سوق العقارات المصري... رافعة الاقتصاد وماكينة توليد الأزمات

الاثنين 18 أكتوبر 202101:34 م

"احنا كده حنقفل وحتتقفل معانا بيوت كتير، اكيد في حلول تانيه".. بهذه الكلمات عبر ناصر نوح (مدير إدارة التسويق في إحدى الشركات العقارية) عن القلق البالغ والارتباك الشديد الذي يخيم على سوق العقارات المصري منذ صدور قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير عدم الإعلان عن تسويق أي مشروع عقاري إلا بعد الانتهاء من بناء 30% من وحداته، وذلك "لضمان حقوق الحاجزين، وجدية المطورين" على حد تعبيره.

يأتي القرار في ظل فوضى تعتري سوق العقارات طالت آثارها مدخرات بعض المواطنين.  لكن على جانب آخر يخشى العاملون في سوق العقارات أن يقود القرار إلى توقف عجلة قطاع التشييد، والذي بات يشكل رافعة أساسية للاقتصاد المصري، عن الدوران تماماً.

كيف تكونت طبقات المطورين العقاريين؟ كيف تعاونت مع الدولة؟ وكيف انتهى الحال إلى ذلك الصدام المكتوم؟ وما تبعاته؟ أسئلة لا تخص المشتغلين في السوق الأهم في مصر اليوم فحسب، بل يمتد الاهتمام بها ليطال الجميع.

يدفع الجميع ويثرى "المقاول"

لعقود طويلة اعتاد المقاولون ("المطورون العقاريون" لاحقاً) الحصول على قروض من البنوك بضمان الأراضي، ثم يسددون تلك القروض بعد الانتهاء من البناء وتسليم الوحدات السكنية للملاك.

ظلت الأمور تسير على ذلك المنوال حتى عام 1995، حين تفجرت القضية المعروفة إعلامياً باسم "قضية نواب القروض"، والتي اتُّهم فيها النواب توفيق عبده إسماعيل، وخالد محمود، ومحمود عزام، بتكوين لوبي مع آخرين للاستيلاء على المال العام عبر أخذ قروض بنكية تجاوزت قيمتها 892 مليون جنيه مصري (192 مليون دولار) بضمانات  أراض تمت المبالغة في تقييم أسعارها.

حينذاك، كانت الأجواء متوترة إثر ازمة بنك الاعتماد والتجارة الدولي، وكانت هناك خشية من تكرار الأمر مرة أخرى، فأصدر البنك المركزي المصري قراراً بمنع البنوك من إعطاء قروض للمقاولين بضمان الأراضي.

كيف تكونت طبقات المطورين العقاريين؟ كيف تعاونت مع الدولة؟ وكيف انتهى الحال إلى ذلك الصدام المكتوم؟ وما تبعاته؟ أسئلة لا تخص المشتغلين في السوق الأهم في مصر اليوم فحسب، بل يمتد الاهتمام بها ليطال الجميع

أصاب قرار البنك المركزي سوق التشييد بالارتباك، حتى وجد المطورون العقاريون (المقاولون) ضالتهم في فكرة البيع على الخريطة، وبموجبها يحصل المطور على الأراضي من هيئة المجتمعات العمرانية  (الجهة الحكومية المنوط بها توزيع الاراضي في المجتمعات الجديدة) بعد أن يدفع ربع قيمتها كمقدم، ثم  يبيع المشروع السكني للجمهور "على الماكيت"، أي قبل البناء، ومن أموال الناس يسدد باقي ثمن الأرض على ثلاث سنوات، ثم يبني المشروع ويسلم الوحدات.

وبذلك تتحقق للمطور أرباح من دون مخاطرة، إذ إنه لم يدفع من ماله الخاص سوى ربع ثمن الأرض التي حصل عليها بسعر شراء يقل عن قيمتها السوقية. أما باقي تكاليف إتمام المشروع، فيتكفل بها المشترون في مشروعاته.

إحدى أهم النقلات في رحلة تكون طبقة المطورين العقاريين الجدد حدثت في عشرية تصعيد جمال مبارك (2000- 2010)، حين حاول الوريث المنتظر خلق صورة جديدة للواقع المصري تشابه النمط الغربي، فحدث التوسع في فكرة المنتجعات السكنية (الكمبَوندز) ومعها تحوّل المقاولون إلى "مطورين عقاريين"، اسم "شيك" يتسق مع بلد "الشياكة" التي سوَّق لها جمال ومجموعته.

مع التوسع في "الكمبوندز"، نُقل مفهوم تقييم العقار إلى مربّع آخر، وأصبحت أسعار الوحدات السكنية مغالى فيها، إذ لم يعد المطور يبيع وحدة سكنية، بقدر ما يسوِّق للمشترين "لايف ستايل" جديد، نمط حياة غربي محاط بالأسوار، يحرس بواباته الأمن لمنع الدخلاء من الطبقات الأدنى على السلّم الاجتماعي والاقتصادي. الفكرة المباعة صارت: "ستقيم في مصر... لكنك لن تعيش فيها".

المكاسب التي جناها المطورون العقاريون حينها، أغرت الكثيرين بالولوج إلى سوق العقارات، ففيه "يتحول التراب إلى ألماس".

ويقدّر الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق، في كتابه "عشش وقصور"، ما أنفقه المصريون على شراء وحدات في تلك المنتجعات السكنية حتى عام 2012 بنحو 895 مليار جنيه.(150 مليار دولار)

تراب أغلى من الذهب

سارت الأمور بشكل جيد في ذلك القطاع، الكل يجني أرباحاً، ليس فقط في نطاق المطورين العقاريين، بل أيضاً على مستوى بعض صغار المستثمرين الذين ضاربوا في مجال الأراضي الذي أصبح إحدى بوابات الطبقة الوسطى لتحقيق مكسب السريع، عبر الفوز بقطعة أرض من هيئة المجتمعات العمرانية ثم "تصقيعها" لبضعة أعوام قبل بيعها مع مكاسب كبيرة.

"عملنا فلوس حلوة من الحكايه دي". هكذا يبدأ نادر فهمي، مرشد سياحي، حديثه لرصيف22، متذكراً مكاسبه من التجارة في أرض الدولة، ويقول: "في 2007، طرحت هيئة المجتمعات العمرانية قرعة أراضي في مدينة السادس من أكتوبر. قدّمتُ فيها وحصلت على قطعة متوسطة. ما دفعته كان 36 ألف جنيه، وبعد أسبوعين بالضبط قمت ببيع إيصال التخصيص بـ136 ألف جنيه - محققاً صافي ربح 100 ألف جنيه". "كانت أيام خير والله"، يعلّق مبتسماً.

مع التوسع في "الكمبوندز"، نُقل مفهوم تقييم العقار إلى مربّع آخر، وأصبحت أسعار الوحدات السكنية مغالى فيها، إذ لم يعد المطور يبيع وحدة سكنية، بقدر ما يسوِّق للمشترين "لايف ستايل" جديد، نمط حياة غربي محاط بالأسوار، يحرس بواباته الأمن لمنع الدخلاء من الطبقات الأدنى على السلّم الاجتماعي والاقتصادي

لكن مع بزوغ شمس الدولة الجديدة، في 2013، تنبهت الدولة إلى فيض الأموال المتدفق في قطاع الأراضي والتشييد، وتحركت للحصول على حصتها منه.

تزامن ذلك مع توسع طردي في طرح الأراضى، حتى أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة طرحت في 2016 ما يقرب من 17 ألف قطعة أرض في مشروع واحد فقط، من ضمن مشروعاتها العديدة.

خالد منصور، أحد سماسرة الأراضي في الشيخ زايد، يروي لرصيف22: الحكومة دخلت على السوق بمنطق ‘عبي له وادي له’، كانوا يرون مكاسب الـ over المذهلة (فرق سعر الأرض بين قيمة إيصال التخصيص وإعادة بيعه)، واعتبروا أنها نهر لا تطوله أيديهم، فرفعوا سعر التخصيص، وتوسعوا في طرح الأراضي، بمنطق: نحن أولى".

وكانت النتيجة، والحديث ما زال لمنصور، أن حدث تشبّع نسبي في السوق لم تشعر به الدولة إلا في 2018 حينما طرحت 120 قطعة في "التجمع" بيع منها 20 قطعة فقط. هنا أدركت الحكومة أن السوق محتاج "يتعطش"، فتوقف فيضان طرح الأراضي، وتحولت بوصلتها صوب التطوير العقاري... لتبدأ صفحة جديدة في كتاب قطاع التشييد المصري.

كل أوراق اللعب

سرعان ما قررت الدولة أن تتوسع في دورها كمطور عقاري، مرتدية ثلاث قبعات في آن واحد: المالك، المُطور، والمُشرع.

بدأ التوسع عبر دخول جهات الدولة في شراكات مع أباطرة التطوير العقاري، وفي نفس الوقت بدأت في بناء مشاريعها بنفسها مخاطبة الطبقات المجتمعية الثلاث.

هكذا، أصبحت لديها مشاريع ضخمة مثل "دار مصر" الذي يخاطب الطبقة الوسطى العليا بوحدات متوسط قيمتها مليون ونصف مليون جنيه، ومشروع "سكن مصر" الذي وجه للطبقة الوسطى بمتوسط سعر 900 ألف جنيه، فضلاً عن الإسكان الاجتماعي حيث الوحدات الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 70 متراً مربعاً وتناسب محدودي الدخل. أضف إلى ذلك حضور الدولة بقوة كشريك ومنظم في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين.

تزامن ظهور المارد الرسمي الوافد بقوة على سوق المعمار، مع تشبع في قطاع الإسكان الفاخر، إذ تشير بعض التقارير إلى أن المعروض في ذلك القطاع تجاوز الطلب بعدة أضعاف. دفع هذا التشبع المطورين إلى تغيير نظام البيع ليصبح في مقدورك بمقدم 5% فقط أن تحصل على وحدة فاخرة مع دفع باقي ثمنها على أقساط شهرية وربع سنوية يصل مداها إلى عشر سنوات، وذلك سعياً لجذب شرائح أوسع إلى الشراء، ومداعبة الأحلام الطبقية بالانضمام إلى علية القوم من قاطني الكمبوندات.

من جانبها، تنبهت الدولة هي الأخرى لإشكالية الركود الحادث في البيع والشراء الذي طال مشاريعها، وفي نفس الوقت كانت ترى الأموال ساكنة في البنوك لا يعرف أصحابها كيف يستثمرونها، خصوصاً بعد انخفاض سعر الفائدة على الشهادات الاستثمارية والودائع... فقررت التحرك.

مبادرات التمويل العقاري... الهدف والمستهدف

نتيجة لوفرة المعروض في سوق العقارات بشكل عام والفاخر بشكل خاص، المتزامن مع ارتفاع الأسعار الناجم عن تعويم الجنيه، حصل ركود نسبي في سوق العقارات، وهو ما طال مشروعات الدولة أيضاً بطبيعة الحال. وهنا ظهر "التمويل العقاري" كحل سحري.

"التمويل العقاري كفكرة ليس جديداً على السوق المصري". هكذا يستهل شاهر محمود، مدير فرع أحد البنوك، حديثه لرصيف22 ويقول: "ما منع التمويل العقاري من الانتشار في مصر، هو أن البنوك تشترط أن تكون الوحدة مسُجلة حتى يتم التعامل عليها، فضلاً عن حتمية وجود ‘نموذج 19 تصرفات عقارية’ وهو أقرب ما يكون إلى البطاقة الشخصية للعقار ويكشف ما إذا كانت عليه أية مخالفات أم لا".

"الحكومة دخلت على السوق بمنطق ‘عبي له وادي له’، كانوا يرون مكاسب الـ over المذهلة (فرق سعر الأرض بين قيمة إيصال التخصيص وإعادة بيعه)، واعتبروا أنها نهر لا تطوله أيديهم، فرفعوا سعر التخصيص، وتوسعوا في طرح الأراضي، بمنطق: نحن أولى"

ونظراً إلى أن معظم الملكيات في مصر غير مسجلة (فقط 15% من الثروة العقارية في مصر مسجلة)، وإلى أن أغلبها يحمل مخالفات بشكل أو بآخر، تعذّر على البنوك التوسع في مسألة التمويل العقاري.

يستطرد المصرفي في حديثه عن المبادرات المركزية الأخيرة للتمويل العقاري ويقول: "نظرياً المبادرة متاحة للجميع، سواء المشاريع الخاصة أو المملوكة للدولة، لكن عملياً فإن تلك المبادرات ستخدم فقط مشروعات الدولة، لأن ‘جواب التخصيص’ في المدن الجديدة يغني عن سند الملكية والرخصة ونموذج 19 تصرفات عقارية، وهي الأوراق التي يشترط البنك وجودها قبل التعامل مع أي وحدة سكنية".

ويختتم حديثه قائلاً: "يظل العائق الرئيسي أمام الطامح في الاستفادة من تلك المبادرات هو نجاحه في إثبات دخله للبنك، وهو أمر ليس بالهيّن بالنسبة إلى قطاعات عدة".

انتعاش يتبعه انهيار

المكاسب الفلكية التي حققها المطورون العقاريون من فكرة البيع على الخريطة بعد تسديد ربع قيمة الأرض فقط للدولة كمقدم، أغرت الكثيرين بالدخول إلى هذا المجال، ومع الوقت طمع البعض في مزيد في المكسب، وبدلاً من أن ينهي مشروعه ويسلمه، تفتق ذهنه عن أنه من الممكن، بأموال المشترين، أن يتقدم للحصول على أرض جديدة، ويحرك المشروعين سوياً، وبذلك يكون قد حقق مكاسب مضاعفة دون أي تكلفة مباشرة عليه.

تلقّت ولاء نصر كما كثير من المصريين مكالمة من إحدى شركات التسويق العقاري، قدّمت لها عرضاً مبهراً للحصول على وحدة في مشروع "ذا سيتي" The city في العاصمة الإدارية الجديدة التي باتت قبلة الراغبين في شراء وحدات سكنية أو تجارية للادّخار أو السكن. لكن بعد أشهر طويلة من الانتظار، ظلت أرض المشروع المبهر خاوية إلا من إنشاءات قليلة، وظهرت الأخبار عن تعثر المطور العقاري المالك للمشروع، وبدا أن أموالها وأموال غيرها ممّن أودعوا مدخراتهم في هذا المشروع ذهبت ربما إلى غير رجعة. تقول ولاء: "أنا مالي ومال أزمة الشركة مع شركة العاصمة؟ المطور العقاري اتأخر، تلاعب، نصب على شركة العاصمة فسحبت منه الأرض. طب دلوقتي الحكومة تعرف تجيب حقها، إحنا بقي نروَّح؟".

نفس التساؤل يطرحه مالك آخر في نفس المشروع، طلب عدم ذكر اسمه، مضيفاً: "بنسمع كلام عن قرب الحل وتسوية الموقف. تمام! لكن ماذا عن تأخيرنا عن موعد الاستلام؟ حتى الآن سددت للشركة ما يقرب من 900 ألف جنيه، ونظرياً سوف أستلم بعد ثلاثة أعوام، رغم أنه كان من المفترض أن استلم بعد أشهر".

حالة مشروع "ذا سيتي" لم تكن حالة التعثر الوحيدة، ومع توالي ظهور تلك الحالات، تعالت أصوات استغاثة الحاجزين، بين تأخر مقلق في التسليم، ومشاريع لم تسلَّم أصلاً وتبخرت معها أموال الملاك.

وتزامناً مع تعالي أصوات استغاثة الحاجزين في المشروعات المتعثرة على هاشتاغ "الحقنا يا ريس"، أقام أحد المطورين العقاريين عرساً أسطورياً لابنته، قيل إنه تكلف ملايين الدولارات، في وقت يتذمر الحاجزون في مشاريعه من تأخر في التسليم.

بدأت وسائل إعلام، غير محلية، تهتم بالقضية، وجاءت استضافة العميد خالد الحسيني، المتحدث الرسمي باسم شركة العاصمة الإدارية الجديدة، في برنامج "بتوقيت مصر" على قناة BBC، التي أقر خلالها بأن هناك مشكلة بالفعل مع عدد من المطورين العقاريين ممن حصلوا على أراضي داخل العاصمة، وبأن شركة العاصمة لها مستحقات لدى رجل الأعمال محمد لاشين، مالك شركة "ماستر جروب"، المقيم خارج البلاد حالياً، و"لكنها لم تصل إلى مبلغ 800 مليون جنيه المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي".

وكشف العميد الحسيني في اللقاء أنه "لا توجد صفة قانونية تسمح لشركة العاصمة بالتدخل لحماية حقوق العملاء، أو التدخل بين المواطن والمطور العقاري".

هذا التصريح زاد من فزع المشترين المقبلين على الشراء في المشروع الذي بات يمثل مستقبل السكن والاستثمار، ودرة تاج الجمهورية الجديدة: "العاصمة الإدارية". وكثرت الشكاوي، وانتشر هاشتاغ #إلحقنا_ياريس_العاصمةـالإدارية، والذي تحدث فيه الحاجزون عن شبح ضياع مدخراتهم نتيجة لتلاعب إحدى الشركات بهم… وهنا، قررت الدولة أن تتدخل.

السيسي يتدخل بقانون الـ 30٪

تكشَّف للرئاسة -التي صرح رأسها في غير مرة أنه يتابع نبض الشارع المصري وما يهتم به الناس على وسائل التواصل الاجتماعي- أن سوق التشييد في مصر يشهد فوضى. لذا قرر السيسي التدخل لإيقاف ذلك النزيف، مصدراً قراره الأخير بمنع المطورين العقاريين من الإعلان عن تسويق أي مشروع إلا بعد الانتهاء من بناء 30% منه، وذلك لضمان حقوق الحاجزين.

"لا يوجد أدنى خلاف على أن سوق العقار المصري تعتريه الفوضى، كما لا يوجد أيضاً خلاف على أن هناك من المشترين مَن فقدوا أموالهم أو جزءاً منها نتيجة جشع وتلاعب بعض المطورين، لكن الحل لا يمكن أن يكون بالتزامنا بنسبة الـ30% التي تريدها الدولة، فنتائج ذلك الإلزام ستكون كارثية لعدة أسباب"

تداعيات القرار الرئاسي

قوبل قرار الرئيس بحفاوة معلَنة من رجال الأعمال، عبّر عنه المهندس فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين في تصريح صحافي قائلاً إنه "قرار إيجابي لضمان حقوق المواطنين".

لكن بعيداً عن التصريحات الصحافية المحتفية، كان هناك قلق يتصاعد بين المشتغلين في سوق العقارات، قلق وصل صداه إلى أجهزة الدولة، ما استوجب عقد لقاء في منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي بين رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وكبار المطورين العقاريين، ضمّ وزير الإسكان ونائب محافظ البنك المركزي ورؤساء مجالس إدارات عدد من البنوك.

أحد المشاركين في الاجتماع، طلب عدم ذكر اسمه، كشف لرصيف22 أن الاجتماع كان عاصفاً، وعبّر فيه المطورون العقاريون عن مخاوفهم من تداعيات ذلك القرار على السوق. وأطلعنا المصدر على أن رئيس الوزراء استمع إلى مخاوف المطورين مبدياً تفهمه لها، واتفق معهم على عقد اجتماعات أخرى بغية "الوصول إلى صيغة منضبطة تضمن حقوق الجميع".

ناصر نوح، مدير التسويق في إحدى الشركات يصف القرار بأن "ظاهره الرحمة وباطنه العذاب"، شارحاً: "لا يوجد أدنى خلاف على أن سوق العقار المصري تعتريه الفوضى، كما لا يوجد أيضاً خلاف على أن هناك من المشترين مَن فقدوا أموالهم أو جزءاً منها نتيجة جشع وتلاعب بعض المطورين، "لكن الحل لا يمكن أن يكون بالتزامنا بنسبة الـ30% التي تريدها الدولة، فنتائج ذلك الإلزام ستكون كارثية لعدة أسباب".

هذه الأسباب يفصّلها نوح في أن معظم المطورين لا يمتلكون سيولة كافية لتنفيذ 30% من المشروع قبل البدء في البيع، شارحاً: "الجميع يعتمد على اسمه، وفرض ذلك القرار يعني التوقف تماماً عن العمل وخروج كثيرين من السوق".

أما السبب الثاني، فهو أن المطور الذي سينجح في توفير السيولة المطلوبة لبناء تلك النسبة مقدماً، لن يبيع المتر بالسعر الحالي، بل سيرفعه إلى ضعف الثمن على الأقل، فضلاً عن أنه لن يستطيع التقسيط على تسع سنوات. أقصى ما يمكنه الصبر عليه سيكون ثلاث سنوات".

ويواصل نوح: "ذلك القرار، رغم حسن مقاصده، سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وسينجم عنه خروج كثير من المطورين خارج السوق، وهو ما سوف ينعكس بالتبعية بشكل سلبي على قطاعات عدة مثل: سوق العمالة، وشركات التوريد، وشركات التسويق، و موردي الأغذية، إلخ".

والحل؟

السؤال الآن ما هو الحل المنطقي الذي يرضي جميع الأطراف؟ فمن جانب لا يمكن ترك المواطن فريسة للتلاعب، ومن جانب آخر يخشى أن يدفع هذا القرار الصادم إلى هزة عنيفة ترجّ أركان الاقتصاد المصري بأكمله.

يطرح المستثمر العقاري أحمد صقر حلاً للمشكلة ويقول: "لا داعي لاختراع العجلة" فما نمر به الآن هو إشكالية مرت بها بلدان كثيرة قبلنا، ووصلوا إلى حل عملي مرضٍ للجميع: يجب أن يُسمح للمطور العقاري بالإعلان عن مشروعه والبيع على الخريطة، شريطة أن يفتح حساباً بنكياً تحت إشراف الدولة، توضع فيه أموال الحاجزين، ولا يسحب منه إلا بمعرفة المراقب الحكومي وفقاً لحجم سير العمل، حتى انتهاء المشروع. وبذلك لن يستطيع أحدهم النصب والتلاعب بأموال الحاجزين، وفي نفس الوقت لن يتعطل السوق أو يرتبك".

قطاع التشييد، القطاع الأهم في مصر، يقف اليوم حائراً بين فوضى يدفع ثمنها المواطن، ومخاوف من انهيار لن يتحمله أحد، وفي المنتصف تقف الدولة طرفاً وحكماً في قضية شديدة الحساسية، تحتاج إلى مشرط جراح يداوي لا يذبح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard