيرة".


أكبر إشارات هذا التفتت كانت دخول العشائر في "بيت الطاعة الانتخابية للطائفة، منذ انتخابات عام 1992، عندما تمثّل حزب الله بنواب في الندوة البرلمانية أمثال إبراهيم أمين السيّد وسواه"، بحسب رفعت المصري، وهو وجه سياسي محلّي ينتمي إلى بيت سياسي عشائري، ومرشح دائم في وجه الثنائي الشيعي.

يشير المصري إلى أن "حزب الله وحلفاءه يتقاسمون المقاعد النيابية في ما بينهم، ومصدر قوّة الحزب بين العشائر مرده إلى أسباب عدة، تبدأ من سطوة الخطاب المذهبي، ففي بلد مثل لبنان مقسم طائفياً، صارت الأحزاب التي تمثل الطائفة أشبه بالحامي للناس المتأثرين بالخطاب السائد، والذين يعتبرون أن كل مَن هو من خارج الفلك السياسي للمزاج العام في الطائفة عدو".

ويلفت إلى أن "حزب الله الذي يمتلك إمكانات مادية ضخمة نتيجة دعمه من دولة كبيرة أصبح يمسك فقراء بعلبك الهرمل ليس فقط من يد المقاومة ومنطق حامي الطائفة، بل من بوابة المال، ولقمة العيش. ففي هذه المنطقة المحاصرة بالبطالة وغياب التوظيف، لدى حزب الله آلاف المتفرغين، مع ما يحظى به المتفرغ من رواتب وتقديمات وسواها".

2005... عام التحوّلات

إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، وما استتبعه من انقسام عمودي في البلاد بين معسكري الرابع عشر من آذار/ مارس المنادي بتحقيق دولي خاص بالاغتيال وبانسحاب الجيش السوري من لبنان، والثامن من آذار بقيادة الثنائي الشيعي، تحت شعار "شكراً سوريا"، تمدد الانقسام إلى الميدان البعلبكي، فجيّش حزب الله البعلبكيين كما غيرهم من الشيعة ونقلهم في حافلات إلى بيروت.

بخطاب تجييش طائفي معطوف على خطاب أن "تدويل التحقيق" يهدف إلى الإطاحة بـ"المقاومة" ومن خلفها بالطائفة الشيعية، تمكن حزب الله من طرح نفسه حامياً للطائفة وبالتالي عنصراً "وجودياً" في المجتمع العشائري، وصار ممراً أساسياً للخدمات وللنفوذ السياسي في المنطقة، وتجلى ذلك في انتخابات 2005 النيابية التي كانت عشائرياً أشبه بالمبايعة له.

لم يكن عنصر السلاح العامل الوحيد في تعاظم نفوذ الحزب بين شباب العشائر، بحسب علي صبري حمادة، نجل رئيس مجلس النواب الأسبق صبري حمادة، الذي يرى أن "عناصر ثانية عززت دور الحزب، تبدأ بالرواتب الخاصة بالمتفرغين والعاملين في مؤسساته، إضافة إلى السيطرة على المدارس والجوامع ورجال الدين، ونجاحه في المماهاة بينه وبين التشيع بحيث أصبح بنظر أهالي القرى يحمل رمزية الشيعة وكل مَن يدور خارج فلكه السياسي ليس بشيعي".


واقع اليوم يختلف كثيراً عمّا كان يجري في الثمانينيات. يقول علي حمادة إنه عند "بروز حزب الله في المنطقة لم يكن يحظى بقبول في الوسط العشائري، خاصة أن الانتماء إلى العشيرة كان يطغى على أي انتماء سياسي آخر"، وكانت العشائر لا تزال بشكل عام أقرب إلى "حركة أمل"، وهو ما أظهرته المعارك بين حزب الله وبين عشيرة آل جعفر، عام 1990، والتي لم تنتهِ إلا بعد انتهاء المعارك بين مَن صاروا اليوم يسمّون "الثنائي الشيعي".

العشائر والثورة السورية

يربط علي حمادة مماهاة حزب الله بين نفسه وبين التشيّع مع ما حصل إبان الثورة السورية. يقول: "تعامَل الحزب بشكل متدرّج مع الثورة السورية، ففي مرحلة أولى سوّق لنظرية أن قرى شيعية سورية تدافع عن نفسها بوجه حركة سنّية، ثم في مرحلة ثانية سوّق لنظرية الدفاع عن المقامات الدينية الشيعية في وجه داعش، إلى أن جذب النسيج الشيعي البقاعي إلى خطاب أن كل الثوار في سوريا هم داعش مستفيداً من التفجيرات التي شهدها لبنان".

هذا الأمر، بحسب علي حمادة، "انعكس سلباً على العلاقة بين العناصر العشائرية الدائرة في فلك الحزب والقرى الشيعية من جهة، وبين قرى بعلبك السنّية من جهة أخرى، فالحزب قام بشيطنة أو ‘دعشنة’ بلدة عرسال وجَعَلها نقيضاً للنسيح الشيعي الأكثري في المنطقة".

يقول الحاج حسين (اسم مستعار) المنتمي إلى حزب الله وإحدى العشائر الكبيرة والمؤثرة بقاعاً: "زادت الحرب السورية من حالة الالتفاف الشعبي حول حزب الله، خاصة بعد استشعار العشائر بأن قراها وعائلاتها أصبحت مستهدفة من قبل القوى التكفيرية".

أضرار ناتجة عن تفجير سيارة مفخخة أمام مبنى السراي في الهرمل، في كانون الثاني/ يناير 2014.

ويشير إلى أنه "في بدايات الحرب، لم يعلن الحزب عن انخراطه المباشر في سوريا بل حاول إظهار إن أبناء العشائر في القرى الحدودية هم مَن يدافعون عن قراهم، مثال آل جعفر وناصر الدين وغيرهم في الهرمل وجرود بريتال وعرسال. لكن عندما لمس حجم المعركة وبدأت الأمور تتعقد اضطر إلى إعلان أنه منخرط بشكل مباشر في الحرب وأن العشائر تقف خلفه بما يثبت التماهي بينهم".

الحزب إلى جانب مؤيديه

في الصراعات العشائرية، "لا يقوم حزب الله كقيادة بتقوية طرف على طرف، لكن ما يحصل هو أنه عندما يكون فريق محسوب على مسؤول منطقة أو شعبة في الحزب، يجيّر هذا المسؤول طاقاته له، وبمعنى آخر تطغى هنا العلاقة الحزبية على العلاقة الحزبية-العائلية"، يقول المقداد.

أصبح التجوال في قرى بعلبك-الهرمل، أو ما يُعرف بـ"عرين العشائر"، يعني حكماً أن تمر تحت أعلام "حزب الله" وصور رعيله الذي انتقل من الحياة إلى "التخليد" بصور ما بعد الموت.

على طول القرى الممتدة بين بعلبك والهرمل، لا شيء يظهر على الطرقات وأعمدة الكهرباء سوى صور الموتى. البلدات التي كانت ترفع رايات البيرقين الزعيتري والشمصي، ولاحقاً أعلام الأحزاب العلمانية، سيطر عليها الرابط المذهبي الممتدّ، وصار الانتماء إلى "حزب الله" فيها وترديد خطاباته المعيار الأول للانتماء إلى المحيط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard