العمل الصحافي في العراق... "المشي بين الألغام" أسهل

الخميس 23 ديسمبر 202110:05 ص

رصاصة نارية أطلقها سلاح مجهول نحو مستقرّها في جسد أحد الصحافيين. صحافي آخر يُلاحقه اعتقال قسري يفتقر إلى مسوّغاته القانونية. مقرّ مؤسسة إعلامية استهدفه غضب من يخالفها الرأي، على الرغم من زعمهم ليل نهار بأن الرأي لا يُفسد في الودّ قضية. هي أخبار اعتاد العراقيون على سماعها، ومتابعتها، منذ بدء العمل الصحافي في العراق، وحتى اليوم.

بدأت الصحافة في العراق مع جورنال العراق عام 1816، وهي جريدة طبعها بالعربية والتركية، والي بغداد داود باشا، لتكون أول صحيفة عربية سبقت الوقائع المصرية بـ12 عاماً، ولكن ذهب المؤرخ العراقي الدكتور علي الوردي إلى عدّها مجرد "منشورات دورية أصدرها داود باشا لإطلاع الموظفين والأعيان على ما يريد إطلاعهم عليه"، وأصبحت الزوراء، التي أسسها والي بغداد مدحت باشا، في 15 حزيران/ يونيو 1869، أول صحيفة عراقية، ولا تزال مستمرةً بإشراف نقابة الصحافيين، ويُحتفل بتأسيسها كعيدٍ للصحافة العراقية.

بعد عام 1908، ازداد عدد الصحف العراقية، لكنها بقيت مقيّدةً، تُذيّل حريتها عبارة "وتُنظّم أو تُحكم بقانون"، ونص أول دستور عراقي على "أن للعراقيين حرية إبداء الرأي والنشر والاجتماع، ضمن حدود القانون"

بعد عام 1908، ازداد عدد الصحف العراقية، لكنها بقيت مقيّدةً، تُذيّل حريتها عبارة "وتُنظّم أو تُحكم بقانون"، ونص أول دستور عراقي عام 1925 في الباب الأول/ المادة 12، على "أن للعراقيين حرية إبداء الرأي والنشر والاجتماع، ضمن حدود القانون".

وبعد قيام الجمهورية، ذكر الدستور المؤقت عام 1958، في مادته العاشرة من الباب الثاني، "ضمان حرية الاعتقاد والتعبير وتُنظّم بقانون"، وكذلك في الدساتير اللاحقة.

وبعد 2003، كفلت المادة 38 من دستور عام 2005، حرية التعبير والرأي والصحافة والإعلام.

بعد قيام الجمهورية، ذكر الدستور المؤقت عام 1958، في مادته العاشرة من الباب الثاني، "ضمان حرية الاعتقاد والتعبير وتُنظّم بقانون"

يقول مدير مرصد "أفاد"، زياد السنجري: "المادة 38 من الدستور، والتي تعني الصحافة، بعيدة عن الواقع، وتفسرها الجهات المعنية بعيداً عن الرسالة الإنسانية التي يحملها العمل الصحافي"، فيما لا يعتقد المحامي علي الموسوي بوجودها، "بسبب تناقضها مع قانونَي العقوبات والمطبوعات الساريَين حتى الآن".

ويعالج قانون العقوبات لعام 1969، في المادة 433، أيّ انتقادٍ موجّه إلى الجهات السياسية أو النيابية، من دون دليل موثّق، كجريمة تشهير. فيما يقيّد قانون المطبوعات لعام 1968، في المادة 16 منه، العمل الصحافي بموافقة الدولة والوزير المختصّ، ويعاقب على أساسه من ينتقد الدولة وسياستها ومسؤوليها.

يصف القاضي جعفر الطائي، هذين القانونين بالمتناقضَين مع المادة 38 من الدستور. يقول لرصيف22: "هذه ثغرة قانونية يستغلّها السياسيون في تكميم معارضيهم، إذ تحوّل بموجبهما الانتقاد البنّاء إلى تشهير، وتالياً انتفاء صفة الديمقراطية عن التشريع الحالي".

وكانت السلطات العراقية قد اعتقلت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، الصحافية زمن الفتلاوي في بغداد، بعد كشفها عن ملفات فساد في محافظة البصرة، وأُفرج عنها بكفالة مالية حتى موعد محاكمتها، كما اعتُقل مراسل قناة العهد حميد الفهداوي، مطلع الشهر الجاري، إثر نشره فديو لعملية سرقة في محافظة الأنبار، وأُطلق سراحه بعد أسبوعٍ، لقاء تعهّدٍ بعدم ممارسة "ما اعتُقل بسببه". وفي أيار/ مايو من العام الحالي، حُكم على خمسة صحافيين بالسجن ست سنوات، بتهمة الإخلال بالأمن، ومحاولة قلب النظام في إقليم كردستان.

أُدلجت الصحافة بعد 2003، ما جعلها ملائمةً لتوجّهات الأحزاب والشخصيات السياسية، وتم ذلك عبر إغراءاتٍ مادية لبعض المؤسسات، أو باستخدام الترهيب، من خلال الدعاوى القضائية الكيدية، والترهيب بالقتل

يلفت المتحدث باسم المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي لرصيف22، إلى "أدلجة الصحافة بعد 2003، ما جعلها ملائمةً لتوجّهات الأحزاب والشخصيات السياسية، وتم ذلك عبر إغراءاتٍ مادية لبعض المؤسسات، أو باستخدام الترهيب، من خلال الدعاوى القضائية الكيدية، والترهيب بالقتل، مستغلةً ارتباطها بالحكومة".

ويتهم الصحافي زياد السنجري، السياسيين "باستغلال نفوذ أحزابهم والفصائل المسلّحة التابعة لهم في الضغط على الصحافيين، ومنع تناولهم الواقع السلبي في البلد"، وهو ما تعرّض له الإعلامي نبيل جاسم، عام 2016، إذ هُدّد بالقتل إثر دعوى قضائية أقامها ضده مستشار الأمن القومي، موفق الربيعي.

يستغل السياسيون نفوذ أحزابهم والفصائل المسلّحة التابعة لهم في الضغط على الصحافيين، ومنع تناولهم الواقع السلبي في البلد

وكان جاسم قد انتقد في برنامجه التلفزيوني، تصربحات الربيعي، وكشفه عن وصول شحنات متفجرة وانتحاريين من الإمارات، وعدّها "ردة فعل" على تصريحات وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، التي اتّهم فيها الحكومة العراقية بتوفير أسباب ظهور داعش.

يُدرج الصحافي الاستقصائي أسعد الزلزلي، هذه الأساليب، "ضمن محاولات السيطرة على المؤسسات الصحافية الحرة التي تشكّل أكبر مخاوف السياسيين، وأدلجتها عقائدياً وطائفياً، وتالياً منعها من أن تكون عائقاً أمام سيطرة هذه الأحزاب والمؤسسات على البلد".

يقول الزلزلي لرصيف22: "الواقع الحالي هو نتيجة عقود من الهيمنة السياسية الشمولية، ومصادرة الحريات، والتي أسست بيئةً بعيدةً عن تقبّل الآراء المخالفة"، مشبّهاً "العمل الصحافي في العراق، بالسير في حقول الألغام التي قد تسلب الحياة والحرية معاً في أيّ لحظة".

من جهته، يرى المتحدث باسم المرصد العراقي للحقوق والحريات، أن "البلد يعاني من أزمة حقيقية في التعامل مع الحقوق الصحافية في ظلّ التقصير الواضح من السلطات العراقية، والمؤسسات المعنية، وهذا التقصير بعيد عن المعايير التي وضعها الدستور، والقانون الدولي، وهو ما دفع المرصد إلى إطلاق أربعة بيانات تحذيرٍ حمراء في عام 2021 فحسب".

ويشير الخزاعي، إلى أن "المرصد يتواصل مع لجنة حقوق الإنسان، "وهي منظّمة حكومية تُعنى بالحريات"، بالإضافة إلى منظّمتَي هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية، وبعض المنظّمات المحلية الأخرى، ولكن تتباين مواقف هذه المؤسسات، واستجاباتها".

عدم اهتمام المسؤولين العراقيين بتغيير الأرضية القانونية الخاصّة بالحريات الصحافية، حصر عمل المنظمات الدولية المعنيّة، بإعلان تنديدها واستنكارها، وإطلاق الدعم المادي لبعض المؤسسات العاملة داخل البلد

ويعتقد الخزاعي أن "عدم اهتمام المسؤولين العراقيين بتغيير الأرضية القانونية الخاصّة بالحريات الصحافية، حصر عمل المنظمات الدولية المعنيّة، بإعلان تنديدها واستنكارها، وإطلاق الدعم المادي لبعض المؤسسات العاملة داخل البلد".

وخلال السنوات الماضية، قُتل العديد من الصحافيين، مثل المشرف على قناة الرشيد نزار ذنون، وهشام الهاشمي، وإيهاب الوزني. وكانت السلطات العراقية قد ألقت القبض على قاتل أحمد عبد الصمد، وزميله المصوّر صفاء غالي، وحكم عليه أوّلياً بالإعدام، بعد اعترافه بالجرم، وانتمائه إلى ميليشيات الفرق الموالية لإيران.

ويتّهم الروائي والكاتب، رسلي المالكي في حديثه لرصيف22، إيران، بتدريب ميليشيات مهمّتها تصفية المعارضين، لهيمنتها على العراق، وتتولّى الدولة دفع رواتبهم، وتجنُّب مواجهتهم، ومن ثم استحالة التمتع بمساحة حرّة، وهجرة العديد من الصحافيين والناشطين إلى خارج البلد، أو إلى إقليم كردستان، بسبب استهدافهم.

إيران تُدرّب ميليشياتها على تصفية المعارضين، وتدفع الدولة رواتبهم، وتتجنّب مواجهتهم، ولهذا يهاجر العديد من الصحافيين والناشطين إلى خارج البلد

ويُصنَّف العراق من أكثر البلدان خطراً على الصحافة، بعد مقتل أكثر من 460 صحافياً، منذ عام 2003، كما سجّل أكثر من 268 انتهاكاً في الفترة من أيار/ مايو 2020، حتى الشهر نفسه من سنة 2021، حسب دراسة أعدّتها جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق.

وتتوالى الأزمات في العراق، بين القتل والخطف والسرقة والفساد، لتطال أبرياء أكبر ذنبٍ لهم هو الحلم بالحرية، فيما من يُحاول أن يوصل صوت الناس، هو دائماً تحت مقصلة مصالح السياسيين، وميليشياتهم المُستعدّة لفعل أيّ شيء، من أجل كمّ الأفواه، وإبقاء فسادهم خلف جُدران مؤسسات استنزفوها إلى أقصى حدّ، ولا زالوا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard