من الزير سالم إلى حروب الطوائف والتغريبة الفلسطينية... حاتم علي مؤرخ التراجيديا

الثلاثاء 11 يناير 202203:58 م

لا يدعو إلى التفاؤل أن يكون مسلسل "الملك فاروق" بداية التعارف. ظننت حاتم علي ممن ‏أدركوا طرفاً من ثوب الملكية، ويعانون مرض الحنين إليها، فأخرج هذا المسلسل، عام 2007، ‏ليؤكد قدرة الفن على أن يسحر حتى الرافضين للملكية بأوهامها الليبرالية‎.‎

ولم أشاهد له عملاً آخر حتى التقيته في أكتوبر 2009 مرتين، في مهرجان أبوظبي السينمائي ‏بعد عرض فيلمه "الليل الطويل"، وفي مهرجان أوسيان سيني فان للسينما الآسيوية والعربية في ‏نيودلهي قبل عرض الفيلم نفسه. ‏الوقت في الهند ممتد، لا زحام ولا ثرثرات عربية من فوائض هذا الزحام. وجدت حاتم علي ‏تجسيداً لوقار أحببته آنذاك. ‏

وفي عام 2021، حين اكتشفت حجم إنجازه، وددت لو تمتع ببعض النرجسية، وتخلى عن ‏تواضعه. تعمدت ألا أبدي رأياً في فيلمه، وشكرني على ما كتبته في رويترز، بعد عرضه في ‏أبوظبي، بعنوان "الليل الطويل... الاستبداد يقتل الروح". الليل الطويل إدانة فنية للنظام الحاكم. ‏وبعد عرضه قال المخرج إن فيلمه يحمل رسائل وتأويلات متعددة، وإن الأحوال في العالم ‏العربي "تبعث على الأسى والتشاؤم".‏

وفي عام 2012 فاجأني باتصاله، وشكرني على رأي قلته لقناة فضائية قبل عرض مسلسل ‏‏"عمر". أبديت خوفي من تأثير جهة إنتاج سنيّة على اتخاذ المسلسل منصة لتصفية حسابات مع ‏الشيعة. خجلت، وسألته: "مش زعلان؟"؛ فالكاتب يأخذ راحته في انتقاد البعيد والغريب، وحاتم ‏صديق، وبعيد في سوريا. ضحك قائلاً: "أنا في القاهرة، الحكم بعد المشاهدة"، وطلب تسجيل ‏رقم هاتفه، واتفقنا على اللقاء‎.‎

ابتلعتنا القاهرة، وانشغلتُ عن مشاهدة المسلسل، ثم التقينا في مهرجان الجونة عام 2018، وقال ‏إنه استقر في كندا. وبعدها تبادلنا رسائل تهنئة في عدة مناسبات، على وعد بلقاء لا يتم، ثم أفقت ‏على وجع وفاته بالقاهرة، في 29 كانون الأول/ديسمبر 2020‏‎.‎

من مهام الدراما إعادة النظر في الوقائع، وألا تؤكد قداسة الرموز، استجابة لمشاعر شعبوية 

اكتملت الدائرة، وبالنسبة إليّ كانت مغلقة إلا من بابين لمسلسل "الملك فاروق"، وفيلم "الليل ‏الطويل" الذي أخرجه وشارك في بطولته أمام القدير خالد تاجا. ‏

ولم ينته عام 2021 إلا بإطلالة جميلة صنع بها حاتم علي ابتسامة على وجوه مشاهدي فيلم ‏المخرج الكندي جوناثان كيجسر "السلام عن طريق الشوكولاته"، وقد عرضه مهرجان القاهرة ‏السينمائي الثالث والأربعون (26 تشرين الثاني/نوفمبر ـ 5 كانون الأول/ديسمبر).‏

أعتبرُ 2021 درامياً هو عام حاتم علي. يوم رحيله سألتني الشاعرة السورية صـبا قاسم: ألم ‏تشاهد "ربيع قرطبة" أو غيره من أعماله؟ شعرتُ بالتقصير، وقررت الإجابة بالمشاهدة، ولم ‏أهتم بترتيب إنتاج الأعمال، ولا بالتسلسل التاريخي لرباعية الأندلس. ‏

وثّق ربيع قرطبة معرفتي بممثلين، وعرفني بآخرين بدأت أتابعهم. وأراه ذروة أدوار كل من تيم ‏حسن الذي تلبسته روح المنصور بن أبي عامر، وجمال سليمان في دور الحكم بن عبد الرحمن ‏الناصر. ‏

ربيع قرطبة (2003) أدام صحبتي له أسبوعين، لمشاهدة 24 ساعة من الدراما، وإعادة مشاهد ‏للإنصات إلى الحوار، وتأمل تفاصيل الكادرات والبذخ الإنتاجي في ديكور القصور المهيبة، ‏واللقطات البانوراميا لإلقاء الرعب في قلب الملكة "تودا"، وهي تضطر إلى الاستعانة بالعدو، فما ‏بالنا إذا كان العدو هو عبد الرحمن الناصر يجسده ممثل بقامة خالد تاجا؟

أطلعني المسلسل على ثروة سوريا من الفنانين: مي وسوزان سكاف، نسرين طافش، جلال ‏شموط، باسل خياط، كفاح الخوص، مصطفى الخاني، ناصر وردياني، مكسيم خليل، محمود ‏خليلي، رنا جمول، بسام لطفي، نجاح سفكوني، ماهر صليبي، جيني إسبر، ومعهم نجوم ‏المغرب: محمد مفتاح، ثريا جبران، محمد مجد، فاطمة خير‎.‎

غادرت ربيع قرطبة ولم يغادرني. قررت التوقف، أريد هدنة لهضم الوجبة الدرامية الدسمة. ماذا ‏سيقدم المخرج والمؤلف بعد ذلك الربيع؟ حملني الفضول على متابعة الخيوط الممتدة إلى "ملوك ‏الطوائف" (2005). ‏

ليس رحلة صعود شاب مثل محمد بن أبي عامر، ابن الجزيرة الخضراء الحالم بزهراء قرطبة، ‏وإنما هو فسيفساء تلاحق فيها كاميرا قلقة ملوك الطوائف في ممالكهم، وفي ضيق آفاقهم. ‏مصائر أكثر تراجيدية للمعتمد وزوجته اعتماد (سلاف فواخرجي)، ولمحمد بن عمار، الشاعر ‏السفير الوزير الخائن الطامع في الملك، القتيل بيد صديقه المعتمد. قضيت 22 ساعة مع ملوك ‏الطوائف، وكان أيمن زيدان في أبرز أدواره، مخيفاً لا أتخيل غيره يجسد شخصية المعتضد‎.‎

بعد ربيع قرطبة وملوك الطوائف جاء دور "صقر قريش" (2002). طوال 22 ساعة أتتبع أثر ‏عبد الرحمن الداخل. ربما لو شاهدت الأعمال بالتدرّج الطبيعي لاختلف التلقّي لرؤية حاتم علي ‏ووليد سيف، لكني تابعت المشروع من الذروة القرطبية إلى الخريف، قبل فصل الختام الذي ‏أسدل ستاره أبو عبد الله الصغير، ثم عدتُ إلى البداية المؤسِّسة، إلى أفول دولة بني أمية في ‏الشرق، وسطوعها في الأندلس، بمغامرة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك. ‏

لم أتحمس كثيراً للمسلسل، لولا الأداء الذكي لمحمد مفتاح وأمل عرفة والحضور الخاطف لخالد ‏تاجا وثريا جبران، ومن فناني المغرب: محمد مجد وإدريس الروخ وحسن الجندي‎.‎

شخصية "شَـقنا" في المسلسل محيرة لصقر قريش ومثيرة درامياً، واستطاع سامر المصري ‏القبض على روحها بتلقائية مدهشة. وكما كان أيمن زيدان مخيفا بصدقه في دور المعتضد بن ‏عباد، كان باسم ياخور مرعباً بأدائه شخصية أبي مسلم الخراساني، فأغلق الباب على هذه ‏الشخصية التراجيدية أمام أي ممثل يفكر في تجسيدها. وقد انحاز العمل إلى الجناح الدمشقي ‏متحاملاً بذكاء على البغدادي، باختياره أداء غير واثق لزهير عبد الكريم في دور أبي جعفر ‏المنصور. ‏

الخليفة العاضد لدين الله من أصدق الشخصيات حساسية في مسلسل "صلاح الدين الأيوبي" ‏‏(2001). مشاهد محدودة أداها تيم حسن باقتدار يؤكد أن الأدوار تقاس بالعمق، لا زمنياً ‏بالطول. ‏

وقد ثقلت عليّ وقائع المسلسل، في 25 ساعة، يمكن اختصارها، ولعل هذا بتأثير مشاهدتي ‏لفيلميْ يوسف شاهين وريدلي سكوت. أضاع المسلسل فرصة سرد التفاصيل الإنسانية، ‏الشخصية والأسرية، لصلاح الدين. ليت المسلسل ابتعد عن صليل السيوف، وغادر المعسكرات، ‏لرؤية سلوك الأيوبي مع المصريين، ومحوه لتاريخ الفاطميين وعنفه مع بقاياهم. ‏

من مهام الدراما إعادة النظر في الوقائع، وألا تؤكد قداسة الرموز، استجابة لمشاعر شعبوية. ‏انتهيت من صلاح الدين، وبدأت مشاهدة "الزير سالم"، وظننته استراحة‎.‎

أرّقني مسلسل الزير سالم (2000). معرفة القصة لا تخفف الفجيعة، فالعمل الذي كتبه ممدوح ‏عدوان ينافس الملاحم الإنسانية، ويقدم على مدى 36 ساعة خلاصة التقاليد والطبائع والأخلاق ‏والحياة العربية، في طبيعة قاسية فرضت عليهم أن يغزوا غيرهم، أو يغزوهم الآخرون. ‏

ويأتي الملك كليب بحلم الدولة، يحثّهم على الاكتفاء بزراعة أرضهم، فلا يتعرضوا للغزو، ولا ‏يغيروا على الآخرين. ارتبط حلمه بنزعة أبوية استبدادية لم يحتملها عرب يرون الفلاحة تنال من ‏الكبرياء، ويرفضون "النظام"، فاغتاله جساس غدرا، لتبدأ حرب البسوس، وتستهلك أعمار ‏جيلين؛ طلباً لثأر لا ترويه دماء القاتل. تفرّق الأخلاق العربية بين القتل والقتال، وفي أسوأ ‏الأحوال لا تتخلى عن المروءة‎.‎

في "التغريبة الفلسطينية" (2004) قدم وليد سيف وحاتم علي ملحمة إنسانية مضادة للتنميط. ‏جدارية تزيد على 20 ساعة، وترصد المأساة الفلسطينية عبر أجيال من المقاومين الثائرين، ولا ‏تستسهل فتجعل الفلسطيني عابسا كارها للحياة، حاملَ بواريد يتشفّى بالانتقام. ‏

في السنوات الأخيرة، أخرج حاتم علي (1962 ـ 2020) عدة أعمال في مصر. كان بعيداً عن ‏الشوفينية، وفي الوقت نفسه لا يتسلح بإطلاق شعارات عروبية 

فلسطينيو التغريبة ليسوا قوالب جاهزة، كما تصورهم كثير من الأعمال الحماسية، وإنما هم بشر ‏ضعفاء بخذلان إخوتهم، أقوياء بضعفهم، ليسوا شياطين ولا ملائكة، وبين هذا وذاك تنوعت ‏شخصيات العمل، من فقير لا يجد لقمة العيش، إلى "مختار" يغري الناس ببيع أرضهم، وإقطاعي ‏يذل الفقراء، ويلتحق بالمقاومة بحثاً عن وجاهة زائفة، ويرتد فيتعامل مع الاحتلال. ولا أتخيل ‏المسلسل من دون جولييت عواد وخالد تاجا‎.‎

تجاوزت التغريبة ما بعد مأساة "رجال في الشمس" لغسان كنفاني. ينجح الأخ الثاني مسعود ‏‏(رامي حنا) في الوصول إلى الكويت، ويدير المال رأسه. ويعلّق الحفيد رشدي (حاتم علي) آماله ‏على فرصة عمل بالحجاز. وقد أجاد المخرج صحبة أبطاله من عمل إلى آخر: نادين سلامة، ‏يارا صبري، قيس الشيخ نجيب، محمد خير الجراح، ميرنا شلقون. ‏

ويبقى حسن عويتي ثعلباً يمنح الدور خصوصية، ولو مشهداً واحداً كما في مسلسل "عمر". دخل ‏الكادر صامتا منكسرا ذليلا، وبعد دقيقتين خرج صامتاً راضياً مطْمَئناً. مشهد دالّ على إنسانية ‏الإسلام، ولعله من أعمق مشاهد مسلسل مدته 23 ساعة. وفات وليد سيف وحاتم علي تقليل ‏منسوب الخطابة‎.‎

بدا الكثير من حلقات مسلسل عمر (2012) خطبة مباشرة في مديح عمر بن الخطاب، صفحة ‏من كتب السيرة يحل فيها الصحابة كائنات نورانية ملائكية، ولا ترى في رجل تمنّى الرسول أن ‏يعزّ الله به الإسلام إلا أبا جهل، ولا تتقصى سيكولوجية مسلمة الحنفي؛ فكتابة المنتصر للتاريخ ‏تقود الدراما بعد أربعة عشر قرناً. ‏

في السنوات الأخيرة، أخرج حاتم علي (1962 ـ 2020) عدة أعمال في مصر. كان بعيداً عن ‏الشوفينية، وفي الوقت نفسه لا يتسلح بإطلاق شعارات عروبية. ‏

وفي مسلسل عمر جمع ممثلين من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والأردن ومصر والسودان ‏وتونس والمغرب والكويت وقطر. أثبت المسلسل ارتفاع الوعي العام لجمهور يفرق بين الحقيقة ‏والتمثيل، وأنهى تاريخاً من الإجماع على تحريم تجسيد الصحابة، خصوصاً العشرة المبشرين ‏بالجنة، في الأعمال الفنية. وبهذا المسلسل أختتم عاماً حافلاً بالدراما، للمرة الأولى أشاهد هذا ‏العدد من الأعمال لمخرج واحد.

وقد استحق حاتم علي 172 ساعة فزت فيها بمتعة فكرية ‏وبصرية أكبر من وقت المشاهدة. طوبى لمن أبدع.‏‎ ‎

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard