في زمن الحزن في بيروت... لوما رباح تخلق الفرح

الجمعة 2 أبريل 202105:08 م

تحطّم بيت لوما رباح والاستديو الخاص بها في منطقة الأشرفية في انفجار مرفأ بيروت، وفقدت معهما أكثر من 15 عملاً فنياً لها، وكادت أن تفقد حياتها وحياة وحيدها. وحين سألها العسكري المُوفد من الدولة عن الأضرار التي لحقت بمعرضها، اكتفى بتسجيل الخسائر المتعلقة بالزجاج والبناء.

 وحين كرّرت على مسمعه أن لوحاتها تمزّقت، أن جهد ريشتها وإبداعها ذهبا مع العصف المدمّر، لم يكترث، كأن الخسارات تثمّن بقيمتها في سوق الأوراق النقدية وأن الإبداع لا قيمة له في دولة كلبنان، تقاس به قيمة الأشياء بحجمها ومدى احتوائها على مواد ثمينة، لا مشاعر وانفعالات ووقت وتفكير.

في أعمال لوما رباح، الفنانة اللبنانية، كما في كل الأعمال الفنية، ليس المهم "التطابق" بين ما يذهب إليه الفنان وما يراه، يفهمه أو يحسّه المشاهد، ما يهم هو الأثر الذي يتبقى في النفس: نور سرّي يشعّ من ألوانها، في مدينة يلفّها الظلام، ديناميكية لونية تشدّ المتفرّج وتسحره، ثمّ تجبره على التأمّل مجدداً في اندفاع الألوان نحو حدودها القصوى.

في أعمال الفنانة اللبنانية لوما رباح،  نور سرّي يشعّ من ألوانها، في مدينة يلفّها الظلام، ديناميكية لونية تشدّ المتفرّج وتسحره، ثمّ تجبره على التأمّل مجدداً في اندفاع الألوان نحو حدودها القصوى

الإرث الفني العائلي

كان لوالد لوما الذي يعمل في مجال الزراعة، والدتها وجدّتها الرسامتين، دور أساسي في تنشئتها على البحث في تناغم الألوان والطبيعة واختبار شحن اللون بطاقة انفعالية وأسئلة وجودية، وهي التي تخرجت من كلية الفنون الجميلة والتصميم الغرافيكي من الجامعة اللبنانية الأميركية، وعُرفت برسم المناظر الطبيعية اللبنانية، بيوت المدن وتفاصيلها باستخدام الألوان الجريئة والتعبيرية. رسومها النابضة بالحياة بزهو البصر وانشراح البصيرة، تعكس على الفور سعي رباح الدائم إلى التقاط الجمال وتثبيته في إطار وقماش.

ترك الوظيفة والتفرغ للفن

قررت رباح في عمر الثلاثين أن تترك وظيفتها كمصممة غرافيك وanimator في تلفزيون السومريّة، وتتفرّغ للرسم. لم يكن القرار الذي اتّخذته رباح سهلاً وقتها، "بس إللّي بيتعب بيلاقي"، تقول رباح. فشغفها الكبير بهذا المجال وتفرّغها الكامل له جعلاها تشقّ طريقها بنجاح في عالم الفن.

مقاومة الموت باللون

سألنا رباح عن تأثير الأزمة الاقتصادية الخانقة على الفن والفنانين في زمن الانهيار الكبير الذي يشهده لبنان، فقالت إنه، وعلى عكس كلّ التوقعات، يشهد لبنان نهضة فنية كبيرة وإقبالاً كبيراً على شراء اللوحات: "اللبنانيون اليوم يفضلون أن يستثمروا أموالهم في لوحات تبقى عندهم وتزيد قيمتها مع الوقت، بدل أن يخسروا قيمة أموالهم يوماً بعد يوم"، أكّدت رباح، كما أن الإحساس بدنوّ الموت وتجواله على مقربة من الحياة اليومية، ربما دفعت اللبنانيين للجنوح نحو الجمال والتفاؤل اللذين يشيعهما الفن والألوان، كنوع من مقاومة الموت باللون.

عُرفت رباح برسم المناظر الطبيعية اللبنانية، بيوت المدن وتفاصيلها باستخدام الألوان الجريئة والتعبيرية. رسومها النابضة بالحياة بزهو البصر وانشراح البصيرة، تعكس على الفور سعي رباح الدائم إلى التقاط الجمال وتثبيته في إطار وقماش

وعن مشاريعها المستقبلية، أخبرتنا رباح أنها تعمل الآن على لوحات تعكس فيها جمال فصل الربيع في لبنان، وأنها افتتحت استوديو جديد مع مجموعة من زملائها في منطقة "مار نقولا". وقد تعمّدت وزملاؤها الرسامون افتتاح الاستوديو في هذا الوقت بالذات، بعد الانفجار وفي عزّ الانهيار، للتأكيد أنهم متمسّكون بالجانب الفني والثقافي ومؤمنون بقيامة لبنان القريبة.

بعض من لوحات لوما رباح

ربيع الشوف

تعدّ هذه اللوحة من أجدد الأعمال التي عملت عليها رباح. وقد استوحتها من الطبيعة الساحرة لفصل الربيع في منطقة الشوف اللبنانية، وفي منطقة دير القمر بالذات.

لوحة رُسمت يوم انفجار مرفأ بيروت

هذه اللوحة بدأت رباح برسمها في الرابع من آب 2020، يوم وقوع انفجار مرفأ بيروت. لم تسلم هذه اللوحة من تطاير الزجاج نتيجة الانفجار، وهو ما مزّقها وترك فيها آثار الزجاج المتناثر. إلّا أن عائلة لبنانية نجت بأعجوبة من انفجار المرفأ، قررت شراء هذه اللوحة بالزجاج الذي فيها، لأنها مثّلت بالنسبة إليها قصة نجاة شبيهة بقصة العائلة.

لوحة عن الحريّة

بعد أن مرّت لوما رباح بتجربة طلاق، عرفت معنى الحرية التي تقول عنها إنها "لا تقدّر بثمن"، فعبّرت رباح عن مشاعرها تلك من خلال هذه اللوحة.

يظهر في اللوحة أشخاص يطفون على سطح الألوان وكأنهم يحلّقون في الفضاء، وهي الطريقة التي قررت فيها رباح توصيف حالة الراحة المرافقة للتحرر واستعادة الحرية المفقودة.

رحلة على متن مركب شراعي

في التجريد، تستحضر رباح مشهد مركب شراعي يشق طريقه في البحر، كما لو أنها تراه من الفضاء.

أضافت رباح المشاعر المختلفة التي ترافق المسافر على متن المركب، وظهرت تلك المشاعر من خلال الألوان العديدة التي اختارت رباح إضافتها إلى مشهد الرحلة. 

أشجار لبنان

لرباح مجموعة لوحات عن أشجار لبنان، وهي المحبّة للطبيعة والهاربة إليها باستمرار، ترى في الشجرة رمزاً للحياة والأمل، فهي بحسبها تحتوي على المعنى الحقيقي الخفي لكل البدايات.

بيوت لبنان وأشجار الأرز

ويضاف إلى مجموعة رباح السابقة عن أشجار لبنان، مجموعة لوحات أخرى قررت فيها رباح تسليط الضوء على جمال التراث العمراني اللبناني وسحر البيوت اللبنانية بقرميدها الأحمر.

تظهر في اللوحة التالية أشجار الأرز محيطة بكلّ البيوت، وهي مستوحاة من مناطق لبنانية لها أثرها الخاص في نفس رباح كمناطق "بشرّي" و"أميون" و"الأرز".

بيوت لبنان التراثية والـ love hate relationship

في هذه اللوحة أيضاً، تظهر بيوت لبنان التراثية بقناطرها الثلاثة. وتعكس اللوحة بالإضافة جمال التصميم الداخلي والخارجي للبيوت، فوضى المشاعر التي تختلج قلب كلّ لبناني تجاه وطنه من مشاعر اليأس إلى الإحساس بالأمل، ومن التفكير بالهجرة وما يقابله من تمسّك بالأرض، من عشق كل زاوية في هذا الوطن إلى كره كلّ تفصيل فيه.

ثورة 17 تشرين

اعتبرت رباح أن أيام ثورة 17 تشرين كانت أجمل أيام في حياتها، وهو ما جعلها تجسّد كل مشاعر الفخر والأمل من خلال مجموعة لوحات عن الثورة.

في اللوحة التالية، أرادت رباح توثيق درجة الوعي العالي عند اللبنانين في تلك الفترة. فقرارهم التخلي عن إنتماءاتهم الحزبية وعن أعلام أحزابهم ونزولهم إلى الشارع حاملين العلم اللبناني دون سواه، كانت من اللحظات التي ألهمت رباح فقررت تخليدها بهذه اللوحة.

ليالي الثورة اللبنانية- ما بيتعبوا الثوار

تضاف هذه اللوحة إلى أعمال رباح الخاصة بثورة 17 تشرين. تعكس هذه اللوحة تصميم اللبنانيين على التغيير وتمسّكهم بغد أفضل وبقاءهم في الساحات حتى ساعات متأخرة من الليل.

رسمت رباح هذه اللوحة بعد انفجار مرفأ بيروت، وحاولت من خلالها تصوير حالة الهرب إلى الطبيعة للبحث عن التوازن الفكري والنفسي بعد الانفجار الذي دمّر كل شيء، فالطبيعة بحسب رباح هي مصدر إلهامها الأوّل وملجأها الأخير.

يمكن الاطلاع على جديد أعمال لوما رباح الفنية من خلال الرابط التالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard