سوبر ماركت المشاعر والسلوكيات

الثلاثاء 11 يناير 202210:02 ص


نحدّثكم، نحن الذين تعلّبت مشاعرنا على مرّ الزمان، فباتت نسخةً باهتةً عن أنموذجٍ باهتٍ بدوره، وذلك عندما أصبحنا نقيس كل شعور في دواخلنا على شعور سابق عليه مر أمامنا في فيلم، أو حلم، أو في مشهد من رواية، أو حتى في أغنية. لقد سلّمنا أمرنا، فتواطأنا في ما بيننا على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنحقق شروط اللعبة. الطريقة الوحيدة لنحظى بمساحة تقبل اختلاف مشاعرنا، وتضمنه، والطريقة التي تحقق شرط شروط الشعور بأن يتظهّر إلى العلن، أو يبقى كامناً في دواخلنا بشكلٍ مكبوت غير معترف به، لأنه غير مرضي عنه.

هي رحلة طويلة من تاريخ المشاهدة، واستسهال التنميط. أن نحزن بهذه المعايير والمقاييس والشروط لا غير، لا خارجها، وفقاً لكاتالوغ خطّه إنسان ما على طرف الكوكب، فبات معياراً لكل ما يمكن أن نمر به، وفيه، نحن أنفسنا، من حزن على مسامعنا، أو في يومياتنا وتفاصيل حياتنا. تصوّر أن الأحزان أصبحت تسير وفق جدول، وخريطة طريق مسبقة، في سلوك معيّن لا في غيره، كأن تحزن فتسير في الشارع، أو تستقل قطاراً يدور في أرجاء مدينة من دون أن تنتبه إلى ما يتغير في خلفية المشهد، أو أن تعاقر الخمر بكثرة، أو تذهب للاستجمام على متن مركب، أو في قلب الغابة، أو على سفح جبل، أو أن تتملكك ميول انتحارية، أو أن تتكور على نفسك في عزلة، فيأتي من يفتقدك ليجدك في بيت قد تحوّل إلى مطمر لكراتين البيتزا، والأوراق المليئة بفضلات الطعام المتبقية... إلخ.

الحب يسير على منوال مشابه أيضاً. أن تحب شخصاً بشروط المسرح والسوق، بألفبائهما، وبمسارهما الطويل الممتد بين فعل ورد فعل والمعلّبين في أنماط سلوك متشابهة، تجاه الذات والآخرين، وتجاه الأشياء

فعلى كثرتها، يبقى أن هذه هي أنماط الحزن المقبولة، والمعترف بها، التي توافقنا عليها، ورضخنا لها. هي تلك الأنماط التي فرضناها على أنفسنا بإراداتنا، فبتنا في صراع يومي بين الحزن الذي نشعر به، والحزن المثالي الذي نصبو إليه، لنقتنع به، ولنسمح ﻷنفسنا بأن تشعر به بغية التعبير عن كرب كامن فينا لا يضاهيه أي كرب آخر سوى النموذج.

الحب يسير على منوال مشابه أيضاً. أن تحب شخصاً بشروط المسرح والسوق، بألفبائهما، وبمسارهما الطويل الممتد بين فعل ورد فعل والمعلّبين في أنماط سلوك متشابهة، تجاه الذات والآخرين، وتجاه الأشياء. كأن تهدي هاتفاً، أو شالاً، أو عطراً، أو وردة. كأن تدور حول منزل الخليل، أو الخليلة، لتسترق بعض النظر إليه/ ها؛ كأن ترمي حصى على شبّاك غرفتها المضاءة، لتقع عيونك عليها مرةً إضافية. كأن تحب في التفاصيل اليومية المعلبة أيضاً. فالحب والتفاصيل والفعل ليست إلا لحظات منمزجة بدورها كذلك.

والأمر ليس تآمراً بالضرورة، ولا مصيدة فئران تجارب، وليس فعلاً مُحاكاً في مكان ما، بهدف اصطياد أكبر قدر ممكن من الناس، كأن يكون ناجماً عن اجتماع في غرفة مظلمة يتخللها بعض الإنارة "السبوتيّة"، غرفة مضبوطة ومعزولة يتحكم من فيها بتفاصيل الزمان والمكان، وأيضاً بالأفعال التي تحدث على مسرحيهما. لا أبداً، هو تعليب مسبق يبدو أنه يتخطى العيني والمباشر، ويقفز فوق الهنا والآن، وفوق حاضرنا، إذ لسنا إلا مجموعات بشرية تسير على أنماط احتمالاتها اليومية، بحيث أنك تستطيع، ومن دون أدنى عناء، تقسيمنا إلى خطوط بيانية ترتبط بسلوك ما من هنا، أو من هناك. لتكتشف ساعتئذٍ، وعلى سبيل المثال، أن ذهابك إلى السينما ليس فعلاً فردياً وأصيلاً بالضرورة، وأن خروجك لحظة منتصف الليل لتُقبّل أول غريب تصادفه في الطريق، أو لتصفعه، أو لتضربه، ليس بفتح سلوكي، بقدر ما هي أنماط معدّة مسبقاً، شاهدناها في مكان ما، وسمعنا عنها في مكان آخر، فأعجبتنا، وأقنعنا أنفسنا بجدواها، فرسخت في لا وعينا من دون أي تفكير.

باتت مشاعرنا وسلوكياتنا أشبه بسوبر ماركت كبير؛ سلوكيات وأفعال واحتمالات منثورة على الرفوف بترتيب مسبق، وبعناية مؤلمة. رفوف نظيفة ممتدة بمسارات طويلة كقضبان حديد السجن، تبدو وكأنها بلا نهاية

باتت مشاعرنا وسلوكياتنا أشبه بسوبر ماركت كبير؛ سلوكيات وأفعال واحتمالات منثورة على الرفوف بترتيب مسبق، وبعناية مؤلمة. رفوف نظيفة ممتدة بمسارات طويلة كقضبان حديد السجن، تبدو وكأنها بلا نهاية. رفوف نموذجية لا غبار عليها، تمنح العلب المنتشرة عليها شروط "علبيّتها"، ذلك ﻷن العلب معلّبة أيضاً، وشرط شروطها أن توضع على الرف. فمن دون الرف، لن تكون العلب علباً، ولن تؤدي الغرض، والوظيفة المرتبطة بها، لا من حيث المضمون، ولا من حيث المشهد، ولا من حيث السلوك الواصل إليها. فالعلبة مشروطة بأن توضَّب، وتُنقَل، وتُصفّ، وتُسعَّر، وتُحمَّل. وكل خطوة من هذه الخطوات بمثابة شرط إضافي، وبمثابة سلوك مُسقَط على كينونتها، وسابق لها.

لا يمكننا تحديد موعد واضح وحاسم لآلية الانتقال هذه، آلية الرضوخ. بعضهم يربطها بالتسليع، وبعضهم الآخر بالتشيّؤ، والبعض الآخر بالرسملة. إلا أنها تظهر بنتيجة واحدة، وقد بدأت تطرح آلام العناء، وحيرة الأسئلة الوجودية الصعبة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard