" الزواجُ أصعبُ الحلال عند الشباب المغاربة"... 70 في المئة منهم عزّاب!

الخميس 23 ديسمبر 202110:20 ص

 "عمري 35 سنةً، وأنا حاصل على إجازة في القانون الخاص. أعمل موظفاً، براتبٍ قدره ثلاثة آلاف درهمٍ (325 دولاراً)، يقتطع البنك ثلثيه بسبب ديون استهلاكية تراكمت عليَّ. كيف يُعقل أن أفكّر في الزواج!"؛ بهذه الكلمات، يشرع محمد في حديثه إلى رصيف22، مستحضراً كافة الظروف التي تحولُ دون تفكيره في إنشاء أسرة. يظلّ العائق المادي أشدّ الصعوبات التي تقف أمام ارتباطه، إذ إنه يرى في الزواج مسؤوليةً وتعاوناً وتفاهماً بين شخصين، وبالأخصّ الكثير من التضحيات التي يعجز عنها اليوم.

تعددت الأسباب والعزوبية واحدة

على مِنوال محمد، الكثير من الشباب، ممن يرفضون الزواج لأسبابٍ مادية، خاصةً مع تكاثر الأزمات، وتراجع فرص العمل، وغلاء المعيشة، بالإضافة إلى ما يُلازم قرار الزواج من مسؤوليات. حسب تصريحات عددٍ من الشباب، في حديثهم إلى رصيف22؛ وهو الشيء نفسه الذي كشف عنه تقرير أنجزه المرصد الوطني للتنمية البشرية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ إنه على الرغم من أن الشباب المغاربة يهتمون بفكرة تكوين أسرة، إلا أنه وبلغة الأرقام، نجد أن 70 في المئة منهم عازفون عن الزواج، انطلاقاً من عام 2019. وحسب الوثيقة نفسها، فإن نحو 35 في المئة من المغربيات، أي أكثر من الثلث، عزبات.

تشير مُعطيات كثيرة، من وثائق وقصص واقعية، ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن العزوف عن الزواج في صفوف الشباب المغاربة بات ظاهرةً لا تنفكّ عن اتّخاذ منحى تصاعدي في السنوات الأخيرة، خاصةً بين سنتي 2011 و2019، وذلك ناتج عن تحدّيات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحوّلات ثقافية في المجتمع.

أعمل موظفاً، بثلاثة آلاف درهم (325 دولاراً)، يقتطع البنك ثلثيها بسبب ديون استهلاكية تراكمت عليَّ. كيف يعقل أن أفكّر في الزواج!

وفي هذا السياق، يقول محمد حبيب، وهو مساعد اجتماعي في قسم قضاء الأسرة في المحكمة الابتدائية في الرباط، إن أبرز الأسباب المؤدّية لعزوف الشباب عن الزواج، تتمثل أساساً في "ارتفاع منسوب البطالة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلد إثر جائحة كورونا، وتسريح مجموعةٍ من العمال، وازدياد عدم الاستقرار المهني".

بحكم عمله في قضاء الأسرة، يلتقي حبيب يوميّاً حالاتٍ لشباب يضطرون إلى الطلاق بسبب المشكلات التي تواجههم في بداية مشوار الزوجية، وهو ما يدفع، وفق وجهة نظره، إلى إحجام كثيرين عن خوض التجربة. وأضاف: "إنه الخوف من الفشل في الحياة الزوجية. لقد أضحى يشكّل هاجساً للذكور والإناث على حدٍّ سواء، باختلاف المبررات والأسباب، التي منها الاضطراري، ومنها الاختياري"، ويضيف المتحدّث أن التفسير قد يعود أيضاً إلى عوامل اجتماعية تطبع المجتمع المغربي، وخاصةً التغيّرات الكبيرة التي عرفها في العشرية الأخيرة.

وقال في هذا السياق، إن هناك مبررات اضطرارية تتمثل في "ما عرفته التركيبة الأسرية المغربية من تغيّر، إذ انتقلت من الأسرة الممتدة والمركبة والنووية، إلى الأسر الأحادية، ونقصد بالأحادية أن المُعيل واحد، بحيث تجد بنتاً أو ولداً يعيل أسرته، بالإضافة إلى تكفّل شابٍّ أو شابة بأحد الوالدين، أو بأحد الإخوة في حالة المرض، ومن جهةٍ أخرى أصبح من أولويّات الشباب الوصول إلى الاستقرار المالي، مما يؤخّر فكرة الزواج، أو بسبب تدخّل الأهل في مسألة اختيار الزوجة".

أما الأسباب الاختيارية، فأشار المختصّ الاجتماعي إلى أنها تتعلق "بالخوف من تحمّل المسؤولية، أو بتمثّل فكرة الزواج على أنه متاعب، ولا يحقق أيّ متعة".

تدخّل الوالدين يُفسد...

"قبل عشر سنوات، كُنت على وشك الزواج من أوّل إنسانة أحببتها، وآخرهنّ، قبل أن أراها بالصدفة مع شخصٍ غريب، وهي من كانت تغارُ عليّ حتى من أخواتي. تِلك الصدمة جعلتني أكره شيئاً اسمه الزواج، والعلاقات، وحتى الجنس اللطيف. غير أنه قبل أشهرٍ من الآن، راودتني الفكرة من جديد، لأن العمر يتطاير، ويظهر أن الزواج شرّ لا بدّ منه"؛ استحضر ناجي، فاعل جمعوي من الجنوب الشرقي، ماضيه، ولخّصه في بضع كلمات يبدو من خلالها أسفه.

استرسل ناجي، البالغ من العمر 33 سنةً، في تعداد أسباب عزوفه عن الزواج، على الرغم من أنه يرى أن الاستقرار المادي والذهني والنفسي، شيء يحول دون زواج الكثيرين من معارفه. يتدارك حديثه مستحضراً سبباً آخر يراه مُهمّاً، وهو تدخّل الأسر في الشؤون الخاصة لأبنائها، ومن ضمنها الزواج، خاصةً في الأوساط التقليدية. وعن هذا السبب يقول: "منذ طفولتي، والعائلة تصرّ على أنني وفلانة (فتاة من العائلة نفسها)، سنكون زوجَين في المستقبل، وإلى الآن هذا الحديث بالنسبة إليهم ساري المفعول، على الرغم من مضي السنوات، وعلى الرغم من إشارتي وتلميحي إلى أنني لا أريدها، والآن والله أنا أتمنى أن تتزوج عاجلاً، لكي أقوى على المضي في حياتي كما أشاء".

أظهرت دراسة أن 70% من الشبّان المغاربة عازفون عن الزواج في السنوات الأخيرة، وتتعّدد الأسباب بين الثقافي والاجتماعي والمادي... والعزوبيّة واحدة

وفي ما يرتبط بالأسباب الجذرية لعزوف الشباب عن الزواج، يؤكد عبد الصمد بوذياب، أستاذ باحث في الدراسات الفكرية والعقدية، أنها "مركّبة، ومتداخلة، وفي الوقت نفسه متباينة من فئة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وأولاها ثقافية واجتماعية، مرتبطة بتغيّر ثقافة المجتمع، بحيث أنه قديماً، حين كان الشاب يصل إلى العشرينات من عمره، كانت ثقافة المجتمع تُحتّم عليه الزواج، بغضّ النظر عن وظيفته، أو دخله المادي، أو أيّ شيء من هذا القبيل".

وأضاف: "الآن نجد أن ثقافة المجتمع قد تغيّرت، فلم يعد المجتمع يطلب الزواج ممن وصلوا إلى سن العشرينات. لهذا، نجد أنه في المناطق النائية مثلاً، لم تتغيّر الثقافة، ولم يتغيّر إقبال الشباب على الزواج، وليس هناك أيّ عزوف. لكن في المناطق التي عرفت نوعاً من التقدّم الحضاري والعمراني والتغيّر الثقافي، نجدها قد عرفت نوعاً من العزوف، بمعنى أن الشاب الآن أصبح لا يفكّر في الزواج في العشرينات، وإنما قد يبدأ بالتفكير فيه، نهاية العشرينات أو بداية الثلاثينات، وربما أكثر"؛ يضيف بوذياب في حديثه إلى رصيف22.

وأرجع الباحث السبب الثاني، إلى ما هو مادي، مشيراً إلى أن "هذا مرتبط أيضاً بما هو ثقافي، لأن الثقافة المجتمعية في السابق لم تكن تفرض على الشاب الراغب في الزواج، أن يكون له بيت مستقل، ولم تكن تفرض عليه أن تكون له وظيفة ثابتة، أو مستوى اجتماعي معيّن، وإنما كان يتزوّج وتصبح الزوجة واحدةً من بنات العائلة، وهو يبقى في كنف العائلة ذاتها، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر، بل تمت إضافة فرد جديد إلى 'الأسرة' فحسب، أما انتشار فكرة الأسرة النووية الآن، فتجعل من الصعب على من لا بيت له، ولا راتب ثابتاً أن يتزوج".

ويردف المتحدث نفسه أن "السبب الثالث مرتبط بالإشباع العاطفي والجنسي، إذ إنه قديماً كان الشاب إن لم يتزوّج يجد صعوبةً كبيرةً جداً في أن يُشبع رغباته العاطفية، لكن الآن في ظلّ التطور الرقمي والتكنولوجي، ومع هذا الانفتاح الثقافي والإعلامي والعالمي المهول، أصبح من السهل على الشاب إيجاد من يشبع رغباته معها، خارج إطار المؤسسة الزوجية".

يختم بوذياب حديثه إلى رصيف22، قائلاً: "جُلّ الشباب اليوم ممّن أخالطهم، سنّهم تفوق الثلاثين، وحين تسأل أحدهم لماذا لم تتزوّج بعد، يجيب سريعاً بأنه لو كان لي بيت ووظيفة لكنت قد تزوّجت".  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard