هل أزحنا القضيب عن الكنائس والمساجد ودور العبادة؟

السبت 28 ديسمبر 201911:15 ص

هل يُمكن أن يكون الله تقاطعياً؟ ربما ذلك هو السؤال الأول الذي نطرحه ونحن نصافح الخواطر الأولى في كتاب (الله الكويري، 2003) لمارسيلا ألتهاوس ريد، أن نقتفي أيضاً الحاجة الملحة إلى أن يكون اللاهوت راديكالياً، أي أن نتجرأ على القول بأن تكون الثيولوجيا تحررية، وأن نجعل من الله -ضمن هذا الأفق المعرفي- كويرياً، أي أن نبحث عن الله في أعماق الإقصاء الاجتماعي والطبقي والجنسي وغيره.

إن هذا الإلحاح نجد له صدى عندما يقول جيل دولوز إن الله لم يعد ضامنا لأي هوية "هذا هو التصور الإباحي، وهو الانتقام الذي تتخذه الأرواح على كلّ من الله والجسد"، (منطق المعنى، 1969)، هل أزحنا إذاً القضيب عن الكنائس والمساجد ودور العبادة؟ هكذا يمكن أن نتساءل ضمن السياق الفلسفي والفكري الذي يجمع مفاهيم عدة تهدف إلى قلب التصورات؛ إنه نوع من الاشتغال الجينيالوجي والهرمنوطيقي على كويرية ثيولويجية لا تعترف إلا بالبراديغمات الجندرية الكلاسيكية، بواسطة إيمان مجندر وإله مجنوس ودين معياري سلفاً.

كيف أضحت إمامة النساء فعلاً مخالفاً للتجسد الذكوري داخل المساجد؟ وكيف أمكن الحديث في سياقنا العربي عن إسلام لا معياري؟ وكيف أضحى فهمنا للإيمان، أي الروح، أي الله، ضمن التصور الجندري؟

إن الإسلام قد يؤخذ على سياقات عدة، ويمكن فهمه ضمن عدة تصورات، ذلك نظراً لأنه يخضع لديناميكية تاريخية وثقافية وسوسيولوجية، ونحن هاهنا لسنا إزاء تطعيم المقدس بنوع من القراءات الأكاديمية، إنما ذلك هو حال الحال، أي واقع الواقع. لا يمكن ألا نتساءل على سبب ارتداء الرجال لما يسمى بالـ"قميص" واحتكار لقب السلفي في الفضاء العام، كأنما ذلك لا يربط الجانب الروحاني بالذكورية، وكأنما نحن مضطرون لحجب ذلك عنا. إنها فعلاً وقائع عينية أصبحت اعتيادية، لكنها دامغة من الناحية السيميائية، ذلك ما يدفعنا للقول إن الإيمان في جانب مهم منه هو بناء اجتماعي. هذا السياق لا يختلف عن قراءات أخرى تؤكد أن الذكورة هي أيضاً تدبير اجتماعي بما يجعلها ذكوريات مختلفة، أحدها مُعلمنة والأخرى مسيحية والأخرى مسلمة والأخرى تنزع إلى تشقيق الهوية... إلخ.

إن المشكل عندئذ يكمن في قدرتنا على أن نفهم أن الإيمان هو فعلاً مُجندر، وهي مرحلة مهمة في التطرق لا فقط إلى تاريخ الأديان ككل، إنما بداية ضمن الاعتراف بأن الإله في الإطلاق هو وحدة أنطولوجية، قائم على نفي التجزؤ والمشاركة، بل أكثر من ذلك على الغلبة، أي غلبة المذكر على المؤنث ضمن رؤية كلاسيكية فقهية؛ وما حاجتنا لمداورة سؤال الإيمان مجندراً إلا من أجل إعادة الفرد إلى خانة الاستشفاء من هيمنة تشريع المقدس ضمن تمييزات هووية.

لم يبلغنا فهم وتفسير حول الله إلا من خلال الكتابات الذكورية، أي كأنما فهم الله هو ذكوري بالأساس، أي ضمن بطريركية دينية، لذلك فإن أي فعل إيماني يتخطى إجماع الجماعة يصبح ضرباً من التهديد لهذه الصورة الأولية التي من خلالها يكون الإيمان ذكورياً بامتياز، مثل إمامة النساء في المساجد

أن نقتفي الحاجة الملحة إلى أن يكون اللاهوت راديكالياً، أي أن نتجرأ على القول بأن تكون الثيولوجيا تحررية، وأن نجعل من الله -ضمن هذا الأفق المعرفي- كويرياً، أي أن نبحث عن الله في أعماق الإقصاء الاجتماعي والطبقي والجنسي وغيره

إن الفهم الثيولوجي الكويري يعني أن الأفعال الإيمانية والممارسات الاعتقادية يمكنها أن تغادر التقابل الثنائي الجندري الاعتيادي

يبدو لنا في محاولة لفك شيفرات هذا الإشكال أن مفهوم التشبه في النص القرآني التأسيسي على درجة كبيرة من الأهمية، حيث أنه يجسد أولاً منطلق التمييز الجندري بين المؤنث والمذكر، حيث أن تقليد الجنس الآخر محظور تماماً، وينسحب هذا الأمر على تصور الذات الإلهية، فهي هاهنا تتشكل ضمن إطار النفي التام، أي هي ذات "لا شبه لها"، كأنما هي تغادر مجال التوصيف الجندري، وذلك ما تطلعنا عليه سورة الإخلاص. لكن السؤال الذي يُطرح هاهنا: هو ضمن أي هاجس يُحتم علينا البحث في التقاطع ما بين الجندر والثيولوجيا؟

إن حركات التحرر في العالم العربي أضحت ترتبط شيئاً فشيئاً بقضايا لا فقط اقتصادية بحتة أو سياسية بحتة، إنما بالأساس حول الانتماء الاجتماعي وإعادة تشكيل الهويات، فالله هو هوية سردية بالأساس، قبل أن نقول بأنه هوية إيمانية بحتة. وارتباط سرديات الله بالأنبياء والرسل والمفسرين يضع الباحثات النسويات والكويريات إزاء تساؤلات عدة، من بينها إعادة قراءة تاريخ الأديان قصد جندرته مثلما تشير إلى ذلك ليسبيث ميكيلسون Lisbeth Mikaelsson، ذلك أن الديانات التوحيدية هي أكثر المجالات التي يتم من خلالها صنع الهويات مجنوسة بين المؤنث والمذكر ومجندرة بين الرجال والنساء، وهو ما يدفعنا لفهم طبيعة الإيمان على وجه التحديد، لأن الفرد لا يستقر في العالم فقط، إنما أيضاً يشكل تمثلاته ضمن أفق الإيمان، أي ضمن العودة للذات الإلهية، وهنا يكمنُ الإحراج في حقيقة الأمر؛ لأن التفسيرات الدينية تخفي الوازع الجندري في تثبيت صورة الله بما هي صورة عن الأب وعن المذكر، على الرغم من أن التشبيه أمرٌ محظور، لذلك فإيمان القساوة بالنسبة للنساء (لأنهن يُطالبنَ بالخضوع التام دينياً لسلطة الرجال، أي غلبة المؤنث على المذكر) هو محاولة لطمس الألوهية الأنثوية، فنحن لا نجد على سبيل المثال إلا الأرباب أو الله، فهو الذي "لم يلد ولم يولد"، ونحن نعلم أن فعل الولادة هو فعل أنثوي بالأساس، كأنما إذا هنالك نزع قصوي لارتباط الله بصفة جندرية معينة.

يأتي ذلك توازياً مع حظر التشبيه. لكن إقصاء آدم وحواء من جنات عدن في فعل الخلق الأول يفصح عن مكنون الفهم الجندري في الكتب الدينية المؤسسة، لأن نزولهما إلى الأرض قصد الخلافة (أي خلافة الله) تفصح عن ديناميكية ثيولوجية قائمة على الإقصاء الجنسي وفيه نوع من التشتيت الكويري Queering diaspora (هذا إذا فهمنا أن الخلق الإلهي مبني على الثنائي البيولوجي ذكر/ أنثى، بينما آدم وحواء يمثلان التقابل المعياري للنوع الاجتماعي الكلاسيكي وهنا يكمن الإشكال)، لذلك، فَهمُ الجندر ههنا لا يمكن بلوغه إلا تأويلياً، مثلما نفعل في الدراسات الدينية أو القرآنية، أي أن نحمل الله على محمل التأويل. لماذا؟

لم يبلغنا فهم وتفسير حول الله إلا من خلال الكتابات الذكورية، أي كأنما فهم الله هو ذكوري بالأساس، أي ضمن بطريركية دينية، لذلك فإن أي فعل إيماني يتخطى إجماع الجماعة يصبح ضرباً من التهديد لهذه الصورة الأولية التي من خلالها يكون الإيمان ذكورياً بامتياز، مثل إمامة النساء في المساجد. وعليه، لا يمكن أن نفهم المنحى الجديد لإعادة جندرة الإيمان، ونزع القالب الذكوري عنه إلا من خلال إعادة فهمنا لتصور الله ضمن الاعتقاد والممارسة، ومثال على ذلك النزوع اليوم إلى إلغاء التمييز داخل الفضاء الديني الإسلامي.

هكذا أصبح للجندر دور فاعل في تشكيل الواقع الديني وإعادة تركيز ثوابت الإيمان من خلال فضح المركزية الذكورية التي بسطت سطوتها بالأحكام والفتاوى، ولا تأتي محاولات جندرة الإيمان إلا قصد ترسيخ الاستنباط البشري في الفهم والتأويل والاجتهاد.

إنَّ بناء صورة الله لا تغادر صورة البناء الثقافي الاجتماعي، أي أن الإيمان ليس معطى طبيعي أو روحاني بحت، إنما يخضع إلى تشكيل سيكولوجي وسوسيولوجي، لأن التمثل الإيماني رمزيٌ بالأساس وينساق ضمن سيرورة تاريخية تتشكل سماتها ضمن المعيار وإعادة إنتاج النمطية. إن ذلك قد لا يعني أننا إزاء محاولة لإعادة إنتاج النص الديني التأسيسي، إنما هنالك حاجة ملحة إلى فهمه تأويلياً، وأن ننزع دلالة الخطيئة الأولى عن حواء تحديداً.

إمامة النساء تأتي ضمن قلب التصور الإيماني، الذي أرسى قيوده من خلال تصور ذكوري بحت نجد فيه أن الإمام الذي يؤم المؤمنين يمثل صورة الأب (وهو لا يختلف شكلاً عن صورة القس أو الحاخام)، أي ناقل البعد الروحاني الإيماني، أي الخطيب الذي يباشر المعرفة الدينية، وذلك يجسد سلطة القول والدراية. لكن عندما نجد محاولات لإمامة النساء من قبل الرائدات في الثيولوجيا النسوية مثل أمينة ودود Amina Wadud أو آني زونيفيلد Annie Zonneveld نكتشف محاولة إعادة تمثل الأبعاد الرمزية الإلهية، أي أن هنالك محاولة لإعادة إنتاج البراديغمات الإيمانية كي تصبح ضرباً من الفعل النسوي، وذلك يعني اختراق منظومة السلطة الثيولوجية.

إن الفهم الثيولوجي الكويري يعني أن الأفعال الإيمانية والممارسات الاعتقادية يمكنها أن تغادر التقابل الثنائي الجندري الاعتيادي. هكذا يصبح الحديث عن لا-معيارية الدين، أي تنقية الإيمان وما يدور في فلكه من شوائب الذكورية، سمة الفعل الهيرمينوطيقي الحديث، وهذا ما نجد تدوينات أولى عنه في كتابات النسويات، نذكر أثر أسماء برلاس Asma Barlas "المؤمنات في الإسلام: ما لم تقرأه التأويلات الأبوية للقرآن"، التي تحاول فك الاحتكام لقراءة الرجالية/ الأبوية/ الذكورية ذلك من خلال الإقرار أن تمثلاتنا الأولية حول الله هي بناء رمزي تواصلي اجتماعي ثقافي. لذلك فمحاولة إضافة القراءة الكويرية تأتي ضمن قصويات التأويل الذي يريد أن ينزع عن مختلف الشبكات الرمزية سمة التحديد البيني. أي ألا أكون -وأنا أؤمن- بين المذكر والمؤنث؛ وهذا يأتي ضمن فلسفة ما بعد الحداثة التي ذهبت في أغلبها إلى نزع التكلس وتعرية التفاوت وتكريس ثقافة الاختلاف. إن الإيمان هو الفعل البشري الذي لا يمكن حده، لكن من الأكيد يمكن عقلنته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard