عيسى ابن مريم... أبناء لا نعرف آباءهم في التاريخ السوري القديم (II)

الأحد 23 يناير 202210:00 ص

اعتاد العقل الإنساني المعاصر على حقيقة أن تقدم الزمن يعني جلاء صورة الحدث بسبب كثافة المعلومات وتنوعها، ولكننا مع المسيح نجد تشويشاً كبيراً في تمييز شخصيته عن القصص الأسطورية في الحدث التاريخي.

ومسؤولية هذه الصورة تعود على الجميع تقريباً، وخاصة الصمت المريب لكل الأناجيل وأعمال الرسل عن حياته قبل بداية الرسالة، فقارئ الإنجيل يحار أمام هذه الشخصية التي صُبَّ في لسانها كل مؤثرات العالم القديم، من يهودية وغنوصية وأفلاطونية محدثة ووثنية على لسان حوارييه، ومحاولة المؤرخين المعاصرين زادت من التشويش على شخصيته، بإرجاع الطقوس المسيحية إلى أصولها الوثنية القديمة، وبقيت شخصية المسيح ومعجزتها الوحيدة التي تستحق التأمل في رسالته الأخلاقية مجهولة الهوية.   

خلفية المسيح الثقافية

إن فهم خلفية المسيح الثقافية تبدأ في فهم المدينة التي نسب إليها المسيح الناصرة في الجليل، يوردها وديع بشور في كتابه "الميثولوجيا السورية" (2013)، فسكان الجليل (ويعتبر المسيح ابن جلدتهم) الذين أجبرهم أريستوبولس المكابي (105-103ق.م) على التهوّد، كانوا أول من تجاوب مع دعوة المسيح، وخاصة هؤلاء المتهوّدين الجدد.

إذن، المسيح بخلفيته الثقافية يعود إلى مدينة أُجبِر سكانها على التهوّد وبأجيال قريبة العهد قبل ولادته، فهو ولد بينهم ويعرفهم ويعرفونه.

يزيد جلاء المعلومة حدث آخر يورده بيير شوفان في كتابه "أواخر الوثنيين" (1997)، عندما منع الإمبراطور قسطنطين 323م إجبار المسيحيين على تقديم القرابين، بل والمشاركة من تلقاء أنفسهم في تقديم القرابين! جرى تدمير المقام الوثني في ممبري (في جبال الجليل قرب مدينة الخليل) وهناك كانت شجرة البلوط التي ظهر لإبراهيم تحتها ثلاثة ملائكة –أو بالأحرى الرب ومعه ملاكان- فأصبحت مثل باقي الأشجار المقدسة، موضوع عبادة من جانب المسيحيين واليهود والوثنيين على حد سواء، فأمر قسطنطين بهدم الهيكل الوثني من أساسه وبإحراق جميع التماثيل التي كانت تدنّس الموقع.

هل كان المسيح سورياً رواقياً تحدث إلى السوريين باللغة والأمثال التي يفهمونها، وكان في تعاليمه ومعاناته إلى اللحظة الأخيرة منفذاً وشهيداً لرسالته؟

إن التصوّر الذي يقول إن المسيح ابن خلفية ثقافية اجتماعية يهودية وردَّ على اليهود في رسالته هو تصور ساذج جداً ومشوه للحقائق ساعدت الأناجيل على ترسيخه. المسيح ابن ثقافة سورية متنوعة بتأثيراتها، وقام بالرد وفي بعض تفاصيل رسالته على تحجر اليهودية، فوجدت الغضب منهم.

إن اعتبار المسيح ابناً لله كامتداداً لتصورات مشتركة حول عبادة الملك أو تأليهه من الهند إلى الشرق الأدنى والعالم الروماني، جاء أيضاً مشوهاً لخصوصية هذه الفكرة عند المسيح في سوريا. إن موضوع عبادة الملك الإله أو الإنسان القادم من نسل الآلهة غير موجودة في أساطير وآداب سوريا القديمة، وإن وجدت فكرة تأليه الملك في سوريا فقد كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة التي انفجرت فيها قنبلة! فهي بقيت محصورة بعصرهم ولم تبتكر مؤسسة دينية وكهنة.

بينما نلاحظ أن هذه الفكرة بالتحديد بدأت بالوجود والنمو في سوريا مع الحقبة السلوقية- المقدونية، وازدهرت مع المرحلة الرومانية، وخلقت معابد وكهنة وأضاحي ومارست الاضطهاد على وثنيي الإمبراطورية الرومانية باعتبارها دليل ولاء لروما!

إن هذه الفكرة نبتة غريبة في أرض سوريا القديمة، فكان اعتبار المسيح ابناً لله رد البيئة السورية النفسي على عبادة الإمبراطور الرومانية، فجعلت من ابن لله الإنسان يحيا بين المنبوذين والآثمين في التصور اليهودي، أو الفقراء والمعدمين في التصور الاجتماعي السوري، وجعلهم جميعاً من أبناء الله.

تجد الرسالة الأخلاقية التي انتصر لها المسيح جذورها القوية في الأخلاق الرواقية، وتفسر هذه الفلسفة الأخلاقية، التي كانت عالمية في حقبة المسيح، جوانب تعاليمه ومعاناته. تعود الفلسفة الرواقية إلى السوري زينون ومدرسته التي بدأت منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت تشمل مختلف العلوم، ولكنها في حقبتها الأخيرة، في القرن الأول قبل الميلاد حتى 529 م وهو تاريخ إغلاق المدراس الفلسفية في الإمبراطورية الرومانية، سادتها العناية بالأخلاق والحديث عنها.

المنطق المسيحي والمنطق الرواقي

يستعرض جان بران في كتابه "الفلسفة الرواقية" (2005)، أن معرفة الطبيعة هي وحدها التي تستطيع أن تخبرنا عن قيمة الطبيعة بالنسبة إلى التقيد بالعدالة.

إن أجوبة المسيح في الحكم على المرأة الزانية التي امتحنه اليهود فيها (وخلفية هذا الامتحان تتجاوز بالتأكيد تسقّط خطأ للمسيح)، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مبنية بشكل مدهش على المنطق الرواقي الرياضي الجدلي؛ إذا كانت المرأة زانية، والزنى أحد الآثام الكثيرة التي يمكن أن نكون جميعاً فاعليها، فالذي يقدر على معاقبة إثم الزانية يجب أن يكون بدون إثم! إن منطق الرواقية يقوم على تضمين العلاقات الزمنية بعكس منطق أرسطو الذي يقوم على محمولات تستند إلى موضوع. وليست إجابته بموضوع قيصر والله بمنأى عن استخدام هذا المنطق في إجابة بارعة.

وصفت الأخلاق الرواقية بالثورة السلبية؛ فالمرء الذي لا يروقه دهره ويعجز عن تغيره، يقوم بتغير الذي في نفسه طلباً للنجاة. إنه صمود سلبي في مواجهة المحن والكوارث، ويعتمد على الصمت الواعي والسكوت لغاية، وبركان يبقى مشتعلاً في فؤاد صاحبه. لذلك ولدت لدى الرواقية الدعوة إلى الرضوخ للقدر ومعرفة أسبابه من أجل الخلاص الذي يكون في طاعة الجزء للكل، وهو المجتمع أولاً والطبيعة ثانياً والمشيئة الإلهية بهما وفوقهما. لذلك أحلّ الرواقيون فكرة الإنسان، كمثل أعلى، محل فكرة المواطن، حسب تصور الفلسفة الأرسطية. إن هذه الثورة السلبية الراضخة لقدرها في محاولتها لمواساة الإنسان كانت المضمون الأبرز لموعظة الجبل الشهيرة للمسيح أيضاً.

إن تجربة المسيح النفسية على الصليب، تشير إلى تجربة صوفية ورواقية أيضاً، ونستدل فيها من تجربة فيلسوف رواقي سوري من منبج يدعى ابيكتيت الأعرج، كان عبداً لأحد حراس نيرون، يوردها سهيل رستم في كتابه "سوريون في التاريخ" (2013)، وأصبح أعرجَ عندما قضى سيده بتعذيبه. فعندما أديرت ساقه حول ذاتها كان يبتسم بهدوء قائلاً: "سوف تكسر ساقي"، وحين أشتد الألم ابتسم أيضاً بهدوء وقال لسيده: "لقد اعذرتك وتنبأت بانها سوف تكسر". أُعجب سيده برباطة جأش عبده، ويعتقد بأنه أعتقه.

قال ابيكتيت في كتابه الثمين "الخواطر" إن الخلاص من البؤس يملكه كل عاقل ويكمن في "الاتاركسيا" أو اللامبالاة، حيث يحرر الإنسان ما يقع في نطاق إمكانياته عما لا يقع، فما لا يتعلق بنا هو جسمنا والثروة والشهرة والسلطان وأنواع التقدير، فهذا لا نصنعه وعلى هذا ينبغي ألا نبالي به. أما الذي يقع في نطاق عملنا ويتعلق بنا فهو وقفٌ على آرائنا وأحكامنا، فإن رأي الإنسان هو الإنسان. فالعرج ليس شراً إلا إذا رغب الإنسان في السير السوي وحكم بضرورة عدم العرج.

لقد فضل الرواقيون تغيير المرء لحكمه، بدلا من تغيير الواقع. أليس رأينا بالموت مثلاً هو الذي يجعل الموت رهيباً! إن النفسية المستسلمة التي واجه فيها ابيكتيت الأعرج الموت وإمكانية وقوعه تشبه تماماً النفسية المستسلمة التي واجه بها المسيح موضوع موته، ومنذ لحظة العشاء الأخير إلى لحظة محاكمته أمام الوالي بيلاطس البنطي.

كان المسيح سورياً رواقياً تحدث إلى السوريين باللغة والأمثال التي يفهمونها، وكان في تعاليمه ومعاناته إلى اللحظة الأخيرة منفذاً وشهيداً لرسالته.

إن نداء المسيح الأخير لحظة موته على الصليب إلى إيلي، وليس يهوه أو أدون كما يلتزم اليهود بنداء ربهم، هو نداء إلى إلهه الكنعاني الخاص. إنها اللحظة الحرجة في الألم من الموت، والمسيح لحظتها يندب نفسه بثقافته السورية الجلية.

إننا في موت المسيح وعودته من الموت بعد بضعة أيام أمام أحد من الطقسين السوريين العريقين، إما مات على الصليب لما يشبه رمزية الإله المقتول ظلماً دموزي (وهي المعقولة عقلانياً لأن العودة من الموت مستحيلة فيزيائياً)، أو كعيد الموت السنوي الطقسي الذي يعود منه الإله بمساعدة زوجته أو ابنه او ابنته، فيكون بمثابة تجديد لشرعية ما! لقد اختار المؤمنون الأوائل عودته من الموت.

ما يدعو للتأمل، أن الرأي الذي رفض كنسياً وبين المؤمنين، والقائل إن أحد التلاميذ حلت عليه صورة المسيح وصُلب بدلاً عنه، أيضاً مفهوم سوري قديم يتعلق بالملك البديل، الذي كان يعتبر ملكاً لبعض الوقت ريثما تمر النبوءات والفأل السيّئ على الملك الشرعي، فيقتل فيها الملك البديل بدلاً عنه، وقد شرحها باستفاضة وبالنصوص المسمارية جان بوتيرو في كتابه "بلاد الرافدين الكتابة، العقل، الآلهة"(2006).

أبعاد سورية محلية في حكاية المسيح

ثمة أبعاد سورية عريقة في قصة المسيح، ففي قوائم ملوك الرافدين كما وردت في كتاب أسامة عدنان يحيي "القوائم الملكية والتاريخية في بلاد الرافدين" (2009) نجد أن التموزين، الراعي وصائد السمك، كان ترتيبهما في الملوكية الثالث وكلاً على مدينته، وإذا عدنا إلى أي كتاب مدرسي عن بداية الكتابة وفي مرحلتها الرمزية قبل المسمارية الأولى، وجدنا علامة الصليب تخص الحمل أو الخروف، ونقرأ في نصوص الرثاء الرافدية القديمة في كتاب حكمت بشير الأسود "أدب الرثاء في بلد الرافدين" (2011) كمثال في رثاء الإله ننكشزيدا بموته الطقسي السنوي: "ويلٌ، الممسوح بالزيت النقي، ينوح". أو رثاء الإله دامو في موته الطقسي: "لأجل الممسوح بالزيت الغائب البعيد، أبكي وخوفي ألا يعود.

ربما يجب أن نتأمل في أصل كلمة انجيل وأنها ربما لا تكون من اليونانية بمعنى البشارة بل من الآرامية بمعنى النجاة يا ايل

من شجرة الأرز المقدسة، حيث حملت به أنا أمه"، أو مرثية للنساء اللواتي حرمن من أزواجهن تقرأ جملة: "آه يا امرأة نوحي لأجل أورك، عصابة رأسي شبكت بالشوك".  

لقد كان المسيح سورياً رواقياً تحدث إلى السوريين باللغة والأمثال التي يفهمونها، وكان في تعاليمه ومعاناته إلى اللحظة الأخيرة منفذاً وشهيداً لرسالته. إن انسكاب عقائد العالم القديمة وطقوسه في قصته دليل على القابلية العظيمة في خلفيته الغامضة الأب ورسالته الأخلاقية ومعاناته. إن الكثير من الهرطقات الأولى والتي رفضت كانت اقتراباً منطقياً من تعاليمه وصورته الواقعية، كبدعة مرقيون التي قال فيها إن إله التوراة ليس نفسه إله الإنجيل.  

ربما يجب أن نتأمل في أصل كلمة انجيل وأنها ربما لا تكون من اليونانية بمعنى البشارة بل من الآرامية بمعنى النجاة يا ايل. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard