"تهجير شيعة لبنان"... كيف يستثمر "الثنائي" خوفاً تاريخياً ليُثبّت وجوده؟

الأربعاء 24 نوفمبر 202110:42 ص

في خندق الغميق، الحي الشعبي المهمّش الذي يجاور وسط مدينة بيروت ويطلّ عليه، وفي مبنى من عشر طبقات، يقطن الرجل السبعيني حسين عواضة في شقة صغيرة في الطابق الثامن.

حين زرناه، كان المبنى غارقاً في العتمة. لا شيء يظهر من الشقة سوى خيالات أثاث مُنهك كوجوه قاطني المنزل الذين انتقلوا سريعاً إلى الشرفة بحثاً عن قليل من الضوء.

في الطريق إلى البيت، وعلى ضوء الهاتف المحمول، برزت شعارات وعبارات مكتوبة على حواف الدرج، وإلى جانب أبواب المنازل. عبارات "دولة الرئيس نبيه بري" و"أفواج المقاومة" تحيل إلى أن ولاء معظم السكان لحركة أمل، فيما بعض الشعارات تُمجد حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله.

الإمام الحسين بن علي، وهو الإمام الثالث لدى الشيعة الاثني عشرية والذي قتل في موقعة كربلاء، حاضر في الطابقين الثالث والسادس، عبر شعارات عاشورائية تعلو الأبواب: "يا حسين" و"لبيك يا حسين".

جلس عواضة الذي يُعرّف عن نفسه بأنه كان مناصراً لـ"حركة المحرومين"، أيام "السيد موسى (الصدر)" ولم يعد كذلك اليوم، مطلاً من شرفته على وسط البلد، برفقة صديقه السبعيني. يتحدّر العم حسين من الجنوب اللبناني، من بلدة ميس الجبل، في قضاء مرجعيون. يقول إنه انتقل إلى بيروت عندما كان شاباً، قبل سنوات قليلة من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بسبب التهميش الحكومي الذي طال الجنوب اللبناني وباقي مناطق الأطراف.

"نزل" إلى بيروت للبحث عن عمل، كما يقول، مع معرفته بأن حظوظه ليست كبيرة، "لأنه كان ممنوعاً على الشيعة تولّي وظائف في الدولة، وكانت خياراتهم تنحصر بين العمل كعتّالين على المرفأ أو بائعي جرائد وكعك و‘ملبن وراحة’ (أنواع حلويات شعبية). وحتى العمل في هذه المهن لم يكن يجنّب أصحابها المضايقات من البلدية التي كانت تعتبر أن وجود الباعة المتجولين يشوّه صورة وسط البلد"، أي وسط العاصمة الذي يشرف عليه عواضة من شرفته من بعيد.

العم حسين مقتنع بأن حركة أمل أمّنت دخول الشيعة إلى وظائف الدولة، لكن "لناس وناس"، فهو لم ينل أي مساعدة "لا من الحركة ولا من الحزب" على حدّ قوله، مع أنه كان محتاجاً لها في أوقات معيّنة، ولا يزال.

يقول إن الشيعة كانوا "مضطهدين في الدولة"، لكن "الحرمان ولّد قوة" لدى الطائفة، "وصار لها كلمتها في الدولة". "تغيّر الواقع مع حركة أمل وحزب الله من الأرض إلى السماء"، بحسب تعبيره. فقد أعاد حزب الله، برأيه، للشيعة الثقة بأنفسهم كأبناء طائفة قادرة على الانتصار على إسرائيل وتحرير الجنوب. يقول ذلك فيما يجلس مع أولاده وزوجته بلا عمل في منزلهم المتآكل بفعل عوامل الزمن وسوء الحال الممتد منذ سنوات، منذ وصوله إلى بيروت هارباً من الجنوب باحثاً عن فرصة نجاة.



في كلام العم حسين سرديتان، يشعر من خلالهما كثيرون من الشيعة بأنهم مدينون لـ"حزب الله" وحركة "أمل". السردية الأولى ترتبط بالخوف الوجودي، ويؤمّن "حزب الله" تغذيتها وبها يبرّر فائض القوة لديه ومنها ينطلق ليتعهد بالذهاب بعيداً لحماية الطائفة، والثانية ترتبط بحضور الشيعة في مؤسسات ووظائف الدولة، وهو ما يسند كثيرون تحققه إلى حركة "أمل" ورئيسها نبيه بري.

هكذا، إلى جانب الحديث عن دور "أمل" في تأمين الوظائف للشيعة، يسترجع العم حسين ذكريات أليمة من أيام احتلال بلدته ميس الجبل، وقيام الإسرائيليين والمتعاملين معهم بإجبار والده العاجز على "العمل في حراسة المحال"، بعدما اضطر للبقاء في منطقة الشريط الحدودي المحتل إثر الاجتياح الإسرائيلي، عام 1982، فيما كان قد استقر هو وإخوته في بيروت منذ عام 1972.

حالَ الشريط الحدودي بينه وبين أهله، وصار مضطراً إلى أخذ إذن الإسرائيليين كل مرة يريد زيارتهم. ينتقل بسرعة بين الحروب كأنها مفاصل أساسية في تأريخ حياته: "قبل الحرب الأهلية"، "بعد الاجتياح الإسرائيلي"، "في عدوان عناقيد الغضب"... يقول إن حرب تموز/ يونيو 2006 عادت لتزرع الخوف في قلوب الشيعة من استهداف وجودهم من الإسرائيليين، خصوصاً في بداياتها، "لكن المقاومة أعادت المعنويات إلى الطائفة شيئاً فشيئاً وانتصرنا".

لا يكتفي بهذا القدر. هو أيضاً مُقتنع بأن هناك أطرافاً داخلية وخارجية كانت ترغب في التخلص من الشيعة من خلال الحرب الإسرائيلية في العام 2006، ولا تزال تنتظر أن تسنح لها الفرصة لتفعل ذلك.

إلى جانبه، يبتسم صديقه السبعيني الذي كان حاضراً، فيباغته العم حسين بـ: "عم تضحك يا أسعدي؟" (نسبة إلى آل الأسعد، وهي أسرة إقطاعية تزعّمت شيعة الجنوب طويلاً إلى أن أطاح بها الثنائي الشيعي). تظهر أسنان "الأسعدي" بضحكة أكبر هذه المرّة، ثم يتخذ وضعية جدية، في محاولة منه للتأكيد على أن التعريف به على هذا النحو، ليس مزحة. هو أسعدي فعلاً، في مبنى "تسيطر" عليه حركة أمل التي أطاحت بـ"الإقطاع الأسعدي"، وفي منزل صديقه الموالي للحركة. يستطرد همساً، وكأنه يفشي سرّاً: "بس للأمانة لولا الحزب والحركة كان وضعنا كشيعة بالويل".

"قجّة" المظلومية

يكرر كثيرون من الشيعة اللبنانيين من أنصار "حزب الله" وحركة "أمل" نفس الخلاصة التي أعلنها "الأسعدي". تكوّنت لديهم قناعة عبر السنين بأنهم مستهدفون ويعيشون طوال الوقت "على قلق" وكأن ريح التهجير والحرمان تحتهم.

يميّز المؤرخ والأكاديمي اللبناني وجيه كوثراني بين الشعور بالحرمان الذي عبّرت عنه حركة "أمل" مع الإمام موسى الصدر، "والذي يتضمن معقولية تاريخية وسياسية، وله مبرراته العقلانية"، وبين خطاب "الفوبيا" الذي سوّق له "حزب الله"، والمبني على اصطناع حوادث تاريخية وفرضيات غير موجودة من أجل تخويف الشيعة وشدّ عصبهم الطائفي بشكل دائم.

كانت استراتيجية الصدر، بحسب كوثراني، "في إطار سياسة معقلنة ومعتدلة وبلا ضجيج وبلا خطاب عدواني وبلا حرب أهلية. كان يعمل ضمن سياقات سلمية، وذهب ضحية هذه السياسة. كما أن استراتيجيته كانت قائمة على نوع من الطائفية المرنة أو المنفتحة والمتداخلة، من أجل القضاء على الحرمان، وكان في طريقه إلى الحل لولا الحرب الأهلية ثم الاجتياح الإسرائيلي ثم تأسيس حزب الله".

كان خط موسى الصدر لبنانياً وكان مؤمناً بالكيانية اللبنانية، بحسب كوثراني، وكان يوظف علاقاته العربية في هذا المشروع، بلا صدام مع الدول العربية، ولا مع الطوائف الأخرى. هذا عكس ما يفعله "حزب الله" اليوم تماماً، اذ يتصادم مع دول عربية كثيرة ومع الطوائف الأخرى، ويشهر السلاح لحلّ الأزمات، بدل الخطاب العقلاني السلمي.

"خوف الشيعة في لبنان لا يأتي من عدم... لكن الخوف شيء والتخويف شيء آخر. ومع سيطرة حزب الله، بات سلاح الإخافة والتخويف، يُستخدم لتمتين العصبية الشيعية في سياق الاستثمار السياسي"

يقول كوثراني: "عندما ظهر حزب الله في الثمانينيات، لم يكن الشيعة يعانون من الحرمان، بل كانت هناك بداية نهضة شيعية، ولم يكن هناك حرمان على مستوى مؤسسات الدولة، وكانت هناك مساهمات شيعية في تأسيس الضمان الاجتماعي مثلاً، وغيرها من المؤسسات. وكانت هناك نهضة فكرية على مستوى الشعر والأدب والتعليم". من هنا، يرى كوثراني أن "الفوبيا" من خطر محدق بالشيعة على مستوى الطائفة خلقها "حزب الله"، الذي يصفه بأنه "صنيعة إيرانية"، ليستخدمها في شدّ العصب الطائفي.

لكن خوف الشيعة لا يأتي من عدم. التاريخ الحديث، كما التاريخ القديم، يتضمنان حوادث لا بدّ أن تبعث على الخوف لدى أي جماعة تتعرض لها. لكن الخوف شيء والتخويف شيء آخر. ومع سيطرة "حزب الله"، بات سلاح الإخافة والتخويف، يُستخدم لتمتين العصبية الشيعية في سياق الاستثمار السياسي.

"كيف يمكن للشيعة أن يكونوا خائفين في وقت يقول أمين عام حزب الله إنه يمتلك 100 ألف مقاتل بكامل عتادهم، فضلاً عن ترسانة صاروخية؟"، يسأل المؤرّخ والأستاذ الجامعي منذر جابر. برأيه، لدى الشيعة "قجة" يراكمون فيها المظلومية والخوف. وكل حدث يجري تحويله إلى رصيد في هذه "القجة" حتى لو لم يكن متصلاً بشكل مباشر بالشيعة كشيعة.

فمجزرة حولا، مثلاً، وهي حدث له وزنه في ذاكرة الشيعة الجنوبيين، ارتكبته عصابات صهيونية في البلدة المحاذية للحدود مع إسرائيل، عام 1948، وقتلت فيها أكثر من سبعين شخصاً من أبنائها، مرعبة بكل المعايير. لكن وضعها في سياق المجزرة الطائفية التي تستهدف الشيعة من اليهود، يأتي في عمق الاستثمار السياسي. فيهود فلسطين والشيعة كانت بينهم علاقات اقتصادية وتجارية واجتماعية قبل عام 1948.

يقول جابر إنه راجع أعداداً من جريدة "لسان الحال" بين عاميّ 1875 و1877، ووجد مئات الأخبار القصيرة عن يهود اعتُقلوا في مدينة بنت جبيل وقراها المجاورة بتهم تسويق الشيوعية. كما يعرب جابر عن اعتقاده بأن دخول الشيوعية إلى المناطق الجنوبية الحدودية كان مصدره يهود فلسطين. وبالتالي، فإن المجزرة كان لها سياقها العسكري البشع، لكنها لم تكن تستهدف الشيعة كشيعة، إلا أنها وُضعت في "القجة" في سياق الاستثمار السياسي الدائم.

"ضبّوا الشنط يا شيعة"

في نهاية عام 1995، أي في زمن بدء صعود "حزب الله" الاجتماعي، كانت شائعة لطمية "دقّوا الصدر يا شيعة/ ويلي وا ويلاه/ على الحسين ابن علي/ لا إله إلا الله". كانت تخرج من مكبّرات صوت سيارات الشباب التي كانت تجوب شوارع مدينة النبطية، جنوب لبنان.

يتذكّر سامي، وهو شاب أربعيني مقيم في مدينة النبطية، فضّل عدم ذكر اسمه الكامل، كي لا يتعرض لمضايقات، حسبما قال، كيف بدّل أحدهم في أواخر أيار/ مايو 1996 كلمات الأغنية لتتحوّل إلى "ضبّوا الشنط يا شيعة/ ويلي وا ويلاه/ شيمون بيريز عم يهدد/ لا إله إلا الله".

وشيمون بيريز كان رئيس وزراء إسرائيل، حين عُدّلت هذه اللطمية، وشنّ حرباً على لبنان سمّيت بـ"عناقيد الغضب"، استمرت 16 يوماً من 11 نيسان/ أبريل وحتى الـ27 منه، ارتُكبت خلالها مجزرة في قانا ذهب ضحيتها أكثر من 106 شخصاً، بينهم الكثير من الأطفال.

اعتاد شيعة الجنوب، في المناطق المحاذية للشريط الحدودي، بحسب سامي، على أن تكون لديهم حقائب موضّبة، خوفاً من التهجير الذي قد يُفرض عليهم بفعل الهجمات الإسرائيلية الانتقامية على المناطق التي تنطلق منها عمليات المقاومة، أو الحروب الأطول التي تشنّها إسرائيل على الجنوب، كما في عاميّ 1993 و1996. وكانت هناك سردية دائمة، شائعة، عن أن إسرائيل تهدف إلى التخلص من الشيعة على "حدودها"، وتسعى من خلال الحروب والاعتداءات إلى دفعهم للهرب من مناطقهم، ليسهل على جيشها احتلالها، كما احتلت مع "جيش لحد" الشريط الحدودي اللبناني.

في انتخابات عام 1998 البلدية، والتي تنافس فيها كلّ من حزب الله وحركة أمل للسيطرة على بلديات الجنوب، خاض "حزب الله" الانتخابات بشعارات "الصمود والمقاومة"، في إشارة إلى تهديد وجودي يتعرض له الشيعة الجنوبيون من قِبَل إسرائيل. وقال النائب محمد رعد، رئيس المجلس السياسي في حزب الله آنذاك، في مؤتمر صحافي عقده في الثامن من حزيران/ يونيو 1998 بعد إعلان نتائج الانتخابات البلدية: "نحن نستحضر صمود أهلنا وبطولاتهم تحت مواقع الاحتلال في بلدة النبطية والقرى المحاذية لها حيث الصمود يترجم مقاومة حية ضد هذا الاحتلال الصهيوني الغاشم".

خيضت تلك الانتخابات تحت شعارات تشدد على الصمود في وجه الرغبة الإسرائيلية بالتهجير. حتى مسألة المنافسة مع حليفه الحالي أمل على المقاعد البلدية، ربطها حزب الله بقضية الصمود في وجه التهديدات الإسرائيلية.

بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000، لم يسقط خطاب الصمود والمقاومة من أدبيات "حزب الله" ومن خطابه السياسي الموجَّه إلى جمهوره الشيعي، ولم يتراجع بالطبع الحديث عن الخطر الإسرائيلي الداهم، وأطماعها باحتلال الجنوب، وعن أن "حزب الله" يقف لها بالمرصاد، لكن أضيفت إليه أشكال أخرى ترتبط بالتذكير بـ"جميل" الحزب عبر تحرير الأرض، ما سمح للناس بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم.

تاريخ مصطنع

لطالما شعر شيعة لبنان بأنهم مهدّدون، ليس بسبب الخطر الإسرائيلي فحسب، بل أيضاً بسبب تاريخ من التهديدات والمخاطر والمجازر التي تعرضوا لها. وهناك نقاشات وخلافات كبيرة في شأن كتابة تاريخ الشيعة في لبنان، وكيفية إحياء سرديات تاريخية لأهداف سياسية، كما يقول كوثراني، إذ إن "معظم التاريخ الشيعي اللبناني مصطنع وجرى إحياؤه خدمة لأهداف سياسية".

في مراحل تاريخية مختلفة، بعيدة وقريبة، تنطلق السردية الشيعية من "ثابتة" تعرّض الشيعة للاضطهاد دوناً عن غيرهم من الطوائف. يضعون كل الأحداث التاريخية في هذا السياق، من أيام الحملات المملوكية على كسروان ما بين عامي 1291 و1305، والتي أدّت إلى تهجير شيعة كسروان، والتي استثمر فيها "حزب الله" في بداياته، كما يظهر من فيديو لنصر الله في شبابه (في منتصف ثمانينيات القرن الماضي) يتحدث فيه عن أن "بلاد جبيل وكسروان هي مناطق المسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة، وقد جاءت بهم الإمبراطورية البيزنطية ليكونوا شوكة في خاصرة الأمة"، مروراً بحديث مؤرخين شيعة عن مضايقات تعرّض لها الشيعة أيام العثمانيين، وصولاً إلى العلاقة المتوترة بالانتداب الفرنسي الذي جعل منهم طائفة مهمّشة بعد خسارتهم الرهان على حلمهم بالاستقلال الذاتي ضمن الوحدة السورية، وليس انتهاءً بالحرب الأهلية اللبنانية وتهجيرهم من بعض المناطق كالنبعة والكرنتينا، على الرغم من أنهم لم يشاركوا في الحرب كطائفة، بل دخلتها بعض الأحزاب الشيعية في فترات لاحقة.

"يعيش الشيعة اللبنانيون نوعاً من انفصام بين فائض القوة وفائض المظلومية، وهو انفصام ضخم، خائف ومخيف، يضع الشيعة في غرفة واحدة مع باقي اللبنانيين، مرة يخافون منهم ومرات يخيفونهم"

مثلاً، تكثر السرديات لدى مؤرّخين شيعة عما أصاب الشيعة في عهد الأتراك من بلاء ومِحَن: "لم يكفهم جور الترك واضطهادهم لهم حتى استعانوا عليهم بأهل الإقطاعات المجاورة من أنصارهم فأصبحت بلادهم عرضة لغارات اللبنانيين من الشمال وبدو فلسطين من الجنوب والشرق، واشتبكوا معهم في حروب دامية رخصت فيها النفوس واستهينت الأرواح"، كما يقول محمد جابر آل صفا في كتابه "تاريخ جبل عامل".

هذه السردية التاريخية توضع في إطار التسويق لفكرة استهداف الطائفة الشيعية، كجماعة بعينها، فيما يقول مؤرخون آخرون، كمنذر جابر، إنه يتحدى أن يأتيه أحد بدليل على تعرّض الشيعة، كشيعة، لقمع من قبل العثمانيين: "عندما هاجم الوهّابيون المقامات الشيعية في نجف وكربلاء وأحرقوها، قام الولاة العثمانيون بإعادة بنائها، فكيف يكون هؤلاء أعداء الشيعة؟".

ما يذهب إليه جابر يتفق معه أستاذ التاريخ شارل حايك، الذي يقول: "صحيح أن الوالي العثماني أحمد باشا الجزار حوّل جبل عامل من حاضرة عِلم إلى منطقة منكوبة، لكن كان ذلك على خلفية ضرائبية وليس طائفية".

قراءة التاريخ بمنظار طائفي هي "خدمة لسردية المظلومية بهدف سياسي، وفيها قراءة خاطئة لتبدلات تاريخية، اعتمدت على استخدام سياسة ‘الضحية’، لأن الطبقة الحاكمة الشيعية رأت فيها الطريقة الوحيدة للاستثمار السياسي"، على حدّ تعبير حايك.

وبالنسبة إلى جابر، "الشيعي يعتقد أنه دائماً ضحية وغيره دائماً جلاد". يقول: "جميع أقليات بلاد الشام ساهمت في حركة (الأمير) فيصل (ابن الحسين). ‘جِبلي شيعي واحد قاتل مع فيصل!’. لم يكن هناك أي همّ قومي لدى الشيعة في لبنان. قِيَم الوحدة العربية قيم سنّية لا علاقة لها بالتشيع. همّ الشيعة الوحيد كان دائماً حقوق الطائفة".

خطاب المظلومية التاريخية والاستهداف الذي لا يتوقف، بحسب حايك، هو ركيزة لكثير من الطوائف، ويستشهد بقول للمفكر اللبناني مهدي عامل يقول فيه إن "الدولة التي تنشأ على أساس طائفي تختلق الأزمات الطائفية لضمان استمرارها"، وبالتالي فإن وقود بقاء المجموعات الطائفية، وبينها الطائفة الشيعية، هو خلق جو دائم من الشعور بالقلق والخوف وعدم الاستقرار.

"رمي الشيعة في البحر"

خلال حرب تموز/ يوليو 2006 وبعدها، شاعت سردية تتحدث عن رغبة لدى خصوم "حزب الله" اللبنانيين بالتخلص منه ومن الشيعة عموماً، و"نقلهم إلى العراق". هي سردية حضرت بقوة في أدبيات "حزب الله"، في البقاع والجنوب، وتحدث عنها أمينه العام حسن نصر الله في أكثر من مناسبة، وأشار إليها بوضوح في خطاب في الذكرى العاشرة من حرب تموز/ يوليو، حين اعتبر أن "من أهداف الحرب التي أُسقطت (أسقطها حزب الله) أيضاً، تحويل جنوب الليطاني إلى منطقة عازلة وخالية من السكان، أي استمرار تهجير أهل بنت جبيل ‏وأهل المنطقة وكل جنوب الليطاني إلى أجل غير مسمى".

أحد سكان مدينة بعلبك، فضّل عدم ذكر اسمه للسبب نفسه الذي جعل سامي يرفض الحديث أمام كاميرا أو يذكر اسمه الكامل، مع أن خطابه يتماهى مع خطاب الثنائي الشيعي بالكامل، يقول لرصيف22 إن "الرهان في عام 2006 كان جدياً على الحرب لهزيمة حزب الله وتهجير الشيعة من لبنان". يتهم الرجل قوى الرابع عشر من آذار/ مارس التي كانت ذات نفوذ حينذاك، بـ"التآمر على الشيعة"، ويردد أن هناك سياسيين عملوا مع الأمريكيين على البحث في تحويل منطقة جنوب نهر الليطاني إلى منطقة منزوعة السكان، وليس فقط السلاح، وأن سياسيين لبنانيين ناقشوا تأخير عودة النازحين الشيعة إلى مناطقهم بعد الحرب، لتقرير مصير منطقة جنوب النهر، لكن "حزب الله"، بحسب الرجل، حال دون ذلك.

يقول أحد المقربين من "حزب الله"، رفض ذكر اسمه: "كانت جماعة 14 آذار تراهن وتتمنى الخلاص من حزب الله ورحبوا بالحرب الإسرائيلية على لبنان. وأنا أعرف منهم كُثر وكنت في حينها على تواصل معهم بحكم طبيعة عملي. حتى في مجلس الوزراء كان هناك مَن يراهن على أن إسرائيل ستخلصهم، إنْ لم يكن من كل الشيعة، فعلى الأقل من حزب الله".

ويضيف: "الأمريكيون طرحوا في تلك الأيام أنه لا يجب على المهجرين الشيعة جراء الحرب أن يعودوا سريعاً إلى الجنوب. كان هناك رهان على أن إفراغ منطقة جنوب الليطاني وتحويلها إلى منطقة منزوعة السكان وليس فقط منزوعة السلاح. هذا الكلام لم يكن دعاية بل حقيقة، وهو ما استدعى من حزب الله أن يقرر الدخول في الدولة والنزول إلى وسط بيروت والاعتصام ليدخل إلى النظام ويكون جزءاً منه".

يُكرر أمين عام حزب الله بعد حرب تموز/ يوليو حديثه الذي يغمز به إلى مؤامرة تستهدف تهجير الشيعة. ففي رده على ضابط إسرائيلي كبير هدد، عام 2015، بضرب مناطق مدنية على الحدود بحال اندلاع حرب جديدة مع حزب الله، قال نصر الله: "التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تعني تهجير اللبنانيين من المناطق الحدودية"، وأضاف: "إذا كانوا يهددون بتهجير مليون ونصف لبناني يقطنون هذه المناطق، فإن المقاومة الإسلامية (حزب الله) في لبنان تهدد بتهجير ملايين الإسرائيليين في الحرب المقبلة إذا فُرضت على لبنان".

سردية تهجير شيعة جنوب لبنان وجعل المنطقة خالية من السكان سمع أبعد منها الصحافي والناشط حسين شمص، في فترة حرب تموز/ يوليو. يتذكر شيوع أخبار بين الناس تتحدث عن "ترحيل الشيعة إلى العراق"، لكنه لا يستطيع التأكد من مصدر بثها، وقد تكون بنظره مجرّد محاولة لشدّ العصب الطائفي وتشجيع الناس على التمسّك بأرضهم وبيوتهم.

استخدام هذه السردية، برأي شمص، شائع لكسب الولاءات، ويضعها ضمن "أدوات الحرب الانتخابية"، ويقول إنها "تُستخدم من البعض، لقمع كل رأي آخر وكتم الأصوات المتمايزة عن السواد الأعظم من الطائفة، إذ لا يعود أي رأي ممكناً في ظل الحديث عن خطر وجودي، لأن الناس في ظل التعبئة العامة لمواجهة الخطر الوجودي تتصدى لأي صوت مختلف بحجة ألّا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

ولا يقتصر الأمر على عام 2006، فقد عاد "حزب الله" لرفع شعار "الخطر الوجودي" عام 2011 مع اندلاع الثورة السورية، وعبّأ جمهوره ومقاتليه للذود عن وجودهم في وجه الخطر المحدق بالمقامات الشيعية المقدسة في سوريا، وبالقرى الشيعية الواقعة على الحدود اللبنانية السورية المهددة، بحسب سردية الحزب، من المعارضة السورية و"الجماعات التكفيرية".

وعندما طرق خطر تنظيم داعش أبواب لبنان بسيارات مفخخة، علت الأصوات التي تتحدث عن الخطر الوجودي الذي يتهدد الشيعة من المدّ الداعشي، وشاعت سردية شيعية تقول إنه "لولا حزب الله لدخلت داعش إلى بيوتنا واغتصبت نساءنا".

في حينها، رددت قيادات حزب الله خطابات تعزو فيها "رد الخطر التكفيري" إلى مشاركة هذا الحزب في الحرب السورية، وقال نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في احتفال تأبيني عام 2016: "لولا مشاركة حزب الله في الحرب في سوريا لكان داعش قد وصل إلى بيروت وجونيه، لولا هذه المشاركة لانهار لبنان".

لا يستخف الشيخ ياسر عودة بالخطرين الداعشي والإسرائيلي. يرى، وهو إمام مسجد وعضو الهيئة الشرعية في مؤسسات المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، أن "الخطر الإسرائيلي والخطر الداعشي ليس على الشيعة فقط بل يهددان المجتمعات بأسرها". يقول: "حزب الله يستخدم هذين الخطرين بطريقة بشعة في السيطرة على الجمهور وتعبئته بشكل دائم، وكأنهم مجتمع حربي يده دائماً على الزناد... ربما يكون هذا من أكثر الأمور التي تستخدم بطريقة بشعة في السياسة لأنهم يرون أنفسهم في مأزق داخلي".



عند أي مفترق يريد فيه الثنائي الشيعي الانتصار على الطرف الآخر، "يجري تحريك العصبيات الطائفية ونظريات المؤامرة وتخرج سردية أننا في خطر شديد، نحرك كل هذه المفاهيم التي نستطيع من خلالها أن نصل إلى ما نريده سواء أكان انتخابات أو تحريك شارع في مقابل شارع آخر"، بحسب عودة، الذي يعتبر أن "الشيعة يتصرفون اليوم على أساس أنهم الأقوى".

وهكذا يعيش الشيعة نوعاً من انفصام بين فائض القوة وفائض المظلومية، وهو انفصام ضخم، خائف ومخيف، يضع الشيعة في غرفة واحدة مع باقي اللبنانيين، مرة يخافون منهم ومرات يخيفونهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard