حاتم علي... شكراً لك على نفض الغبار من رأسي

الأربعاء 30 ديسمبر 202012:27 م

"المجتمعات العربية للأسف صارت تقبل التطبيع مع إسرائيل و مع الاستبداد أكثر من الجهد الذي بذلته من أجل التطبيع مع جرح وتجربة الذين هجّرتهم إسرائيل وهجّرهم الاستبداد من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين"

قالها حاتم علي مرة أمامي في مقهى "تاء مربوطة" الذي كان من رواده في بيروت، فألححت عليه بالسؤال بعد أن عرف أنني أيضاً من نازحي الجولان: "هل كان مسمى 'نازح' الذي كان يقوله بعض أهل دمشق كلقبٍ للتصغير من شأن من ابتلى بالنزوح، يزعجك؟"

أجابني: "الكل صار نازحاً حتى الجالس في بيته!"... و"غيّر السيرة".

"المجتمعات العربية للأسف صارت تقبل التطبيع مع إسرائيل و مع الاستبداد أكثر من الجهد الذي بذلته من أجل التطبيع مع جرح وتجربة الذين هجّرتهم إسرائيل وهجّرهم الاستبداد من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين"

لم أتابع في أسئلتي حتى لا أقلق هالته الجميلة وآثرت الصّمت والاستمتاع بحضوره الرائق. كنت أريد أن أقول له كم أثرت رؤيته وكوادر كاميرته الكاسرة للإطارات فيّ بشكل خاصّ، وكنت أريد إيضاح امتناني العميق لثورته الرصينة في أغلب مناحي الحياة، ولكني خفت أن يضعني في خانة التملق، وقد صرت أعلم أن المديح ليس حديثه المفضل.

ابن الجولان السوري المحتل، تحديداً قرية "فيق" ووالدته من قرية كفر حارب المطلة على بحيرة طبريا، الذي عاش "تغريبته الجولانية" المريرة في سوريا منذ أن كان في الخامسة من عمره. وجه هادئ قليل التفاعل والانفعال وخاصة أمام المديح، لم يكن يتصرف كواحد من أعلام سوريا المعاصرين، يتكلم بصوت اقرب للهمس دون صلف أو غرور أو تباه. بل كان يتحدث عن تجاربه كمتعلم تتلمذ على يد تغريبته وأحلامه وهموم الناس وواقعهم. أتى خبر رحيله بعد أن طوى 58 عاماً عمل فيها كثيراً ولم يتحدث إلا قليلاً، رحيل مبكر مفاجئ يكتنف الكثير من الحزن في غربة مزدوجة خارج سوريا وخارج الجولان.

التاريخ

كان مزعجاً حقيقة لي الوهم والمبالغة اللذان كانا يشوبان ما كانت تروجه أغلب منتجات الدراما العربية والسورية (باعتبار التلفاز المصدر الأول للثقافة في العالم العربي)، إذ كانت ممسوكة بأحكام، ولا تزال، من قبل أجهزة المخابرات، وكان هدفها غير المعلن، برأيي، هو الترويج والتطبيل والتقديس لشخوص موازية لرمزية الحكام العرب من شخصيات تاريخية، بالإضافة إلى الأطر الشخصية الدرامية الوحيدة الاتجاه والأفلاطونية في مثاليتها وفي ثنائية طيب - شرير، كمعظم أعمال الدراما المصرية التاريخية التي روّجت مثلاً لهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي وكثيرين من أعلام التاريخ العربي على أنهم آلهة لا تخطئ وأن أعداءهم هم الشياطين.

لكن حاتم علي قرر أن ينحو نحواً آخر، ويطبّع علاقة المتلقّي مع الموضوعية، ويطرح أسئلةً كبيرةً غير مريحة، ليعلن ولادة الواقعية الجديدة العربية في عالم الدراما كما أعتقد، فقدم التاريخ العربي بصورة متجردة ما أمكن وديناميكية طرح تلمس الواقع والمعاش.

فبالاستناد إلى نص الراحل ممدوح عدوان ومشاركة محترفين مثل الراحل خالد تاجا وسلوم حداد قدم حاتم علي "البطل الشعبي" زير سالم بحقيقته البشرية دون مبالغة الحكواتية الذين مجدوا الثأر والعنف والفخر وقرنوهما بالبطولة، دون التطرق لواقع أنه كان رجلاً دموياً ، فكان حاتم علي منتقداً للأعراف القبلية والهرمية السلطوية الذكورية التي سببت ولا تزال تسبب الويل للمجتمع العربي. فلن نعود بعد اليوم، وبسبب نص ممدوح عدوان عن الزير السالم، لتصديق الهيكلية القصصية لذكور يروون قصصاً لذكور في المقاهي عن قيم اجتماعية أجدها لا تمتّ لعصرنا بصلة.

سألت حاتم علي مرة في بيروت، بعد أن عرف أنني أيضاً من نازحي الجولان: "هل كان مسمى 'نازح' الذي كان يقوله بعض أهل دمشق كلقبٍ للتصغير من شأن من ابتلى بالنزوح، يزعجك؟" أجابني: "الكل صار نازحاً حتى الجالس في بيته!"

أما نصوص ثلاثيته الأندلسية التي ألفها للتلفزيون الكاتب الفلسطيني الأردني وليد سيف، "صقر قريش" و"ربيع قرطبة" و"ملوك الطوائف"، والتي تناولت التاريخ والسياسة والصراعات والمضامين الإنسانية لصانعي التاريخ منذ آخر أيام الدولة الأموية في دمشق مروراً بهجرة عبد الرحمن ابن معاوية إلى الأندلس حتى نهاية الإمارة الأموية هناك على يد الملك المنصور، ثم التشتت والفرقة ودخول المرابطين. ومن ثم بداية نجاح حروب الاسترداد المسيحية في شبه جزيرة إيبيريه. لتنسف تقريباً كل المثالية الشعبية التي كان يتمتع بها هؤلاء الشخوص.

الرسالة التي وصلتني شخصياً وأنا في أول (طلعتي) من أعماله التاريخية هي: كفانا عبادة للماضي، أجدادنا ليسوا خارج النقد وحروبهم لم تكن مقدسة كما قالت لنا كتب التاريخ، واسترقاقهم واستعبادهم للشعوب الأخرى لم يكونا بالنبل الذي سُوّق إلينا.

المجتمع

أضاف إليّ حاتم علي الكثير في فهم قالبي الذاتيّ في طور نشأتي الأولى، من خلال اظهار تعقيد بنية الفرد عموماً، وتناقضاته وعيوبه ومآثره الاجتماعية بعيداً عن الطهرانيّة، إذ إنه حطّم صورة بطل العمل الذكر الطيّب القوي الذي لا يخطئ، وأبرز الهشاشة إلى جانب القوّة في شخص الفرد، وفضّل تصوير الإنسان على أنه طيف من الخير والشر والخوف والجشع والشجاعة والحسد وليس ملاكاً صرفاً أو شيطاناً محضاً.

في مسلسل "الفصول الأربعة" جسد بالنصوص التي كتبتها الكاتبة دلع ممدوح الرحبي (زوجته) والكاتبة ريم حنا الصراع الصامت والغيرة والحسد إلى جانب التكافل داخل العائلة الواحدة، ولعل أكثر ما لفت نظري شخصية خالد تاجا الجد أو "الذكر الأكبر" الذي كان "يسمع كلمة زوجته ومع ذلك ليس طرطوراً ورِجل كرسي"، ولا يمكن لنا أن نتجاهل طرحه في وقت مبكر من هذا القرن في إحدى الحلقات لمفهوم الدورة الشهرية عند المرأة إذ لم يسبقه مسلسل عربي الى ذلك وكنا نعلم أن محرمات الدراما الرقابية (بسبب انتشارها أكثر من السينما) كانت أوسع وأكثر صرامة.

تناول الراحل المجتمع بالكثير من الأعمال التي كانت جدلية في وقتها، وتوّجها بمسلسل "قلم حمرة" الذي شاهدته أكثر من مرة، للكاتبة يم مشهدي وهو أول عمل عربي درامي يجمع الثورة السياسية والنسويّة على طاولة واحدة ويخرج المرأة من إطار (الحرائر) المحدود، مسلطاً الضوء بحزم على مشروعية حرية الخيار والرغبة والزواج والطلاق والمساكنة لدى الأنثى السورية وفاعليتها الحقيقية في الحراك السياسي الشعبي ناهيك عن تصوير المشهد السوري أيام الحراك بتجرد في رأيي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين لأول مرة أيضاً في الدراما العربية.

حطّم صورة بطل العمل الذكر الطيّب القوي الذي لا يخطئ، وأبرز الهشاشة إلى جانب القوّة في شخص الفرد، وفضّل تصوير الإنسان على أنه طيف من الخير والشر والخوف والجشع والشجاعة والحسد وليس ملاكاً صرفاً أو شيطاناً محضاً

القضية الفلسطينية

يمكنني سرد صفحات للحديث عن أثر مسلسل حاتم علي "التغريبة الفلسطينية"  لفهم وإسقاط تجربة نزوح عائلتي من الجولان والتعامل مع هذه "التراوما".

المسلسل الذي كتبه أيضاً الكاتب الفلسطيني وليد سيف عن حياة مشابهة لتجربته في الشتات قبل النكبة وما بعدها كان صدمة من الناحية الأخلاقية، صُوّرت لأول مرة المشاكل الداخلية في حياة المخيمات بنفسِ غسان كنفاني على قلم "سيف" وجعلت العالم العربي يعايش ما عصف بالفلسطينيين إنسانياً وعلى المستوى المجهريّ.

والرسالة التي وصلتني من هذه العمل كانت باختصار: "لا عار في كوني نازحاً أو لاجئاً بل العار على من عابوا ذلك عليّ، وتعليق كل مشاكلنا على شمّاعة إسرائيل" .

أخرج الصورة من الفانتازيا

كانت الدراما السورية قبل أعمال حاتم علي، وخاصة ما اشتهر منها، كأعمال نجدت اسماعيل أنزور وباسل الخطيب ملحميّة بالمجمل وتكلف الكثير من القدرات الإنتاجية دون هدف حقيقي أو رسالة واضحة تلمس الواقع. والتي لا أجد حرجاً من وجودها ولكن إلى حد معين.

ثم جاء حاتم علي ليستمهل الدراما و"ويروّقها" قليلاً ويطرح أسئلة واقعية بصورة بسيطة ونصوص عميقة. ورغم أن "الزير سالم" كان من أكثر الأعمال السورية تكلفةً كان يستحق ما دفع فيه لقاء الرسائل الضمنية التي بثها لدى الناس بـ "فريمات" صادقة دون أي مؤثرات وبهرجة بصرية أو ملحمية كان انزور والخطيب يغرقان الدراما السورية بها.

لا أزال مثلاً أذكر ارتجاف كادر الكاميرا الذي كان على امتداد مسلسل "أحلام كبيرة" الذي كان يوحي بالقلق ويفرغه بشكل غير مباشر لدى المتلقّي، وكان عملاً تراجيدياً يعضّ الواقع في قلبه، صورة وشخوصاً ومعنى.

أرى ما فعله في العقد الأول من القرن الحالي نوعاً من تجهيز الأرضية بـ"القوة الناعمة" للانتقال من الانقياد التام للمسلمات الراهنة والتاريخية التي كانت الدراما قبل ذاك تنتهجه إلى طرح منهجية جديدة للتعاطي مع القضايا

أخرج الانقياد إلى النقد

يأخذ البعض على حاتم علي أنه لم يكن راديكالياً في نقده السياسي بشكل خاص في الحقبة التي سبقت الربيع العربي، ولكني أرى ما فعله في العقد الأول من القرن الحالي نوعاً من تجهيز الأرضية بـ"القوة الناعمة" للانتقال من الانقياد التام للمسلمات الراهنة والتاريخية التي كانت الدراما قبل ذاك تنتهجه إلى طرح منهجية جديدة للتعاطي مع القضايا.

فلم يكن "ضيعة ضايعة" العمل الناقد الصارخ لممدوح حمادة والليث حجو إلا استمرارية لأسلوب طرح حاتم علي والذي جاء في عام 2009 ليضع أعمالاً درامية عدة كثيراً من المفردات التي رفدت فكرة التغيير السياسي والمجتمعي التي نودي بها بعد ذاك.

رائد الواقعية العربية الجديدة

الواقعية الجديدة في الدراما التي أذّن بها حاتم علي في العالم العربي صارت نهجاً يسير عليه الكثيرون اليوم ويطورونه ليحاكوا الواقع ويبرزوه بإصرار ودون مواربة بعد أن رأى هؤلاء المخرجون شعبية من لا يضحك على الناس، نجح بعضهم فيه وفشل الكثيرون.

أوجزت كثيراً في الحديث عن حاتم علي وأعماله التي قاربت المائة مسرحاً ودراما وسينما في النص والتمثيل والإخراج... إلا أني لم أزل مضطرباً بين حروف الرثاء التي غالباً ما تكون عرجاء في تغطية الإرث الذي قدمته تلك النحلة الصامتة العاملة الدؤوبة والخجولة مع ابتسامة رقيقة راقية، سأظل أذكرها حتى نهاية وعيي في هذه الحياة.

لروحه السلام ولعائلته العزاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard