محاصصة وضرب لمبدأ الكفاءة... للتوظُّف والترقي في لبنان عليك الاستزلام لـ"الزعيم"

الأربعاء 22 ديسمبر 202111:08 ص
Read in English:

Securing a job in Lebanon: A rigid quota system and irrelevance of qualifications

مكاتب شبه شاغرة، هجرها معظم موظفيها. هدوء غريب في وزارة المالية. لا صوت هنا سوى صوت دبيب الأقدام المتقطع. يجلس رئيس دائرة التشريع ومتابعة الاعتراضات في الوزارة وليد الشعار خلف مكتبه، وأمامه كومة من المستندات وأوراق المراجعات. هو لم يعد يداوم في الإدارة يومياً، مثله مثل عدد كبير من الموظفين الذين يلتزمون منازلهم، مع تفاقم الانهيار الاقتصادي في لبنان.

"راتبنا لم يعد يكفي لدفع أجرة الطريق يومياً لنأتي إلى العمل، لذا الموظف الذي لا يقبل الدخول في نظام الواسطة والرشوة، يُفضَّل أن يأتي في أيام محددة في الأسبوع"، يقول لرصيف22.

الموظف الخمسيني دخل الوظيفة العامة عبر مباراة أجراها مجلس الخدمة المدنية عام 1994. تفوّق في دورته، ولم يتوقف عن تطوير نفسه، فقد حاز على شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال خلال فترة جائحة كورونا. اليوم، يتطلّع إلى الخروج من الوظيفة العامة في أقرب فرصة ممكنة. هل توقف مؤسس "رابطة موظفي الإدارة العامة" عن "المقاومة"؟ يجيب: "استسلمنا".

من أهداف الرابطة المذكورة إبعاد السياسة والطائفية عن الوظيفة العامة. وهذا ما فشل وليد ورفاقه في تحقيقه لأن الطائفية "متغلغلة في الإدارة العامة". يقول: "انعكس النظام الطائفي بشكل مباشر عليّ في آلية الترفيع"، ويضيف: "في الإدارة العامة في لبنان، أي ترفيع للفئة الثانية أو الأولى يتم بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وهنا تدخل السياسة والطائفية".

وليد اليوم رئيس دائرة، وسبقه في السلّم الوظيفي مَن لم يتقدّم عليه لا في ترتيب الفوز بمباراة الدخول إلى الوظيفة، ولا في المؤهلات العلمية.

"في المديرية التي أنا رئيس دائرة فيها، المدير من الطائفة السنّية والمدير العام من الطائفة المارونية. وبالتالي ولكوني من الطائفة الدرزية، لا يمكنني المنافسة على أي من هذه المراكز، فطريق الترقية مقفل"، يشرح.


ليس هذا فحسب. "حتى داخل الطائفة نفسها التي أنتمي إليها، هم لا يختارون الأفضل، بل الأقرب إلى الزعيم. تنافستُ مع زميلة سابقة على مركز رئيس مصلحة التدقيق والاستيراد في وزارة المالية عام 2018، وكانت الكلمة الفصل آنذاك لزعيم الطائفة (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط)، واختارها هي لأنها أقرب إليه، بغض النظر عن الأحقية والكفاءة، وبعد ذلك عُيّنَت وزيرة في حكومة حسان دياب"، يروي.

يروي أيضاً أن زميلاً له في الدائرة فاز معه في المباراة نفسها، يشغل اليوم منصب المدير العام لوزارة المالية. "ترفّع وهو كفوء ويستحق، ولكن عند التعيين لم يأخذوا بعين الاعتبار الترتيب في دورة الترفيع. لا يعترفون بها. الكفاءة العلمية أيضاً لا يعترفون بها. كل هذا يدلل إلى شيء أساسي هو أن الطائفية تتحكم تماماً بالإدارة"، يعلّق.

"الظلم" الذي تعرّض له وليد دفعه إلى المقاومة عبر تأسيس رابطة موظفي الإدارة العامة عام 2011. يقول: "لا أندم على تجربتي في الإدارة لأنها أعطتني الكثير. ساهمْتُ في خدمة شعبي لكنني لم أحقق ذاتي لا على المستوى المادي ولا المعنوي. لا أفق هنا. قاومتُ لكن الظروف هزمَتني واستسلمت".

معيار الكفاءة في آخر السلّم

قضية وليد تعكس قضية مئات الموظفين في الإدارة العامة في لبنان. هي قضية مبنية على "نظام توظيف غير عادل، يُعتبر من أقوى الأسلحة بيد القنوات الزبائنية الطائفية والسياسية"، تقول أستاذة العلوم السياسية والإدارية جنيفر ليّون وتضيف لرصيف22: "النظام الطائفي لا يوزع الوظائف بشكلٍ متساوٍ على الطوائف، فالتقاسم يتم بين الطوائف الكبرى، بينما حظوظ أبناء الطوائف الصغرى شبه معدومة ونادراً ما نجد موظفين منها في المناصب العليا".

والمقصود بـ"الطوائف الكبرى" في لبنان الطوائف الأكثر عدداً وهي الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك عند المسيحيين، والسنّة والشيعة والدروز عند المسلمين. أما الطوائف الصغيرة فهي كل ما تبقّى مثل السريان والآشوريين والعلويين، إلخ. وحتى بين الطوائف الكبرى نفسها، الأمور غير متساوية فالموارنة يهيمنون على معظم الوظائف المخصصة للمسيحيين، بينما يهيمن السنّة والشيعة على معظم الوظائف المخصصة للمسلمين.

تُضيف ليّون: "نظام التوظيف مبني أيضاً على التحاصص. فلكل حزب سياسي حصة من داخل الكوتا المحجوزة للطائفة التي يمثلها. ويوزّع الحزب هذه الحصص على مناطقه الانتخابية. والأحزاب السياسية تطالب بموظفين من الطوائف الكبرى التي تملك تأثيراً انتخابياً وازناً، بينما حظوظ الطوائف الصغرى أقل لضعف الحاجة الانتخابية لها".

هكذا، تكون المنافسة بين الموظفين خاضعة للكوتا الطائفية وللحصة الحزبية المناطقية، وليس لأي معايير هدفها الارتقاء بالأداء الوظيفي والخدمات العامة. ماذا عن معيار الكفاءة؟ تُجيب ليّون: "هو في آخر سلّم الأولويات في النظام الوظيفي اللبناني. المحظيون هم أبناء الطوائف الكبيرة، والتابعون للحزب الأقوى، والمقربون من الزعيم".

أعراف التوزيع الطائفي

الظلم الذي لحق بوليد خلال 27 سنة عمل في الإدارة العامة، اختبره أيضاً نبيل. في البداية، تردد في الحديث عن تجربته التي يصفها بـ"المريرة جداً". الضابط الثلاثيني الذي يفضّل اعتماد اسم مستعار، لحساسية الوظيفة التي يشغلها في أحد القطاعات الفنية في الجيش اللبناني، يشير إلى أن المؤسسة العسكرية هي أيضاً لم تسلم من "مرض الطائفية". يقول لرصيف22: "أحد المسؤولين العسكريين حاربني وحرمني من حقوقي في الترقية، لأني من طائفة غير طائفته. وجاهر بذلك ولا أحد يُمكن أن يسأله أو أن يُحاسبه".

في مؤسسة الجيش اللبناني، كما في أي مؤسسة أمنية أخرى في لبنان، تتوزع المراكز الوظيفية الكبرى على الطوائف بدقة. فقائد الجيش ماروني وكذلك مدير المخابرات، فيما درج العرف على أن يكون رئيس الأركان من الطائفة الدرزية ونواب رئيس الأركان الأربعة يُعتمد في توزيعهم مبدأ التوازن الطائفي والمذهبي (حالياً شيعي للعمليات، أرمني أرثوذكسي للتجهيز، ماروني للتخطيط وسنّي للعديد). في المقابل، وعملاً بمبدأ "التوازن الطائفي"، يُحجَز مركز المدير العام لقوى الأمن الداخلي للطائفة السنّية ومركز المدير العام للأمن العام للطائفة الشيعية.

عام 1924، وبدعم من التحالف اليساري الذي وصل إلى الحكم في فرنسا، حاول المفوض السامي الفرنسي الجنرال موريس بول ساراي وضع دستور علماني للدولة اللبنانية، إلا أنه اصطدم برفض مطلق من زعماء الطوائف في لبنان لا سيما البطريكية المارونية

"هذا النظام المبني على مبدأ التوازن الطائفي في الإدارة العامة يعود إلى ما قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، فقد اعتُمد مبدأ تمثيل الطوائف نسبياً بحسب وجودها العددي في نظام القائمقاميتين وفي مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان خلال فترة السلطنة العثمانية، وتابَعَ الانتداب الفرنسي باعتماده في تشكيل المجالس التمثيلية، قبل وضع الدستور اللبناني عام 1926"، يشرح لرصيف22 محافظ بيروت السابق القاضي والباحث المتخصص في القانون العام والإدارة زياد شبيب.

عام 1924، وبدعم من التحالف اليساري الذي وصل إلى الحكم في فرنسا، حاول المفوض السامي الفرنسي الجنرال موريس بول ساراي وضع دستور علماني للدولة اللبنانية، إلا أنه اصطدم برفض مطلق من زعماء الطوائف في لبنان لا سيما البطريكية المارونية. على أثر ذلك، استُبدل ساراي بمفوض سامٍ مدني هو هنري دو جوفنيل الذي وضع دستوراً أقرّه المجلس التمثيلي اللبناني، عام 1926، يقول شبيب.

ويتابع: "كرس دستور العام 1926 نظام التمثيل الطائفي، حيث نصت المادة 95 منه، على أنه بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وتشكيل الوزارة دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة".

وتكرست هذه المادة الدستورية في المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959 الذي وضع "نظام الموظفين"، والذي نصت المادة 96 منه على أن "تراعى في تعيين الموظفين أحكام المادة 95 من الدستور".

في 21 أيلول/ سبتمبر 1990، تعدّلت مواد دستورية كثيرة، تطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي أنهت الحرب الأهلية، ومنها المادة 95 التي صارت تنص على أنه "في المرحلة الانتقالية"، أي إلى حين إلغاء الطائفية السياسية، "تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة"، و"تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة".

يقول شبيب إن "الأعراف التي تكرست عبر السنوات كانت أقوى من النصوص الدستورية". فرغم التعديلات الدستورية، يستمر التحاصص الطائفي، في ما يسمّى في لبنان بقاعدة "ستة وستة مكرر".

والقاعدة المذكورة التي تُستخدم للتعبير عن واقع تقسيم الوظائف مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين أخذت اسمها من مراسلتين من رئيس الجمهورية اللبنانية إميل إده إلى المفوض السامي الفرنسي داميان دو مارتيل عام 1936، ضمن إطار النقاش حول "معاهدة الصداقة والتحالف" بين لبنان والدولة الفرنسية المنتدِبة آنذاك، حملت أولاهما رقم ستة والثانية رقم ستة مكرر.

وفي هذه المراسلات، تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تضمن للمواطنين بدون تمييز المساواة في الحقوق المدنية والسياسية"، وبأن تؤمّن "تمثيل مختلف عناصر البلاد في مجموع وظائف الدولة تمثيلاً عادلاً"، وهو تمثيل كان يفضي قديماً إلى توزيع الوظائف بمعدّل خمسة للمسلمين مقابل ستة للمسيحيين، بناء على إحصاء عام 1932، وهو آخر إحصاء رسمي في لبنان.

في تلك الفترة الزمنية، يشرح شبيب، "كان هناك رفض كبير من قبل المسلمين، ومن قبل السنّة تحديداً، للانتساب إلى الدولة اللبنانية، بعد أن كانوا يعتبرون أنهم ينتمون إلى الأمة العربية التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية"، قبل أن يغيّروا توجهاتهم عام 1936، ويبدأوا بـ"التسليم بالأمر الواقع والشعور بعدم المساواة في التمثيل في الدولة".

لاحقاً، أحجم البرلمان الفرنسي عن التصويت على "معاهدة الصداقة والتحالف" مع لبنان، فسقطت المعاهدة، لكن المعادلة التي فرضتها رسالة "الستة والستة مكرر" استمرت.

بعد استقلال لبنان، عام 1943، ظهر عُرف توزيع الرئاستين الأولى والثالثة على الموارنة والسنّة تباعاً، بناءً على ما يُعرف بـ"الميثاق الوطني"، وهو اتفاق غير مكتوب جرى بين رئيس الجمهورية وقت الاستقلال بشارة الخوري ورئيس الحكومة حينذاك رياض الصلح، وبعد ذلك بأربع سنوات، وتحديداً بدءاً من عام 1947، أضيف عرف توّلي شيعي للرئاسة الثانية.

في الميثاق الوطني، يقول شبيب، "رفض الفريقان الأساسيان في الدولة التبعية للخارج، أي تبعية السنّة للعرب والمسيحيين لفرنسا. فتأسس نهج حكم مبني على ‘شراكة حقيقية’ أسست لنهائية الانتماء للبنان. هذا في الوجه الإيجابي للميثاق. لكن في وجهه السلبي، أسس لنظام تقاسم للسلطة وليس لتأسيس دولة المواطن، وكرّس واقع أن لا مرور إلى الوظيفة العامة أو إلى الخدمات العامة إلا من خلال الطائفة".

وبرأي شبيب، "يضمن استحواذ المرجعيات الطائفية على هذه الصلاحيات الولاء الطائفي لها. وبعد الحرب الأهلية، أصبحت هذه القاعدة متجذرة أكثر، فقد طبّقها زعماء الحرب بطائفية أكبر".

النظام أقوى من الموظف

"الكوتا" الطائفية تؤثر كذلك على داني في مصرف لبنان. يقول مُفضلاً استخدام اسم مستعار لضرورات تتعلق بوضعه الوظيفي: "أمضيتُ أكثر من عشرين عاماً في مصرف لبنان. اليوم أنا أفكر بالهجرة، وأبحث عن الفرصة المناسبة للخروج من هذا البلد. لا أفق هنا".

قرار داني هذا يأتي رغم أن مصرف لبنان يُعتبر من أرقى الإدارات في الدولة اللبنانية. لا يمكن إهمال أثر انهيار قيمة مرتّبه، مع انهيار الليرة اللبنانية، على قراره. ولكن في حديثه يركّز على شعوره بالظلم الذي تعرض له في الترقيات الإدارية. فهو ينتمي إلى الطائفة الكاثوليكية، وهي ثالث الطوائف المسيحية من حيث العدد في لبنان، وعدد المناصب المخصصة لأبنائها في الوظائف العامة محدود، فعلى سبيل المثال، هناك مدير واحد كاثوليكي من أصل عشرة في مصرف لبنان.

"أنتظر الترقية منذ خمس سنوات. عندما أسأل أو أتابع، يأتي الرد تارة بأنه لا يوجد شيعي في المقابل ليرقونه، وبالتالي لا يُمكن ترقيتي، وطوراً بأن عليّ أن أنتظر خروج شخص من طائفتي من الإدارة، كي آخذ منصبه"

هذا الواقع أثر بشكل مباشر على طموح داني في الترقّي الوظيفي. يقول لرصيف22: "المهم أن لكل طائفة كوتا محددة يجب احترامها. الكوتا الطائفية أهم من الكفاءة. مثلاً، إذا انتقل مدير من الطائفة السنّية إلى التقاعد، يبحثون عن موظف سنّي آخر ليُرقّوه كي يحلّ مكانه، حتى ولو كانت كفاءته أدنى من كفاءة الموظف الكاثوليكي، وإذا لم يتمكنوا من إيجاد موظف سنّي ضمن الإدارة نفسها، يُرقّون موظفاً من طائفة أخرى ويعطون مركزاً آخر في إدارة أخرى للطائفة السنّية".

ويضيف: "أنا أنتظر الترقية منذ خمس سنوات. عندما أسأل أو أتابع، يأتي الرد تارة بأنه لا يوجد شيعي في المقابل ليرقونه، وبالتالي لا يُمكن ترقيتي، وطوراً بأن عليّ أن أنتظر خروج شخص من طائفتي من الإدارة، كي آخذ منصبه. وبعد كل هذا الوقت والانتظار، لن أكون أنا الوحيد الذي أتقدم للترقية أو للمنصب. سيسعى موظفون آخرون من طائفتي، بكل ما لديهم من واسطة، ليأخذوا المنصب الإداري الشاغر".

يذكر داني أنه "قبل فترة قصيرة، تلقّت الإدارة اتصالاً من رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، طلب فيه ترقية موظفة من الطائفة السنّية قبل أن تذهب إلى التقاعد. والهدف من ذلك هو تحسين راتبها التقاعدي. فكان له ما أراد. في المقابل، تمّت ترقية مدير شيعي، بعد استشارة رئيس مجلس النواب نبيه بري ليختار مَن يُفضل ترقيته. لم يكن هذا الموظف يتوقع الترقية حتى، إلا أن التوازن الطائفي اقتضى ذلك. وتمت ترقية مدير مسيحي، فما كان من التيار الوطني الحر إلا أن اعترض احتجاجاً على ترقية مديريْن مسلمين مقابل مدير مسيحي واحد بحجة عدم احترام التوازن الطائفي".

داني اليوم أمام خيارين: إما أن يقبل بالأمر الواقع، ويقوم بعمله كما هو مطلوب منه بلا أي مجهود إضافي، بانتظار فرصة الخروج من الإدارة؛ أو أن يحارب النظام وينتفض عليه و"يهدد لقمة عيش عائلته" على حد تعبيره. يختم: "أعي بالنهاية أن النظام أقوى منّي ولا يمكن أن يتغير، لذا أنتظر الفرصة المناسبة للهجرة".

بين الكيدية السياسية والطموح المحدود

يأخذ ربيع زاوية بعيدة عن زملائه كي يتمكن من الحديث بحرية. ربيع هو اسم مستعار لشاب عشريني فضّل عدم ذكر اسمه الحقيقي تجنباً للمضايقات في العمل، تخصص في مجال الاتصالات، وتقدم للعمل في إحدى الشركتين المشغلتين لقطاع الخلوي في لبنان، وتفوّق في الامتحان الخطي، ونجح في المقابلة وتخطى مرحلة التجربة ليتثبَّت في وظيفته عام 2008.

تقدم ربيع إلى هذه الوظيفة ظناً منه أن مناخ العمل في الشركات الخاصة مختلف، حتى ولو كانت تشغّل مرفقاً عاماً هو قطاع الاتصالات الخلوية. وهذا كان الحال قبل أن تستلم الدولة عبر وزارة الاتصالات إدارة الشركتين عام 2020.

يقول إنه كان "مخطئاً"، فـ"في هذه الشركات، لكل طائفة إدارة تسيطر عليها عبر الحزب الفاعل في هذه الطائفة. هناك أقسام معيّنة محسوبة على طوائف معيّنة، مثلاً قطاع إدارة تكنولوجيا المعلومات IT للطائفة الشيعية تحت سيطرة الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، وقطاع الصيانة للسنّة تحت سيطرة تيار المستقبل، وقطاع خدمات مركز الاتصال Call Center للمسيحيين تحت سيطرة التيار الوطني الحر".

وعن العلاقة بين هذه القطاعات، يشرح ربيع لرصيف22: "لا يمكن نقل أي موظف من قطاع إلى آخر إلا بنقل معاكس لموظف آخر من الطائفة التي تسيطر على القطاع الذي يطلب الانتقال إليه. وهذا ما حدث معي. فبعد أن كنت أعمل في القطاع التابع للمسيحيين، بدأت أعاني من مضايقات من المدير المسؤول لأسباب تتعلق بمواقفي السياسية. فأنا التحقت بالوظيفة في فترة تسلّم التيار الوطني الحر وزارة الاتصالات، وكنت في حينها مقرباً من سياسة التيار، إلا أنني ما لبثت أن ابتعدت عنها وبدأتُ بمعارضتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فما كان من مديري إلا أن بدأ بمضايقتي عبر تهميشي أو عبر تقليص صلاحياتي".

لجأ ربيع إلى شخص يعرفه لديه صلة بالثنائي الشيعي، فنُقل سريعاً للعمل في قطاع يسيطر عليه هذا الثنائي. "هنا لا أحد يضايقني، فأنا من طائفة أخرى وأي مضايقة يمكن أن تُعطى أبعاداً طائفية، إلا أن ذلك يعني أنني لن أتقدم أو أترقى في عملي. ففي هذه الإدارة الأولوية لأبناء الطائفة المسيطرة. وأنا بين خيارين: إما أن أخضع للكيدية السياسية في القسم التابع لطائفتي، أو أن أرضخ لحدود الطموح الذي يتيحه لي العمل في قطاع تسيطر عليه طائفة آخرى".

يقول الباحث المختص في علم النفس السياسي والمحاضر في جامعة "كانت" Kent University في بريطانيا رمزي أبو إسماعيل "إن الأعراف مبنية على أساس ‘نظام الكوتا’ الذي اعتمدته الطوائف اللبنانية ‘خوفاً من بعضها’، فنظام التوظيف في لبنان أتى ليكرّس التطور غير الطبيعي للهوية اللبنانية. ولبنان وطن هجين لم تمر المجموعات التي تؤلفه بالتطور الطبيعي، وبالتالي لم تنضج الهويات لتشكّل انتماءً مشتركاً"، ويضيف لرصيف22: "كان من المفترض أن يوضَع نظام يحمي هذه الهويات من بعضها، لأنها تشعر بالخوف من بعضها ولا تشعر بالانتماء المشترك، لكن مع الوقت تحوّل النظام إلى عرف مبني على اللاعدالة".

ويتابع أبو إسماعيل: "وضعنا نظام ‘الكوتا الطائفية’ اللاعادل لنحمي بعضنا من بعض، فأبناء الطوائف كلها تشعر بالغبن وعدم الانتماء إلا إلى جماعتها. تقاسمنا التوظيف وأعطينا المرجعية حق تحديد مَن يمثل الطائفة ومَن يخدم مصالحها. والموظف يحفظ ‘الجميل’ للزعيم الطائفي، فهو يعترف بمرجعيته على هذه الطائفة".

نظام "الكوتا" أصبح ورقة ضغط بيد الأحزاب ليس فقط داخل الطائفة بل في وجه الأفرقاء السياسيين الآخرين. ويعاني الموظفون من أثر "النكايات السياسية" التي تارةً تشل العمل الإداري وتارةً أخرى تعطّل تعيينات إدارية.

هذا ما حصل مراراً وتكراراً في العقد الماضي. فقد عطل التيار الوطني الحر تعيينات عدة، طالت أجهزة القضاء والعسكر والإدارات المدنية تحت شعار: "تحصيل حقوق المسيحيين".

مثلاً، تعطل تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى بين عامي 2011 و2012 نتيجة خلاف سياسي بين رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان ورئيس الكتلة النيابية المسيحية الأكبر حينذاك ميشال عون. فهذا المنصب، وهو المنصب القضائي الأرفع، محجوز عُرفاً للموارنة، والصراع كان على مَن يمثل المسيحيين ويسمّي بالتالي شاغل المنصب: الرئيس الذي أتى بفعل تسوية سياسية أم رئيس أكبر كتلة مسيحية؟ ظل الخلاف قائماً لنحو سنتين، وبالتالي الشغور، إلى أن جرت التسوية، وتبوأ القاضي جان فهد المنصب.

هذه السياسة لا تقتصر على الوظائف العليا، بل تنسحب لتطال وظائف من الفئات الرابعة والخامسة، كما حصل مع توقيف مراسيم توظيف 541 شخصاً في سبع وظائف.

مهدي عاشور كان أحد هؤلاء الأشخاص. عُرقل تعيينه منذ عام 2017، وعندما انتفض اللبنانيون في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وجد في التحركات المعترضة على النظام أملاً.

يسترجع مهدي ذكريات ساحات الانتفاضة في وسط بيروت. في ذلك الوقت، حمل مطلبه على يافطة كتبها بخط يده ونزل إلى الشارع. كان يريد أن يعبّر عن غضبه وأن يطالب بحقه بالوظيفة التي فاز بها "بكل جدارة"، حسب تعبيره، عبر مجلس الخدمة المدنية.

تخرّج مهدي بشهادة امتياز فني في اختصاص المراجعة والخبرة في المحاسبة، وحلّ في المرتبة الثانية على مستوى لبنان. يقول ابن الـ28 عاماً لرصيف22: "تربّيت في عائلة متواضعة، لا واسطة لدينا. وعندما أتيحت لي الفرصة، تقدمت لوظيفة أمين صندوق في وزارة الاتصالات، عبر مجلس الخدمة المدنية. لم يضعوا شروطاً تتعلق بالطائفة. تقدم 2334 شخصاً لثلاثين مركزاً ونجح 93 شخصاً فقط. المباراة كانت صعبة، وحللتُ في المرتبة السادسة".

منذ أربع سنوات، لا يزال مهدي ينتظر مرسوم تعيينه، إلا أن انعدام التوازن الطائفي يعرقل ذلك تماماً، كما الحال مع مرسوم تعيين المراقبين الجويين وحراس الأحراج. يقول: "في تلك الفترة أُجريت مباريات لملء 541 وظيفة شاغرة، ثم عُطلت مراسيم تعيين الفائزين بعد أن رفض رئيس الجمهورية ميشال عون توقيعها بحجة عدم التوازن الطائفي، بينما وظّفت القوى السياسية قبل الانتخابات النيابية لعام 2018 حوالي خمسة آلاف شخص"، متسائلاً: "لماذا عليّ أن أشحذ الوظيفة أو أن أطلب واسطة الزعيم أو أن أعمل بغير اختصاصي؟ منذ عام 2017 وأنا ما زلت أحلم بأن أنال حقي، لكن مَن يطالب بحقوق طائفته يظلمني".


وعن مسألة إدخال موظفين عشية الانتخابات النيبابية لعام 2018، يشير أستاذ القانون الإداري والقانون الدستوري في الجامعة اللبنانية عصام إسماعيل إلى أن "ديوان المحاسبة وضع يده على الملف المخالف للقانون رقم 16 الصادر في العام 2017 والذي يحظر التوظيف بمختلف أشكاله إلا بموافقة مجلس الوزراء، وبعد تحقيق يجريه مجلس الخدمة المدنية، ويثبت حاجة المؤسسة إلى موظفين"، معلّقاً: "هذه التوظيفات كانت بمثابة رشى انتخابية، وهو ما أدى إلى تفاقم الإنفاق، وإغراق الخزينة بعجز إضافي".

وتعليقاً على عدم إصدار مراسيم تعيين الموظفين الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية بحجة عدم التوازن الطائفي، يقول إسماعيل لرصيف22: "كان من الأجدى ألّا تعلن نتائج المباريات إذا وجدوا فيها خللاً. فمن صلاحية مجلس الخدمة المدنية في نظام الموظفين إلغاء نتائج المباريات قبل إعلانها. لكن بهذه الطريقة، وضع الأشخاص الذين حُرموا من الوظيفة بوجه الفئة التي يعتبرون أنها حرمتهم منها وأصبحت بالتالي عدوتهم".

قصة أخرى مشابهة لقصة مهدي عاشها إيلي. فضّل الشاب عدم ذكر اسمه كي لا يتعرّض للانتقام منه في وظيفته، راوياً تجربته التي أسفرت عن "احتراق أربع سنوات من عمري"، بفعل عدم تعيينه في وظيفة كاتب عدل، رغم فوزه في المباراة.

"في مرسوم تعيين الكتّاب العدل الذي تأخر صدوره، لا خلل في التوازن الطائفي بل نقص في عدد الفائزين من الطائفة السنّية من منطقة الرئيس سعد الحريري في بيروت"، يقول إيلي لرصيف22.

بعد انتظار طويل منذ إعلان نتائج المباراة في عام 2018، أصدرت حكومة الرئيس حسان دياب المرسوم المنتظر عام 2020، ضمن تسوية قضت بإصدار مرسوم آخر ملحق بالمرسوم الأساسي يعيّن عدداً إضافياً من الكتاب العدل (من الخاسرين في المباراة) لإرضاء المعترضين".

المعيّنون بالمرسوم الملحق "لم يحتلوا المراكز الأولى في المباراة، لكنهم كُلّفوا في مناطق ساحلية قريبة من مناطق سكنهم"، يروي إيلي. أما هو، فقد اضطر للانتقال من مكان سكنه مع أهله في المتن، في وسط الساحل اللبناني، إلى منطقة بقاعية بعيدة، عند الحدود اللبنانية-السورية. يقول: "أصبحت كالمسافر، لا أزور أهلي إلا في أيام الفرص والأعياد"، مضيفاً: "هذا ظلم آخر. ما أجنيه لا يكفي لدفع إيجار المنزل وفواتير المازوت للتدفئة والبنزين للنقل". برأيه، كان ينبغي إعطاء الناجحين أولوية في التعيينات القريبة من أماكن سكنهم، ولكن كانت الكلمة الفصل للحسابات السياسية.

التوازن الطائفي... في الاجتهادات

معادلة مراعاة التوازن الطائفي في الوظائف العامة حاضرة أيضاً في الاجتهادات القضائية. هنا، يعود القاضي شبيب إلى ما قبل تعديل الدستور عام 1990، ويذكر أن مجلس شورى الدولة دأب على تطبيق المادة 95 من الدستور، وفق المعنى الذي أعطي لها وهو أن يراعى التوزيع الطائفي للوظائف العامة، بما فيها تلك التي يتم دخولها عن طريق المباراة.

وينقل شبيب حيثيات اجتهاد لمجلس شورى الدولة من ستينيات القرن الماضي، تعليقاً على استبعاد سيدة شيعية من عائلة شمص من وظيفة في الفئة الثالثة في وزارة التصميم العام، "فرغم أنها حلّت في المرتبة الثالثة في مباراة مجلس الخدمة المدنية، إلا أنه عيّن الفائز في المرتبة الرابعة وذلك لأن أول الناجحين كان أيضاً من الطائفة الشيعية وأخذ بالتالي الحصة المحجوزة للطائفة. وقد اعتبر مجلس شورى الدولة (قرار رقم 1197 تاريخ 4/11/1966) أن القاعدة في التعيين توجب التقيّد بالترتيب ضمن قائمة الناجحين بالنسبة لكل طائفة، فيفضل في التعيين أسبق الناجحين من كل طائفة".

ويشرح شبيب أن "اجتهاد مجلس شورى الدولة تطوّر مع تعديل المادة 95، باتجاه إعادة الاعتبار لمبدأ المساواة وإعطائه مفاعيله الكاملة".

ويستذكر قضية بعض الرتباء في قوى الأمن الداخلي الذين تقدموا بطلبات ترشيح للاشتراك في مباراة أعلنت عنها مديرية قوى الأمن الداخلي للترقية إلى رتبة ملازم: "في العام 2011، اختار مجلس القيادة 66 مرشحاً من بين أول 124 مرشحاً فائزاً، مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، مع التقيد بمبدأ تسلسل درجات النجاح في المباراة عند اختيار الناجحين من الطائفة الواحدة، ولم يتم تعيين المستدعين إنما جرى تعيين زملاء لهم وردت أسماؤهم بعدهم في ترتيب النجاح". وقد بررت الإدارة قرارها بالاستناد إلى "أن المادة 95 من الدستور لا تنفي وجوب الاستمرار في إعمال قاعدة التوازن الطائفي في الوظائف العامة، لا سيما في الوظائف القيادية التي تؤدي بشاغلها إلى ترقيته في المستقبل حتى يبلغ ما يعادل الفئة الأولى حكماً".

ويشير إلى أن مجلس شورى الدولة رفض هذا التبرير بناء على التعديل الدستوري الذي ألغى المعيار الطائفي سوى في الفئة الأولى وما يعادلها، وجاء في قراره: "إن الإدارة عندما تعمد إلى إجراء مباراة لتعيين موظفين أو لترقيتهم إلى رتبة أعلى، تكون ملزمة باحترام تسلسل مراتب النجاح بين المرشحين المقبولين للاشتراك بهذه المباراة".

المناصفة بعد اتفاق الطائف

"بالرغم من موقف مجلس شورى الدولة من المادة 95، لم ينته النقاش الدائر بشأنها ولم تزل تُطرح مسألة تفسيرها"، يوضح شبيب ويضيف: "هنالك مَن يعتبر أن المرحلة الانتقالية التي تحدثت عنها المادة 95 لم تبدأ بعد".

يقول شبيب: "بعد الحرب، كان هناك انكفاء للمسيحيين عن التقدم للوظائف العامة فيما كانت تطبَّق قاعدة إلغاء الطائفية في الوظائف. فأتت ردة فعل الأحزاب المسيحية بعد عودتهم إلى السلطة في العام 2005، من أجل رفع ما اعتبروه غبناً لاحقاً بحقهم".

موضوع إعادة المسيحيين إلى الإدارة العامة، يعتبره رئيس مؤسسة "لابورا" ومؤسسها، الأب طوني خضرا قضيته. و"لابورا" هي مؤسسة مسيحية أسسها خضرا بهدف توجيه الشباب المسيحيين وتدريبهم وتوعيتهم على أهمية الانخراط في مؤسسات الدولة، بدلاً من الهجرة الناتجة عن البطالة.

تركيز خضرا اهتمامه على دخول المسيحيين إلى الإدارة العامة "انطلق من إحجامهم عن التقدم إلى الوظيفة العامة في مرحلة التسعينيات. فبعد المرحلة التي عُرفت بالمارونية السياسية قبل الحرب اللبنانية، حين كانت الكفّة في الإدارة العامة تميل للمسيحيين، أتت مرحلة تراجَعَ فيها المسيحيون في الإدارة بعد الحرب، إنْ لحساب السنّية السياسية مع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في التسعينيات، أو لحساب الشيعية السياسية مع سيطرة حزب الله بعد عام 2005".

عودة المسيحيين إلى السلطة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005 "أثر إيجاباً على انخراطهم في الوظيفة العامة". يعطي خضرا أمثلة على ذلك: "ارتفع تقدم المسيحيين إلى الوظيفة العامة من 12% في عام 2005 إلى أكثر من 19% في عام 2019، وتبدلت أيضاً نسب النجاح في قطاعات مثل القضاء والخارجية والكتاب في العدل من 18% إلى حوالي 55%".

لكن إعادة التوازن السياسي في الإدارات العامة بين المسيحيين والمسلمين ليس بالضرورة إيجابياً بالمطلق لانخراط المسيحيين في الدولة، بحسب خضرا. يقول لرصيف22: "الأحزاب المسيحية تدعم أتباعها وفق حصص سياسية وطائفية ومناطقية. ومثال على توزيع الحصص بين الأحزاب السياسية ضمن إطار الطائفة الواحدة، هو اتفاق معراب عام 2016، الذي أتى بالعماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. طرفا الاتفاق أي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، اتفقا بشكل سري على تقاسم حصص المسيحيين في الإدارة في ما بينهما". هذا كان قبل أن يختلفا ويتبادلا التهم بعدم احترام الاتفاق وبشكل خاص في البند المتعلق بتقاسم الوظائف العامة.

الميلشيات من الشارع إلى المؤسسات

إشكالية انكفاء المسيحيين ومن ثم مساعي استعادتهم لحصتهم في الإدارة وفق معادلة المناصفة، رغم التغيير في الواقع الديموغرافي وتراجع نسبتهم من سكان لبنان إلى حوالي 35% مقابل 65% للمسلمين، بحسب التقديرات، ليس الإشكالية الوحيدة التي تواجهها الإدارة بحسب أستاذة العلوم السياسية جنيفر ليّون.

تقول: "بعد نهاية الحرب اللبنانية، ومع صدور قانون العفو العام سنة 1991، وبدل إعادة هيكلة الإدارة، أدخلت عناصر الميليشيات إلى الوظائف العامة من دون أي إعادة تأهيل. وكأن في الوظيفة جائزة بديلة عن حواجز ‘التشليح’ والخوات، لما تقدّمه من ثبات وظيفي للموظف-الزبون بالإضافة إلى التقديمات والضمانات الاجتماعية والمعيشية".

"دخلت عناصر الميليشات إلى كل الإدارات والأسلاك وفي كل الفئات والمراتب ومن ضمنهم الفئة الأولى". يروي محافظ بيروت السابق: "هناك جيل من المدراء العامين الذين كانوا من المسؤولين العسكريين في الحزب التقدمي الاشتراكي وفي حركة أمل. وقد نُظّمت دورة استيعاب الميليشيات في القوى العسكرية وأصبحوا ضباطاً في الجيش وفي قوى الامن. كذلك هناك المياومون في المؤسسات العامة والمتعاملون مع وزراة الإعلام. في كل مكان لا مباراة مجلس خدمة فيه، تم استيعاب عناصر من الميليشيات".

ويعلّق أستاذ القانون الإداري عصام إسماعيل على هذه المسألة بقوله: "تم استيعاب هؤلاء العناصر من دون أي مباراة جدارة خلافاً للقانون، ومن دون أي اعتبار للكفاءة أو للأخلاق أو للخبرة. لا شيء سوى الهوية الميليشياوية، ما أعاد الإدارة ألف سنة إلى الوراء وساهم في تدمير المرافق العامة".

مجلس خدمة مدنية... لا كلمة له

بحسب أرقام مجلس الخدمة المدنية، حوالي 14% من العاملين في الإدارة العامة، والذين يشكلون حوالي 2% من مجمل اليد العاملة في لبنان، يمارسون العمل بطريقة غير قانونية، أي من خلال التعيين السياسي من خارج إطار المجلس.

ومجلس الخدمة المدنية تأسس في عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1955، ويُعنى بشؤون الموظفين الذاتية وتشمل صلاحياته تعيين الموظفين والاهتمام بالترقية والترفيع وإجراء المباريات والامتحانات التي تؤهل لاختيار الموظفين على أساس "الجدارة والاستحقاق".

وبحسب ليون، فإن "الهدف من تأسيس الدولة لهذا المجلس هو مأسسة إدارة الوظيفة العامة، إلا أنها ما لبثت أن التفّت على صلاحياته، إنْ من خلال إعطاء الأولوية لمعايير التوازن الطائفي والمحاصصة السياسية على معيار الكفاءة، وإنْ بالتعاقد من خارج ملاك الإدارة، أي مع أشخاص لم يخضعوا لمباريات".

وتضيف ليّون: "هناك أهداف سياسية وطائفية وراء إغراق الإدارة العامة بالمتعاقدين على مختلف أنواع عقودهم. فهؤلاء لا يدخلون ضمن الكوتا الطائفية الخاصة بكل إدارة. ويكون معظمهم من طائفة ومنطقة نفوذ الزعيم أو الحزب المسيطر على الإدارة. هذا نوع من التهرب من التوافق السياسي-الطائفي".

وتتحدث أيضاً عن ولاء المتعاقدين المطلق للزعيم الطائفي، "لأن لا أمان وظيفياً لديهم سوى من خلاله. فهم محرومون من أبسط حقوق التوظيف مثل الضمان الاجتماعي وتعويض نهاية الخدمة وضمان حوادث العمل وبدل النقل... وكل فترة يتلقون وعوداً بالتثبيت في الوظيفة ولكن هذه الوعود لم تتحقق، لتبقى ضمانتهم الوحيدة هي رضى الزعيم السياسي عنهم".

وتشرح ليّون أكثر: "هؤلاء هم السلاح الوظيفي الأقوى في يد الأحزاب والمرجعيات السياسية. ودليل على ذلك، كيف تمكن الرئيس نبيه بري من تعطيل وزارة الطاقة والمياه لأشهر خلال فترة الوزير جبران باسيل، عبر إضراب المياومين في الوزارة. أتت هذه الخطوة في الظاهر تحت شعار المطالبة بتثبيت المياومين في ملاك الوزارة، أما في الباطن فهي تدخل في إطار تصفية الحسابات السياسية بين حركة أمل عبر المياومين وأغلبيتهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية ووزير التيار الوطني الحر المسيحي".

"أيضاً، هناك المستشارون الذين يدخلون الوزارات مقابل بدلات مرتفعة جداً ويخلقون إدارة بديلة فوق البنية الإدارية الموجودة، ويستمرون في مواقعهم بحكم إمساكهم بملفات مهمة رغم انتهاء ولاية الوزير الذي عيّنهم"، تقول ليّون مشيرة إلى أن "هذه السياسة اعتمدها الوزراء المسيحيون، لأنهم لم يتمكنوا منذ عودتهم إلى السلطة من خلق التوازن الذي يريحهم في إداراتهم، إنْ من خلال التوظيف أو من خلال الترفيعات الإدارية. وهؤلاء يضربون مبدأ أساسياً في الوظيفة وهو مهنية الموظف واستقلاليته، والأجهزة الرقابية لا تطالهم لأنهم من خارج الملاك الوظيفي".

يقول شبيب: "منذ فتنتيْ جبل لبنان في عام 1845 وعام 1860 ونظام القائمقاميتين والمتصرفية، إلى دستور العام 1926 واضطرابات العام 1936 مروراً بميثاق العام 1943، وأحداث العام 1958 والتدخل الدولي لوقفها، فالحرب اللبنانية في العام 1975 واتفاق الطائف في العام 1989، وصولاً إلى الاستقرار الهش الذي نعيشه اليوم... عملت الزعمات الطائفية على أن تتجذر القواعد الطائفية أكثر فأكثر، واعتراضها لم يكن إلا على النِسَب. ليس من مصلحة هؤلاء بناء علاقة مباشرة بين المواطن والدولة".

تعتقد ليّون أن "الخاسر بنتيجة هذا النظام الزبائني هو الموظف الكفوء لأنه ينتمي إلى طائفة صغيرة أو لأنه من منطقة غير وازنة انتخابياً أو لأنه غير مقرب من زعيم طائفي أو حزب سياسي نافذ، والخاسر بنتيجة هذه المعادلة تالياً هو الإدارة اللبنانية التي لا أولوية فيها لمعيار الكفاءة"، وتقول: "هنا حقوق الطوائف أبدى من حقوق المواطن. وبالتالي لا حل لأزمة النظام الإداري في لبنان، إلا بتغيير النظام السياسي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard