ما نفعله بالتاريخ وما يفعله بنا... معارك ضد الماضي

الاثنين 13 ديسمبر 202101:32 م


قبل سنوات بعيدة، أبدى أستاذي المخضرم في قسم التاريخ بكلية الآداب استياءه من مكالمات الصحافيين التي تطلب منه تقديم قصص تاريخية مسلية للقراء، حتى إن كانت ضمن تعليق على حدث له جذور تاريخية. واليوم، أتذكره كثيراً حين أقرأ مقالاً أو منشوراً على صلة بالتاريخ.

تعود قصتي مع أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة إلى عصور ما قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وقبل الاهتمام المتزايد بما يطلبه "التريند" من موضوعات وعناوين، وقبل تحول الوسم (الهاشتاغ) إلى جزء أصيل من ترويج كتاباتنا. ورغم ذلك، فإن بعض زملائه من الأكاديميين كانوا – وما زالوا- يتعاملون مع التاريخ بمنطق البحث عن عنوان مثير، حتى إن أسفر ذلك عن تسطيح حقب وشخصيات بأكملها.

كتاب مغرضون

هل الاستخفاف بالشخصيات والحقب التاريخية هو الذي حوّل صورة جمال عبد الناصر أثناء تحية الجماهير إلى شعار طريف (Meme) يعبر عن الفشل والنهاية المخزية؟ أفترض هنا أن صاحب هذه الدعابة الثقيلة لم يأت بها من فراغ، بل هو جزء من سياق يحول التاريخ إلى أحداث وشخصيات نفخر بها وأخرى تشعرنا بالخزي، دون اعتبار لإمكانية أن تكون الأحداث والشخصيات مركّبة وتحمل تناقضات ومفارقات.

في الحقيقة، إن البحث عن الإثارة في عنوان يضرب شخصية أو مرحلة في مقتل ليس جديداً، وسابق على ظهور الإنترنت، كأن يدعي كاتب بأن ثورة 1952 أمريكية الصنع (انظر كتاب ثورة يوليو الأمريكية: علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية) وذلك على عكس مسار الأحداث وسياقها الإقليمي والدولي، وهو السيناريو ذاته الذي قد يحدث مستقبلاً مع ثورة 25 يناير، والذي بدأ الترويج له مبكراً.
إن اختيار وثائق وشهادات بعينها، وقطعها عن سياق مرحلة بأكملها، يشكل مادة جذابة، تشبه فكرة الهاشتاغ التحريضي الذي يبرز كل حين على جانب موقع مثل تويتر.
قبل سنوات، خرج الباحث المصري يوسف زيدان بتصريح صادم خلال لقاء تلفزيوني قال فيه إن "صلاح الدين الأيوبي واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني". ثم أعقب ذلك بجملة اعتراضية أثناء حديثه على الهواء مع الإعلامي عمرو أديب قائلاً: "عملت لك مانشيت... عشان بكرة تستخدمه الجرائد"
لعل شخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر التي نجحت في صنع أعداء ودراويش على حد سواء، مجرد حلقة في سلسلة شخصيات وحقب تاريخية ما زالت أسيرة لتناول يعتمد على الاستقطاب، تقسيم القراء إلى فريقين متنافسين وإشعال لحظة حماس، سرعان ما تمر ويبقى أثرها الضار، تاركة وراءها بعض التعصب وضيق الأفق.
ربما يجد جمال عبد الناصر فريقاً يدافع عنه رداً على أي اتهامات ضده، إضافة إلى وجود خطاب من السلطة يتعامل معه بشيء من التوقير، لكن الوضع يختلف مع شخصية أخرى، مثل الزعيم السياسي المصري سعد زغلول، الذي تتعامل معه بعض الموضوعات الصحفية بعقلية طالب ثانوي يسعى للثأر من شخصية أجبر على دراسة دورها في التاريخ الحديث.
ويكفي ضغط بعض الأزرار على لوحة الكتابة لنرى أنه يكاد لا يخلو موقع صحفي من مقال يكرّر ما قيل عن سعد زغلول بأنه مقامر وسكِّير ومنافق. ربما كان ما فتح المجال لذا التناول، هو نشر المؤرخين مذكرات سعد زغلول الشخصية، التي ضمت اعترافات ومحاولات للتطهر دوّنها على الورق، فاقتبسها كثيرون لتدمير صورة السياسي الراحل، وكانت تلك الفقرات المقتبسة كافية لهم عن التعمق في سيرته، بما تحمله من تناقضات وتوفيق أو سقوط.

هذا المقال ليس عن السؤال المثالي: كيف نصل إلى الحياد ونحن نتعامل مع أحداث التاريخ وشخصياته؟ بل هو عن الكتابات والتعليقات التي تسعى لإعادة تقديم التاريخ بشكل مثير، صادم، جاذب، مستقطب، وكأنها جاءت بنتائج جديدة. فهل من طريق يدفعنا إلى التعامل مع التاريخ بشكل أكثر تقديراً؟

هذا السعي وراء إثارة الجدل بشيطنة شخصيات وفترات تاريخية، لا يقع فيه كتاب هواة أو رواد مواقع التواصل الاجتماعي نتيجة قلة الخبرة، لكن بعض الكتاب المخضرمين والعاملين في مجال الكتابة التاريخية. على سبيل المثال، يعطينا الأديب والباحث المصري يوسف زيدان درساً في كيفية استغلال التاريخ والإعلام في صنع حالة من الجدل المفتعل:

قبل سنوات، خرج زيدان بتصريح صادم خلال لقاء تلفزيوني قال فيه إن "صلاح الدين الأيوبي واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني". ثم أعقب ذلك بجملة اعتراضية أثناء حديثه على الهواء مع الإعلامي عمرو أديب قائلاً: "عملت لك مانشيت... عشان بكرة تستخدمه الجرائد".

هذا النموذج الجريء والمتجرِّئ في اختصار أحداث التاريخ وشخصياته في عبارات حادة، يشجّع آخرين على كتابة مقالات ومنشورات وتغريدات عبر الإنترنت، تفتقد التوازن في التعامل مع التاريخ وتكرّس حالة من الاندفاع والتهور، كتلك التي يتبناها مشجعو كرة القدم في المدرجات.

مع تقهقر التيار الإسلامي، أصبح بالإمكان رصد ما يحدث في بلداننا العربية من محاولات استعادة "أمجاد قومية" تحتفي بالحضارات القديمة

لن ينتهي الأمر عند هذا الحد، إذ يخبرنا التاريخ نفسه بأن مثل تلك الروح قد تنتج تطرّفاً وكراهية، مثلما يستعين أئمة السنة والشيعة بأحداث وشخصيات تاريخية، يختزلونها في صور بغيضة، لتحريض أتباع كل طائفة وتغذية روح الثأر.

وهكذا يعود التاريخ كمن يقول "احرقوا أنفسكم بتجرّئكم"، ليرد إلينا الإهانة تعبيراً عن ازدرائه من محاولات استخدامه في إثارة الجدل وجذب الانتباه، بلا توازن أو عقلانية. فتعود كرة النار الطائشة لتحرق الجميع بالتعصب وضيق الأفق.

صحفي في مهمة اغتيال

إن كتابة موضوع أو مقال عن شخصية أو قضية تاريخية هي قرار يتخذه صحفي أو كاتب أو مدوِّن (كاتب محتوى)، وحين يسعى هؤلاء وراء خلق صراع تختفي وراءه الصورة الكاملة للحدث أو الشخصية التاريخية، فتلك هي مسؤوليتهم. فالصحفي هو من ينتخب عنواناً من مناقشات في ندوة أو في حلقة تلفزيونية. هو مسؤول عن ترويج الطعنات الموجهة لشخصية راحلة أو حقبة بأكملها.

فما الذي يدفع صحفي لكتابة مقال أو خبر يسهم في اغتيال سعد زغلول أو صلاح الدين الأيوبي أو غيرهما؟ ما الذي يدفعه لاختيار جزء من التاريخ يمس مشاعر دينية أو وطنية لدى القارئ، حتى إن كان ذلك لا يعبر عن حقيقة ما كان؟ ثم لماذا لا يبتعد الكاتب أو الصحافي مسافة تسمح له برؤية أوسع، تضع هذا المحتوى المثير في سياق أشمل للتأكيد على أن ما يكتبه ليس كل الحقيقة؛ بل جزء منها؟

ربما تكون الإجابة لدى الفنانة رانيا يوسف وزميلتها إلهام شاهين. كيف ذلك؟ إن ما أفترضه هنا أن كثرة الاعتياد على توجيه الطعنات للآخرين وممارسة الاغتيال المعنوي تجاه شخصيات حالية على قيد الحياة، ووضعهم في ركن ضيق لا يستطيعون منه فراراً أو حتى الدفاع عن أنفسهم، هو ما قد يجعلنا نفهم ذلك السلوك المتنطع في التعامل مع التاريخ وشخصياته وأزمانه.

فالصحفي الذي نجح في اغتيال أحدهم معنوياً وهو على قيد الحياة وبكامل نفوذه، من السهل عليه اغتيال شخصية من التاريخ والتمثيل بجثتها دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، في الوقت الذي لا يدرك فيه الكاتب أنه ترك خلفه تحريضاً وكراهية وتكريساً لضيق الأفق.

إن ممارسة التحريض اليومي على الإنترنت ضد شخصيات عامة أو أخرى عادية، يبرمج الأذهان على سهولة ممارسة العنف والإقصاء في التعامل مع الآخرين، فلا محاسبة أو إدانة.

وحين يتخلى الصحافي عن كل ما درسه من ضرورة احترام الضحايا وعدم التشهير بالشخصيات العامة لخياراتها الشخصية، ويتحول إلى المتنمر الأول في ساحة الإنترنت؛ فإن النتيجة هو ظهور "حفلات" تجذب الآلاف لترديد عبارات الطعن والسب بكل بساطة ضد شخصية مشهورة أو أخرى خلقها "التريند".

إسلاميون على خط المواجهة

هذا المشهد الذي يبدو فوضوياً في التعامل مع الماضي، أحياناً ما يتشكل أيضاً بفعل ظرف سياسي أو اجتماعي، ليضع أمامنا سبباً جديداً لحالة الاستقطاب والتطرف في التعامل مع التاريخ. على سبيل المثال، فقد جاء انسحاب وضعف التيار الإسلامي في بعض البلدان العربية ليترك أثراً في الترويج لشخصيات وحقب ماضية، بل ترك فراغات ومساحات يجب ملؤها.

لا حل سوى الترفع عن أن تكون جندياً في معركة خاسرة مع الماضي

من الأمثلة على ذلك، طريقة التعامل مع الدولة العثمانية، فبينما كان الكتاب والمدوّنون والإعلاميون ذوو الصلة بالتيار الإسلامي يمجدون تاريخها وينقبون في مآثر رجالها، صانعين مادة مثيرة لدى محبي الفتوحات والغزوات؛ فإن الوضع تغير مؤخراً مع غياب تأثير هذه الفئة من الإسلاميين وتهميشها، خصوصاً بعد استغلال تركيا للوجه العثماني في الشأن السياسي. وهكذا صعدت كتابات أخرى تتعامل مع الحقبة العثمانية كتاريخ من الدماء وسلسلة من الاغتيالات والعسكرة والجهل. ومرة أخرى يصبح التعامل المتطرف والاستسهال هو التاريخ البديل.

تنقيب عن الفخر

ومع تقهقر التيار الإسلامي، أصبح بالإمكان رصد ما يحدث في بلداننا العربية من محاولات استعادة "أمجاد قومية" تحتفي بالحضارات القديمة. إذ يمكننا ببساطة ملاحظة تغير المزاج العام في التعامل مع التاريخ المصري القديم، بعد الحفل المبهر لموكب نقل المومياوات الملكية في مصر وما صاحبه من هوس على الإنترنت بأغنية تقدم ألحاناً وكلمات مصرية قديمة.

ثم تكرر ذلك مع افتتاح طريق الكباش في مدينة الأقصر الأثرية، وكأن هذا الاهتمام المتصاعد بالتاريخ القديم جاء بديلاً عن حالة "الفخر" التي سادت في السابق بالتاريخ الحربي الإسلامي، وهي الحالة التي كان يتغذّى عليها تيار الإسلام السياسي.

ولما خفت صوت الإسلاميين في عدة بقاع عربية، تراجع معها من كانوا يشعلون نشوة المستمعين بكتابات وخطب عن "الأندلس... الفردوس المفقود"، والدولة العثمانية التي هددت قلب أوروبا.

الأمر ليس مقتصراً على مصر في رحلة البحث عن تاريخ بديل للفخر، بل يمكن ملاحظة الاهتمام السعودي الجديد بتاريخ ما قبل الإسلام والاحتفاء بآثاره، بعد انسحاب تهديدات المتطرفين التي كانت تحط من شأن فترة ما قبل الإسلام، وفي السودان لا تخفى تلك النزعة التي تمجّد الماضي القديم، كاستخدام لفظ "كنداكة" في وصف صورة المتظاهرة السودانية الشهيرة أثناء ثورة ديسمبر، حين بدأ معها انحسار الإسلاميين.

هذه الروح لم تعد تخشى منغصات الوجود الإسلامي، فهي تبحث عن تاريخ بديل للفخر، لتسقط أحياناً في أزمة المغالاة في تمجيد حقب وشخصيات تاريخية سابقة، والسعي لإلغاء أخرى.

لكن التاريخ نفسه يقدم إلينا نماذج كارثية لهذه الممارسة، إذا ما انفلتت فيها روح الغل والتعصب، لتنتج أفكاراً قامت على خلطة "مثيرة" من الحقائق والأساطير، مثل ظهور الفاشية في إيطاليا كامتداد لمجد غابر، والنازية التي تمجد عرقاً أسطورياً، وهو ما جذب إليهما آلاف المتحمسين.

خاتمة

ربما يشعل التريند وسماً، فيرفعه عالياً في قائمة الأكثر رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتحقق النجاح عبر مزيد من القراءات والزيارات. لكن حين يتصل الأمر بكتابة التاريخ، فإن الإتيان بجديد لا يدعو بالضرورة إلى إلغاء القديم، فكلما تصاعدت نبرة التطرف في التعامل مع التاريخ بين الاحتفاء والازدراء، جاءت النتائج بمزيد من الانغلاق والتعصب.

وربما يغدو طموحاً جامحاً منا أن نطالب بالتعامل المحايد مع التاريخ والنظرة الشاملة للعصر والشخصية، بينما يمارَس الاغتيال المعنوي علناً لشخصيات عامة دون محاسبة. لا حل سوى الترفع عن أن تكون جندياً في معركة خاسرة مع الماضي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard