عذراً أسامة أنور عكاشة... محاكمة وديّة لا بدّ منها

الأحد 9 يناير 202202:18 م

لقّبه كثيرون بنجيب محفوظ الشاشة الصغيرة، حين انغمس بقلمه داخل أعماق الشخصية المصرية طوال القرن الأخير، فرصد التقلبات التي طرأت عليها داخل أعماله التي لا تُنسى، فمن "الشهد والدموع"، مروراً بـ"ليالي الحلمية"، و"زيزينيا"، و"رحلة السيد أبو العلا البشري"، و"أرابيسك"، انتهاءً بـ"المصراوية"، وغيرها من الأعمال التي تقترب من 70 عملاً  فنياً، كلها تحمل بصمة عمدة الدراما المصرية، أسامة أنور عُكاشة.

ذلك التاريخ الفني الطويل، لم يُثنِ عُكاشة عن واقعه المعيش على المستويين السياسي والاجتماعي، فحفلت سنواته الأخيرة، قبل وفاته عام 2010، بالعديد من المقالات في أكثر من جريدة مصرية، مثل "الأهرام"، "الوفد"، و"الدستور"، لكنّ إحدى هذه المقالات، كاد أن يُطلّقه من زوجته، جرّاء دعوى حسبة، على غرار ما جرى من قبل للمفكر الراحل نصر حامد أبو زيد.

ماذا يعني أن نحاكم الآخرين -سياسياً أو حتى أخلاقياً- على أساس نوع الجنس الذي سبق ولادتهم؟... محاكمة وديّة ولكن قاسية لأسامة أنور عكاشة 

مقال قلب الدنيا لكنه كاشف لأفكار زمنه!

نهايات سبتمبر من عام 2004، كتب أسامة أنور عُكاشة مقالاً في جريدة "الموجز الأسبوعية"، قلب الدنيا رأساً على عقب، عنوانه "أبناء الزنا كيف صاروا أمراء المسلمين؟!"، فانهالت الشكاوى ضده، باعتباره يسبّ صحابة أجلّاء ويشكّك في نسبهم، وبخاصة الصحابي عمرو بن العاص، معتبرين ذلك "قضية دينية لا يتم السكوت عليها"، بحسب المحامي المصري منتصر الزيات، مُحرّك إحدى الدعاوى القضائية.

بعدها بأيام، صرّح المحامي نبيه الوحش، بأنه بصدد رفع دعوى حسبة للتفريق بين السيناريست أسامة أنور عكاشة وزوجته، باعتباره خارجاً عن الملّة، لكن الأمر لم يتم؛ لأن قبلها بسنوات قليلة، كان مجلس الشعب المصري قد أقر بأن تكون مثل هذه القضايا بيد النائب العام فقط، بعدما أُجبِر المفكر المصري نصر حامد أبو زيد على هجر البلد برفقة زوجته الدكتورة ابتهال يونس، عقب قضية مماثلة رفعها بعض المحامين.

لم يتراجع عُكاشة عما أورده في مقاله قيد أنملة، وما من لقاء تليفزيوني يظهر فيه إلا ويؤكد ثبات موقفه، وأنه لم ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، وكل هدفه من المقال هو "فرصة لإعادة قراءة التاريخ بعيداً عن إضفاء القداسة على شخصيات لها أدوارها التي يجب أن تُنَاقش"، بحسب تصريحاته لجريدة "الدستور" الأردنية. ولكن في انتقاده لتقديس التاريخ، وهو ما يجب حقيقة فعله لنتحرّر من سطوة التاريخ علينا، أخطأ عكاشة في حبس الشخصيات التاريخية وأدوارها السياسية في حيّز ضيق خانق: تحديق ذكوري في فرج النساء.   

في سبتمبر عام 2004، كتب أسامة أنور عُكاشة مقالاً في جريدة الموجز الأسبوعية عنوانه "أبناء الزنا كيف صاروا أمراء المسلمين؟!" قلب الدنيا رأساً على عقب ... هنا الخطر في قراءة التاريخ من منظور عكاشة

لماذا بقي عكاشة حبيس كل هذا التعصب؟      

"ليس من الصدفة أن يبدأ الصراع في الجاهلية بين أولي الشرف من العرب، كبني هاشم ومخزوم وزهرة وغيرهم، وبين من اشتُهِرَ بالعهر والزنا، مثل بني عبد شمس وسلول وهذيل، وامتد هذا الصراع إلى ما بعد دخول كل العرب في الإسلام".

عذراً أسامة أنور عكاشة، خلفاء وقادة العرب هم أشخاصٌ أثروا في التاريخ السياسي، وإسقاط تُهم على أمهاتهم لن يغيّر ذلك... إذ لا فرق بين ابن 'زواج' وابن 'زنا' وابن 'أنبوب'  

بتلك الكلمات استهل أسامة أنور عُكاشة مقاله الذي يزيد على الألف كلمة، وبعدها أصّل لما اعتبره "ميراثاً من الكراهية" التي يُكنها الملتحقون بالركب الأموي ممن لهم سوابق بالزنا والبغاء، فبحسب قوله "هذه المهن تورث الكراهية والحقد لكل من يتحلى بالعفة والطهارة، إضافة إلى أنها لا تُبقي للحياء سبيلاً وهي تذهب العفة وتفتح طريق الغدر والإثم".

وبعدها شرع السيناريست المصري في سرد أسماء لسيدات عربيات اشتهرن بممارسة "البغاء" علناً، أو "الزنا" سراً، ثم أنجبن أمراء تقلّدوا المناصب في العصور الإسلامية على اختلافها. ثم ختم مقاله بالهدف الذي يريده، قائلاً: "هؤلاء هم الرجال الذين أسسوا الدولة الإسلامية، فلا غرابة أن نرى الدماء تلون كل أوراق تاريخنا".

خلال مقاله، استشهد السيناريست أسامة أنور عكاشة بوقائع تُدلل على انتساب أكثر من صحابي لنسوة مارسن "الزنا"، لكنه لم يذكر في استشهاداته سوى كتاب واحد في واقعة وحيدة، وهذا ليس معناه أن دعواه لا مجال للبحث فيها، بل ذكرت في أكثر من مرجع، لكن الأزمة ليس في صدق دعواه من عدمه، إنما في منطقها ودلالاتها.

إن كان عُكاشة، كما ادّعى، حاول تحطيم القداسة التي كان يسعى لتحقيقها في تعليقه وقراءته هذه، فإنه على الجهة الأخرى وقع في فخ الظلم والتقديس، حين قدّس الجنس في إطار رسمي (هو الزواج)، على حساب احترام هوية الإنسان، وكرامة كل نفس بشرية دون التفريق بين "ابن زنا" أو ابن زواج أو ابن أنبوب!

هنا، عُكاشة لم يخرج عن التحيّز الذي يمارسه مجتمعه: فهو أولا يقرأ التاريخ من منظور "القضيب"، وبالتحديد يعتبر أنّ الجنس + النساء = كل مصائب المجتمع!

بدل تحليل التاريخ وسياقاته وأبعاده، يدعونا أسامة أنور عكاشة لنشير بإصبعنا إلى المتهم الأول، منبع الشر، سبب الشقاء: فرج النساء!

فبدل تحليل التاريخ وسياقاته وأبعاده، يدعونا لنترك كل هذا جانباً، لنشير بإصبعنا إلى المتهم الأول، منبع الشر، سبب الشقاء: فرج النساء. والأهم بدل تحليل ظاهرة الزنا التي كانت منتشرة قبل الإسلام، وكانت النساء أول ضحاياها، اختار عكاشة "شتم" شخصيات تاريخية بسبب الظروف الظالمة التي قاستها أمهاتهم. 

بدل تحليل ظاهرة الزنا التي كانت منتشرة قبل الإسلام، وكانت النساء أول ضحاياها، اختار عكاشة "شتم" شخصيات تاريخية بسبب الظروف الظالمة التي قاستها أمهاتهم 

عكاشة ضد عكاشة!

عام 1983، صدر لأسامة أنور عُكاشة مسلسل "الشهد والدموع"، وحقق نجاحاً باهراً، ومن بين أسباب النجاح التتر الخاص بالمسلسل، الذي يشدو علي الحجار في مقدمته بكلمات الشاعر سيد حجاب، قائلاً: "تحت نفس الشمس... فوق نفس التراب... كلنا من أب واحد أم واحدة بس حاسين باغتراب"!

تلك الكلمات التي حاول بها حجاب استخلاص رسالة مسلسل عُكاشة، يريد بها إيصال رسالة مفادها أن الإنسانية جمعاء يعودون لأب واحد "آدم"، وأم واحدة "حواء"، لكن الكراهية والحقد يملآن القلوب، فباعدت بين بني آدم وشعر الجميع باغتراب، وهي رسالة تتناقض تماماً مع مقال عُكاشة عن أبناء الزنا!

اهتمام أسامة بالنسب في مقاله يتعارض أيضاً مع تصالحه مع "هوية" مصر، التي تعاقبت عليها الثقافات منذ فجر التاريخ، ففي حين يرى شاعر بقيمة نجيب سرور ذلك التنوع الثقافي لمصر بأنه "زنا"، كما في قصيدته "كسميات"، التي يقول فيها: "بلد المنايك الكل ناك فيها/ شوف وضعها على الخريطة تلاقيها فاتحة رجليها"، نجد أنور عُكاشة يتعامل مع هذا التنوع على أنه كوزموبوليتانية، وليس زنا كما رأى سرور، وذلك في أكثر من عمل له، مثل "زيزينيا".

لسنا هنا بصدد محاكمة السيناريست أسامة أنور عُكاشة، فهو وليد ثقافة معينة لم يكن في نظرته البعد الانقلابي اللازم للخروج منها، ولكن قصته فاتحة لنقاش أهم عن استسهال قراءة التاريخ دون بحث وتعمّق ومن منظور إقصائي 

ربما أكثر الأعمال التي يتعامل فيها عُكاشة مع هوية مصر المتنوعة على أنها أمر محمود، كان في مسلسله الشهير "أرابيسك" الذي تضمن مشهداً للفنان الراحل حسن حسني (الأستاذ وفائي)، يقول فيه: "من 3000 سنة لغاية دلوقتي... شوف كام ثقافة دخلت لنا مع جيوش الغزو: هكسوس، وحيثيين، وفرس، ويونان، ورومان، وعرب، ومماليك، وأتراك، وفرنساويين، وإنجليز.. لو الشخصية المصرية كانت ضعيفة كانت اتمسخت وضاعت وبقينا جنس تاني... لكن مصر دي كانت معدة كبيرة قوي... مابتطردش أي ثقافة دخيلة، بالعكس، كانت بتاخدها وتفرز لها عصارة تهضمها، وإنزيمات تحولها لجزء من نفس نسيجها".

معرفيّاً وأخلاقياً، كان الأجدر بـعُكاشة وغيره ممن يتناولون موضوع 'أبناء الزنا' الرجوع بأمانة وجدية إلى التاريخ، ورفض الظلم الذي تعرضت له النساء ووضع الأمور في سياقاتها الصحيحة  

خاتمة 

لسنا هنا بصدد محاكمة السيناريست أسامة أنور عكاشة، فهو وليد ثقافة معينة في فترة محددة، لم يكن في نظرته البعد الانقلابي اللازم للخروج من هذه القوالب الذكورية، ولكن قصته فاتحة لنقاش أهم، من يعطي أسامة أو غيره الحقّ في تجريم شخصيات الماضي، من منظور إقصائي مشوّه، يسقط على التاريخ أسئلة تطرحها منظومة ذكورية معاصرة؟

والأخطر أنّ محاكمة شخصيات على أساس نوع الجنس الذي سبق ولادتها اعتداء صارخ على كرامة الناس، ولها آثار كارثية على حياتنا اليوم لأن فيها دعوة صريحة للتمييز والعداء والكراهية، ودون شكّ تساهم في تهميش النساء وتعزيز مآسي مجتمعاتنا المعاصرة. 

إن كان الهدف تعرية شخصيات التاريخ من قدسيتها، فقد ساق عكاشة هدفه باتجاه غير موفق، جاهل وظالم. أما إن كان الهدف تناول شيوع الزنا في تلك الحقبة، فقد كان الأجدر بعُكاشة وكل من يتناول هذه النقاشات قبله وبعده، التمعن بالتاريخ وظروفه، والرجوع لأبحاث ودراسات أعدها مختصون في هذا الصدد.

فبدل التحامل وكيل الاتهامات، بعد مئات السنين، على النساء و"شرفهن"، وتجاهل الظلم الذي تحكّم بمصائرهن وقتها، الموقف الأسلم معرفياً وأخلاقياً هو الاعتراف بالظلم بداية، ثمّ البحث في أبجديات التغيير الاجتماعي الذي دعا إليه الإسلام وحققه في بداياته، حيث وجد في الزنا خطرًا على النساء قبل المجتمع، وجعل محاربته من أولى مهامه، ضمن مشروع أوسع كان هدفه إحلال منظومة أخلاقية جديدة لتسيير المجتمع. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard