هبوط المسيح في "العصر الجديد" أو ماذا تفعل موسيقى الروك بعقولنا؟

الثلاثاء 6 يوليو 202112:45 م

"يا نور النّبي، يا نور النّبي، هذه الجلسة حضرها النّبي"، كان هذا المقطع من جملة المقاطع التي حفظتها في طفولتي، من كتاب "أناشيد الصفا"، ولم أدرك معنى معظم تلك المحفوظات، لا سيّما أنّي كنت تلميذاً في المرحلة الابتدائيّة. لكنّ ما أثارني حقّاً أنّني سمعت هذه المقاطع في حلب أثناء دراستي الجامعيّة، والذي فاجأني أنّ الشاب الذي يردّد تلك الأناشيد بصوت جميل، يسرد على مسامعنا أنّهم شاهدوا بريقاً من النور أو اللمعة أثناء إنشادهم في أحد مساجد دمشق. وفسّر ذلك بأنّ روح النّبي محمّد زارت مجلس الإنشاد. كان يقصّ علينا ما جرى وهو مقتنع قناعة راسخة بأنّ روح النّبي زارتهم على شكل ضوء أو نور.

سأله أحد الحاضرين ببرودة أعصاب وحسن نيّة على ما أظن!: كيف رأيتم نور النّبي وأنوار المسجد قويّة كما هو معتاد؟! أجابه بسرعة وبابتسامة خفيفة: لا، نقوم بإطفاء الأنوار كاملة أثناء مجالس الذّكر، حتّى لا نفكّر بشيء آخر غير الحضرة النبويّة، وعندها سوف نتمكّن من رؤية تلك اللمعة الربّانيّة.

لا شكّ أنّ هذه الطقوس مألوفة في المجتمعات المحافظة، لكنّ طريقة التأثير الجمعي هي المهمّة! كيف اقتنع هؤلاء النّاس بهذه الأفكار، على الرّغم من أنّها غير واردة في المصادر الأساسيّة، كالقرآن الكريم، والحديث النّبوي؟

لا بدّ من أساليب قد تكون تقليديّة للسيطرة على العقل الفردي، ثمّ العقل الجمعي، ليصل إلى مرحلة تصديق أيّ شيء أو التأثر بشيء وهمي غير موجود. ونحن اليوم في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ووسائل الإعلام المرئيّة والمكتوبة، والسينما، وعلم النفس بفروعه الحديثة والمؤثّرة على التكوين الاجتماعي للفرد والمجتمع على حدّ سواء. ولم يعد التلاعب بالفرد أو المجتمع مجرّد دعوة عرضية، يقوم بها رجل دين، أو فيلسوف، أو مصلح اجتماعي، بل تحوّلت إلى علم خاصّ يدرس الذات الباطنة، ويُطلق عليه علم الإيزوتيريك.

تعتقد بيلي أنه: "لقد خرجت الروح من الأديان القديمة، والضوء الروحي الحقيقي ينقل نفسه إلى شكل جديد يظهر على الأرض، في نهاية المطاف، كدين عالمي جديد"

لذلك ظهرت الكتب والمؤلّفات في هذا الحقل، ولا سيّما مؤلّفات الدكتور جوزف مجدلاني مؤسس علم الإيزوتيريك في لبنان والعالم العربيّ، والذي له ما يربو على مائة كتاب في هذا العلم، بحسب المقابلة التي أجرتها فاطمة فقيه مع جوزف مجدلاني.

عصر الدّلو

وبحسب الكاتب ديفيد ليفينغ ستون في كتابه "الإرهاب والتنوير"، الذي نقله إلى العربيّة أدهم وهب مطر، وصدر في دار تمّوز ديموزي بدمشق، عام 2018، فإنّ تاريخ البشريّة محدّد بعصور، وفي كلّ ألفَي سنة تدخل البشريّة في عصر جديد. ونحن نعيش اليوم (2021) في مطلع "عصر الدلو"، بعد أن قطعنا مرحلة عصر الحوت، التي انتهت في سنواتها الأخيرة بثورة علميّة تكنولوجيّة مهّدت الطريق للعصر الجديد.

ووفق ما ذكر ستون في كتابه السابق فقد انتشرت الأفكار حول "العصر الجديد" (عصر الدلو) بفضل الكاتبة البريطانية أليس بيلي (1880-1949)، رئيسة الحركة الثيوصوفيّة. وقد أسّست أليس بيلي شركة لوسيفر (الشيطان) للنشر، ثمّ غيّرت اسمها إلى شركة لوسي للنشر، بالتعاون مع مدرسة أركين الغامضة، واتفقوا على مشروع "الخطّة"، والتي كشفتها في أربعة وعشرين كتاباً. وفي كتاب بيلي "خارج التسلسل الهرمي" ذكرت أنّه بعد عام 2025 سيهبط يسوع المسيح، والمعلّم راكوسشي، والمعلّم كوثومي والآخرون، جسديّاً على الأرض، بعد أن كانوا في عالمهم الروحي العلوي.

وأليس بيلي (1880-1949)، بحسب ما نقله ديفيد ستون وُلدت في مانشستير بالمملكة المتّحدة، ثمّ انتقلت إلى الولايات المتّحدة عام 1907، حيث قضت معظم حياتها كاتبة ومعلّمة. تصف أعمالها التي كتبت بين العامين 1919 و1949، نظاماً واسع النطاق من الفكر الباطني يغطي مواضيع مثل كيفية ارتباط الروحانية بالنظام الشمسي، والتأمل، والشفاء، وعلم النفس الروحي، ومصير الأمم، والوصفات للمجتمع بشكل عام، ووصفت معظم أعمالها بأنها تمّ إملاؤها بشكل تلبودي من قبل سيّد الحكمة. وضعت أكثر من أربعة وعشرين كتاباً في موضوعات فلسفية، وكانت من أوائل الكتّاب والمفكّرين الّذين استعملوا مصطلح "العصر الجديد".

وضّح فرويد في "موسى والتوحيد" بأنّه، في مصر الفراعنة، كان يمنح مرتكبي "زنا وسفاح المحارم" منزلة شبيهة بالألوهية

أما "الخطّة" التي تبنتها بيلي فتركز على التقارب المتناسق والمعروف باسم "أوميغا"، أو تقارب العقل، أو الانصهار، أو نقطة التحوّل، التي لا تحدث إلّا عندما تضع الأمم خلافاتها جانباً في النظام العالمي للوحدة العالمية. وعندما تتحقق حكومة العالم، فإنّ "العصر الجديد" أو "عصر الدلو" سوف يشرق. وبعد أن ندخل في العصر الجديد المشرق يظهر المسيح ليطبّق تعاليم النظام العالمي الجديد. ويعرف هذا المسيح باسم الربّ ميترايا الذي ينتظره اليهود، والإمام المهدي الذي ينتظره المسلمون، وبوذا الخامس الذي ينتظره البوذيون.

وقد شرحت بيلي في كتابها سالف الذكر أنّ هناك ديناً واحداً للعالم، بقولها: "لقد خرجت الروح من الأديان القديمة، والضوء الروحي الحقيقي ينقل نفسه إلى شكل جديد يظهر على الأرض، في نهاية المطاف، كدين عالمي جديد".

كانت شركة لوسي للنشر تُدار عبر مجلس أمناء دولي يضمّ: جون روكفلر، وروبرت مكنمارا، وتوماس واتسون، وهنري كلوسون القائد الأكبر للمجلس الأعلى، وهنري كيسنجر، وغيرهم. وسوف يتمّ تنفيذ "الخطّة" عبر معهد تافيستوك، وبرنامج ماك-ألترا، للسيطرة على العقل، بالإضافة إلى الجنس، والمخدّرات، وموسيقى الروك أند رول الصاخبة، لشحن الحالات النفسيّة، وحقن عقول الجماهير. ومن خلال معهد تافيستوك رعت العائلات الثلاث روكفلر و وأربيرج و هاريمان، مع وكالات التاج البريطاني، الكثيرَ من مشاريع الهندسة الاجتماعية والتي تدعو إلى قتل الأشخاص الذين يخضعون لتجارب وراثية.

ويشير ديفيد ستون إلى أنّ مدرسة فرانكفورت توافقت على أطروحة مفادها أنّه يمكن استخدام وسائل الإعلام للحثّ على ظهور حالات عقليّة رجعيّة، وتذرية الأفراد، وتوليد مسؤولية متزايدة لخلق حالات سلبية تتحوّل تدريجيّاً إلى ثقافة ونمط حياة دائميْن.

عالم الموسيقى ثيودور أدورنو وضع نظرية اجتماعية من موسيقى الروك، تقوم على أنّ المستمع الذي يتذكّر أغنية ضاربة، يتحوّل إلى موضوع الأغنية المثالي، وهو يعرف أنّ هذا الموضوع وهمي

وبيّن العالم ديفيد باكان في كتابه "سيغموند فرويد والتقليد الصوفي اليهودي"، أنّ فرويد كان من الأتباع السرّيّين لطائفة السبتيّين الذين يتبعون المسيح اليهودي المزعوم "سبتاتي زيفي"، بعد أن اطّلع فرويد على تعاليم القابالا اللوريانية، وقد عبّر عمّا درسه بقوله: "هذا هو الذهب!".

هكذا وضّح فرويد في كتابه "موسى والتوحيد" بأنّه، وكما في حالة مصر الفراعنة، كان يمنح مرتكبي "زنا وسفاح المحارم" منزلة شبيهة بالألوهية. وفي الكتاب نفسه يدّعي فرويد أنّ النّبي موسى كان من مصر، وذلك لتشويه سمعة أصل النسب الذي يمنحه.

موسيقى الروك

تلعب الموسيقى دوراً مهمّاً في التأثير على مواقف الأشخاص، ويمكن استخدامها للحدّ من وصول المستمع إلى حالة من عدم النضج العاطفي، ممّا يجعله سريع التأثّر بما تحتويه. وكان ألدوس هكسلي هو الوكيل الرئيسي لهذه المؤامرة، وبرزت أفكاره في كتابه "شياطين لودان"، عام 1952، ووصف هذه الظاهرة بقوله: "إذا ما تمّ التعرّض، ولفترة طويلة بما فيه الكفاية، إلى نقرات الطبل، والغناء، فإنّ ذلك سيؤدّي بكلّ من فلاسفتنا إلى القفز، وحتّى العواء، وبشكل همجي، ولذلك، فإنّ تجميع مجموعة غوغائيّة من الرجال والنساء، ومن ثمّ تعريضهم لموسيقى مضخمة، وصاخبة، وإلى الأضواء الساطعة، ومن دون التقيّد بزمن معيّن، يؤدي إلى وقوعهم في حالة شبه إنسانية، وسيكونون عديمي التفكير تقريباً".

ووصل الباحثون في مشروع "بحوث الراديو"، المبني على هذه النظرية، إلى أنّ الإذاعة أثّرت بالفعل على عقول مستمعيها، بعد أن جعلتها مجزّأة بالفعل، وغير مفهومة، وأن تكرار الشكل هو مفتاح لجذب الشعبية. وكان عالم الموسيقى ثيودور أدورنو وضع نظرية اجتماعية من موسيقى الروك، تقوم على أنّ المستمع الذي يتذكّر أغنية ضاربة، يتحوّل إلى موضوع الأغنية المثالي، وهو يعرف أنّ هذا الموضوع وهمي، ويدرك أنّ الأنا الموسيقية لديه ستجعله يشعر بأنّه في عزلة حين يكون وحده، وفي حالة اندماج حين يكون في حشد من المستمعين. فهو ينحني إلى طقوس التنشئة الاجتماعية، ثمّ تأتي مرحلة الإدمان على الموسيقى والتي سوف تتحوّل إلى ظاهرة جماعية بحسب ديفيد ستون.

وأشار اللورد برتراند راسل الذي انضمّ إلى مدرسة فرانكفورت، في كتابه "تأثير العلم على المجتمع"، الصادر عام 1951، إلى أنّ علوم وظائف الأعضاء، وعلم النفس، قابلة لكي تحمل أساس مجالات التقنية العلمية، عبر ديكتاتورية علمية، تقنع الأطفال وهم في سنّ العاشرة وما دون، أنّ الثلج أسود، وقد يكون الثلج رماديّاً أيضاً!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard