أبناء لا نعرف آباءهم في التاريخ السوري القديم (I)

الاثنين 17 يناير 202212:00 م

تعتبر الأسرة المكوّنة من أب وأم وأولاد اختراعاً معاصراً قياساً إلى عمر الإنسان على سطح الأرض، فالنظرة المتعالية إلى الأولاد مجهولي الهوية من جهة الأب، أو إلى المرأة الحامل بدون زواج، قضيتان معاصرتان خلت منهما الإنسانية في تاريخها الطويل، عندما كان الانتساب إلى الأم بحكم الولادة، فكل رجال القبيلة أباء لجميع أولاد القبيلة.

قدم التاريخ السوري القديم شخصيات تشترك بالمجهول من طرف الأب، صراحةً أو مواربةً، تموز وشروكين والمسيح، قدمت تفاصيل أسطورتهم فهماً اجتماعياً قديماً يحترم أبعاد هذه الحالة الإنسانية ويعول في أعماقه على دور هذا الابن.

الإله تموز

ثمة ثلاث شخصيات عرفت باسم دموزي الذي يعني الابن البار. ذكرهم أسامة عدنان يحيى في كتابه "القوائم الملكية والتاريخية في بلاد الرافدين"(2019)، الأول هو الملك الثالث لمدينة باد-تيبرا لمرحلة ما قبل الطوفان ووصف بالراعي. الثاني هو الملك الثالث لمدينة أوروك ووصف بـ"صائد السمك أصله من مدينة كوئارا"، والشخصية الثالثة هي الإله دموزي نفسه.

قدم التاريخ السوري القديم شخصيات تشترك بالمجهول من طرف الأب، صراحةً أو مواربةً، تموز وشروكين والمسيح، قدمت تفاصيل أسطورتهم فهماً اجتماعياً قديماً يحترم أبعاد هذه الحالة الإنسانية ويعول في أعماقه على دور هذا الابن

نعرف اسم أم الإله دموزي وتدعى سرتر وأخته جشتن أنا فقط. ثمة إشارة إلى الإله انكي كأب أدبي في نص يسجل حواراً بينه وبين زوجته إنانا التي تتفاخر بنسبها من طرف الوالدين على الإله تموز، الذي يبدو من دفاعه أنه ذو نسب متواضع مقارنة بها. هذا الإغفال ليس أمراً منطقياً، لسببين؛ الأول هو تعدد النصوص التي ترسم أبوّة أو أمومة الكثير من الآلهة، ولكنها تخلو جميعاً من موضوع والد تموز. والثانية، كتبت النصوص التي تتحدث عن تموز بكل تفاصيلها ونسخت وزيد عليها في حقب تاريخية متعددة، فلماذا لم تسجل لنا حقبة ما نسبه من طرف الأب؟ 

الجانب الاكثر إثارةً في هذا الإله أنه ليس إلهاً رئيسياً لأي مدينة في كامل سوريا القديمة. كان العرف القديم أن يخصص لكل مدينة إله وزوجته، ملكين على المدينة، يختصان بالمدينة وحمايتها، بل عرفنا آلهة كان أحد الزوجين إلهاً لمدينة والزوج الآخر إلهاً لمدينة أخرى!

ثمة سوء فهم أكاديمي حول رمزية هذا الإله يمنعنا من فهم السياق الذي يؤشر إليها وجوده ومعاناته ودور أمه وأخته كتفصيل غامض إلى جانب مأساته. تعتبر النظرية المدرسية تموز إلهاً للخصب، يهبط في شهور معينة إلى العالم السفلي ويعود بعدها في شهور محددة إلى الحياة ليجدد الخصب. إن هذه النظرية لا تستند إلى أي نص مسماري يتحدث عن العودة لا تلميحاً ولا صراحةً.

يعود التشويش القائم حول موت تموز إلى الخلط القائم بين الموت السنوي لبعض الآلهة السورية، كطقس لرأس السنة السورية التي تبدأ في 1 نيسان/ أبريل وتستمر إلى 12 يوماً، حيث يغيب عن المدينة الإله الذكر الرئيسي أياماً محدودة، وتقوم في أثناء هذه الغيبة الأحزان استعداداً لعودته المؤكدة خلال بضعة أيام وليس أشهر، وهي عودة يتمنى الحزانى فيها أن تسجل لهم مصائر جديدة وجيدة، فيكون كل عام هو بداية لمصائر جديدة. شرح نائل حنون في كتابه "الحياة والموت" (2018) يكون موت هؤلاء الآلهة نوعاً من الفوضى الكونية، فسكان المدينة بلا مصائر مسجلة، وتتم عودة الإله الرئيسي بواسطة زوجته أو أمه أو ابنه أو أخته.

رمزية موت تموز تخبرنا أن الحاجة البشرية إلى الحزن وجدت كإحساس شعبي منفصل عن المعتقدات الرسمية للمدن، فقصائد رثائه المتألمة تمثل المقتول ظلماً، بدون عون أو حماية من الأب

لا يتعلق هذا الموت الطقسي السنوي بتغير المواسم أو الفصول أو الخصب، بل يدخل في حيز الاحتفال بتجدد شرعية الحكم والملك والمدينة في ملخّص أجوائه. لقد حُشِرَ مدرسياً موضوع موت تموز في موضوع موت هؤلاء الآلهة السنوي، رغم اختلاف كامل وحدة سياق الموضوع في الموت، فأخذ موت هؤلاء الآلهة كلهم على أنه موضوع واحد ويتعلق بالخصب.

تم الخلط بين معتقد شعبي موجود بشكل غامض عن موت تموز والأحزان المرافقة لغيابه، مع فكرة واضحة المقدمات والنتيجة لمعتقدات المدن ومؤسسات المعابد والتي وصلتنا بدقة في سجلاتها.

إن رمزية موت تموز تخبرنا أن الحاجة البشرية إلى الحزن وجدت كإحساس شعبي منفصل عن المعتقدات الرسمية للمدن، فقصائد رثائه المتألمة تمثل المقتول ظلماً، بدون عون أو حماية من الأب، والأم العاجزة بشكل غير مبرر، والأخت المنتصرة لنهايته الحزينة، وليس استفاضة بعض النصوص المسمارية في شرح كيفية الموت والتعذيب والضرب المرافق لسحبه إلى العالم السفلي إلا دلالة على الحاجة إلى الندب والتأثر.

إن الرمزية هنا تتعلق بالإله الراعي البريء من تطور وجود المدينة. إنه بطل الأمن الغذائي القديم لنظام سبق مرحلة الزراعة، ويتعلق بحقبة تهجين الحيوان عندما كانت هوية الانتماء إلى الأب لا تعني شيئاً، ولكنه دفع حياته ثمن حاجتنا الإنسانية للبكاء لتفريغ انفعالات ضعفنا الإنساني أمام فقدان من نحب.

شروكين العظيم/ سرجون الأكادي

هو باني أول امبراطورية شملت تقريباً جميع أنحاء الهلال الخصيب، والمتحدي الأول لنظام المدينة –الدولة العريق، دامت إمبراطوريته من (2350-2230) ق.م. شروكين ليس اسمه الحقيقي، فنحن لا نعرفه. إن اسم شروكين الذي يعني "الملك الشرعي" جاء في سياق قصته التي وصلتنا في ألواح تعود للعصر البابلي القديم والآشوري الحديث، يختصرها شاعر آشوري من القرن السابع ق.م، نقلها وديع بشور في كتابه "سومر وأكاد"(1981):

"أمي كانت متقلبة ووالدي لم أعرفه. أعمامي أحبوا التلال وسكنوها، ازوبيراتو مسقط رأسي تقع على الفرات، حبلت بي أمي المتقلبة وبالسر ولدتني. في سلة القصب وضعتني وبالقير غلفتني. في النهر ألقت بي ومياهه لم تبتلعني، بل حملني وإلى أكي البستاني أخذني. عني أكي بتربيتي وكابن له اتخذني، ثم جعلني أكي البستاني لديه بستانياً، وأنا البستاني منحتني عشتار المحبة والنعمة فمارست الملك تلك السنين". تضيف قصصه المتناثرة في النصوص الأدبية إلى أنه أصبح ساقياً لملك كيش أورزبابا.

قد يكون لقصة شروكين جانب واقعي بكونه مجهول الأب والأم، ولكنه كان ذا اطلاع راقٍ على شؤون السياسة وإدارة الملك في عصره. استطاع من خلال موقعه فهم المظالم التي كانت تقع على الناس

إننا أمام أول بيان دعائي سياسي في التاريخ، فاسمه شروكين دلالة على الطريقة غير الشرعية التي وصل بها إلى السلطة ليؤكد أنه الملك الشرعي، وبقية قصته تدل على المفاهيم الجديدة في العلاقات بين الشعوب وللانتماء والسلطة، فهو حكماً لا يعرف أباه ولا أمه، ولكنه يفترض أن أمه من مدينة محددة، وهذا دلالة على أهمية المدينة، ويفترض أن أعمامه أحبوا التلال وفي نصوص أخرى الجبال، وبالتالي يتقرّب من تلك الأقوام، فأي شعب ربما يكون شروكين ابناً له ولهذا الأمر حساسيته وما زال حتى يومنا هذا، ولقد كان بستانياً ولكن بفضل بركة عشتار أصبح ملكاً. بالتأكيد، علينا أن نضع حداً عقلانياً لمقدار سلة مدهونة بمادة القير على السباحة مع التيار دون أن تغرق ليلتقطها بستاني الملك أكي.

هذه الملامح الواردة في قصته الأسطورية متوقعة بسبب المفاهيم الكثيرة التي اخترقها شروكين، من طريقة الوصول إلى السلطة إلى إنهاء نظام الدولة المدينة، إلى بناء علاقات تجارية واسعة جداً بين الخليج العربي والبحر المتوسط وهضبة الأناضول التي أرسل بعثة عسكرية بمخاطرة كبيرة لينقذ تجاراً في كبدوقيا استنجدوا به، إلى ابتكاره جيش نظامي محترف ذي نوعية تسليح جديدة تناسب المغامرات القادمة، إلى تأسيس مغاير لطريقة القضاء في الولايات التي كانت تعتمد على حاكم الولاية، فقام بنفسه بتعيين القضاة وجعلهم يحكمون باسمه دون العودة إليه، إلى اعتماده على الكثير من الآلهة من آنو وإنليل وعشتار. إن الدولة الجديدة لم ترتكز إلى إله محدد، وهو المفهوم القديم في إدارة المدينة- الدولة، فبناء عاصمته أكاد في حدّ ذاته كان ابتعاداً عن المدن العريقة بكل طبقاتها الراسخة والمتحكمة.

وصلت حدود دولته إلى لبنان، وثمة دلائل تشير إلى إرساله السفن لتضم قبرص إلى دولته، بل إن جيمس هنري بريستد في كتابه "انتصار الحضارة" (1926) يخبرنا أن الصدفة قد تقودنا يوماً ما إلى اكتشاف رسائل متبادلة بينه وبين ملوك مصر، الذين كانت سفنهم في ذلك الوقت تجوب البحر المتوسط وتستخدم موانئ الكنعانيين. 

إن اكتشاف عاصمة إمبراطوريته أكاد سيزيل الغموض حول هذه الشخصية. فاسم أكاد، كما يقترح هاري ساغز في كتابه "البابليون"(1926)، ونقلاً عن المؤرخ جاكوبسن، تعني أرض الأجداد، بينما يطيب لكثير من المؤرخين اعتبار الشعب الأكدي عنصراً عرقياً وبدوياً استوطن بلاد الرافدين، علماً أنه لا يوجد أي دليل كتابي أو فني، وفي أي حقبة زمنية، يؤشر أو يلمح إلى مرحلة بدوية ما في حياة ما اصطلح على تسميته الشعب الأكدي، فاللغة الأكدية أقدم من عمر دولة شروكين بالتأكيد، وإدارة إمبراطورية شاسعة المساحات بناء على الطريقة السومرية في الكتابة كان أمراً غير عملي، فكانت دولته انتصاراً لطريقة كتابة أكثر سهولةً وليست دليلاً على قدوم شعب جديد إلى المنطقة.

قد يكون لقصة شروكين جانب واقعي بكونه مجهول الأب والأم، ولكنه كان ذا اطلاع راقٍ على شؤون السياسة وإدارة الملك في عصره. استطاع من خلال موقعه فهم المظالم التي كانت تقع على الناس، فقام ببناء علاقات ممتازة مع رجال الجيش في مدينة كيش، واستغل هذه العناصر في انقلابه على الملك، وانطلق في مغامرته التي لم يكن ليكتب له النجاح فيها لولا ذكاؤه وموهبته الخاصة ورضا سكان مدينته عن إنجازاته، والأهم أن الظروف التاريخية في بلاد الرافدين كانت قد نضجت لقبول مغامرة بناء إمبراطورية والخروج من فلك الدولة المدينة لمدة 150 عام.

ليس خلفاء شروكين، الذي دام حكمه 55 عاماً، بأقل منه فرادة في التجربة، خاصة حفيده نارام سين الذي أعاد أمجاد جده مدة 40 عاماً، بعد حروب طويلة انتصر فيها على أعدائه في أطراف الإمبراطورية، جهات الشرق والشمال والجنوب. كانت فرادة هذه الإنجازات التي فاق جده فيها وراء وضع علامة الألوهية قبل سمه وارتدائه القبعة ذات القرنين تشبهاً بالآلهة، وحمل لقب شار كبرات أربعيم، أي ملك الجهات الأربع.

كان لإنجازات هذه الأسرة مفعول العدوى للملوك اللاحقين، لإعادة بناء هذه الإمبراطورية لتكون عاصمتها بابل أو آشور أو ماري. إنها جذوة الحلم الذي أطلقته قصة طفل لا نعرف أمه ولا أباه اكتسبت القابلية في ثقافة النفس السورية القديمة لتجاوز حدود السائد والأعراف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard