"يرون أن ما نقوم به محرّم"... راقصات المولوية في القاهرة وتحدّيات الأنوثة والعقيدة

الأحد 19 ديسمبر 202104:03 م

استيقظتْ في ذلك الصباح متأخرةً قليلاً. كانت الليلة السابقة مرهقةً للغاية، فبعد الانتهاء من الحفل، لم تستطع الانتظار لمعرفة رأي الحاضرين، وقررت أن تطّلع على آرائهم التي تركوها في صندوق التعليقات على الصفحة الرسمية للفرقة، إذ كان الحفل مذاعاً بشكلٍ مباشرٍ على مواقع التواصل.

وجدت تعليقاتٍ كثيرةً، جزء كبير منها يثني على أدائها، وبعضها ينتقد كيف ترقص فتاة بالتنورة، ويقول إن المولوية بدعة وحرام.

شردتْ قليلاً، وفكّرت: "ثمة صعوبة في أن تكوني أنثى في مجتمع شرقي، من دون شك. وأن تكوني أنثى خارجةً عن المألوف، وتتحدى أفكاراً راسخةً في المجتمع، فتلك معضلة حقيقية".

لفترةٍ طويلة، كانت حفلات المولوية، والرقص بالتنورة، في القاهرة، مقتصرةً على الرجال، ولكن منذ سنوات عدة، بدأت الفتيات بتعلّم الدوران، والمشاركة في حفلات صوفية.

تقول راقصة المولوية، أفنان شاهر، لرصيف22: "كثيراً ما تُوصف المولوية بأنها ‘رقصة’، ولكني أراها عبادة أكثر منها رقصاً أو فنّاً، فهي نابعة من كون الشخص يتواصل مع ربّه بشكلٍ معيّن، وأعتقد أن ذلك ليس محرّماً، لأن التواصل مع الله هو المهم، بأيّ شكلٍ من الأشكال، أو أيّ طريقة كانت".

راقصة المولوية أفنان شاهر

تخرجت أفنان عام 2017 من كلية الحقوق في جامعة عين شمس، وتعمل في مجال الفن، وتعلمت المولوية بسبب دورٍ لعبته في مسرحية مقتبَسة عن رواية "قواعد العشق الأربعون"، للمؤلفة التركية إليف شافاك، وبعد ذلك أصبحت هوايتها، ثم احترفتها.

"عام 2015، شاركت في المسرحية التي تتحدث عن الصوفية، وطريقة التقاء مولانا جلال الدين الرومي بالدرويش شمس التبريزي، ودوري فيها كان يتطلب تقديم رقصةٍ في أحد المشاهد، إذ كنت ألعب دور ورد الصحراء، وهي فتاة صغيرة اضطرت إلى العمل كعاهرة، وكانت تحضر دائماً خطباً في الجامع، وهي متخفية في زيّ رجل. وفي إحدى المرات، انزلق وشاحها عن وجهها، وتعرفوا إليها، فضربوها، وطردوها، وكان شمس التبريزي حاضراً، ودافع عنها، وقرر أن يذهب إليها في السرّ، وأقنعها بالتوبة والهروب، وكانت من أوائل من تعلّموا على يده المولوية، وهي رقصة تدعو إلى الحب والسلام"؛ تقول أفنان.

تهذيب للروح وتحرّر من المادية

وعند سؤالها عن البداية، والصعوبات التي واجهتها، أجابت أفنان: "كانت هناك تمارين مخصصة لنا، لتعلم المولوية، تستمرّ ساعات. المدرّب كان يخبرنا بأنه يمكن عدّ المولوية نوعاً مميّزاً من الرياضة، تُخرج السموم من الروح، كما تُخرجها من الجسد. وعندما كنّا نشعر بالتعب، أو الإجهاد، كنّا نصرّ على المواصلة، لأن الأصل هو الشعور بالزهد والانفصال عن الواقع، وتهذيب الروح، والتحرّر من المادية. أيضاً يُعدّ الشعور بالدوار، من أصعب ما قد يواجهه الدرويش في البداية. ولمعالجة هذا الشعور، لا نتناول الطعام لأربع ساعات قبل التمرين، أو الحفل، على الأقلّ. وقبلها، في الصباح، أكتفي بالبسكويت".

منذ سنوات، بدأت فتيات مصريات بتعلّم رقص المولوية، والمشاركة في حفلات صوفية.

"أشعر بإحساسٍ مميّز في أثناء الدوران، فمع الموسيقى والكلمات التي تصف حلاوة القرب من الله، وحبّنا له، أشعر بأنني والكلام شيء واحد، أشرد وأرقص وأنفصل عن الواقع، وأتوه داخل الكلمات، وكأننا مزيج واحد، مثل أمواج البحر"، هكذا تصف حالتها في أثناء رقصها بالتنورة.

وفي كلّ مرة تقدّم أفنان حفلاً صوفياً، تشعر بالتوتر، وأحياناً بالإجهاد، ولكنها تصرّ على تقديم أفضل ما لديها، والتعبير عما تشعر به من خلال رقصها، ومع الوقت، واستحسان الجمهور لذلك اللون من العروض والموسيقى، تشعر بالمسؤولية لتعريف الناس بفلسفة المولوية: "الفكرة مش واخدة حقّها في مصر".

راقصة المولوية أفنان شاهر

مشروع روح

وتشرح لنا أفنان عن دخولها إلى هذا العالم، بالقول: "لم أقرر في البداية احتراف المولوية، ولكن عندما أخبرني الملحن محمد بكر، مؤسس فرقة ‘مشروع روح’، عن فكرته في تأسيس فرقة صوفية يمزج بها بين الثقافات والأديان، وتقديم أنواع مختلفة من الموسيقى لمخاطبة الروح، أياً كانت جنسيتها أو معتقداتها، تحمّست للفكرة، وقدّمنا عروضاً كثيرةً على مدار سنوات".

أكثر التعليقات المزعجة التي تتلقاها أفنان، تدور حول الاستغراب من فكرة فتاةٍ ترقص بالتنورة، والتساؤل: "لماذا فتاة لا رجل؟!"، ومن دون ارتدائها حجاباً، كون أن ما تقدّمه شيئاً دينياً، مع أن ذلك غير صحيح كما تقول.

"أصل الفكرة أننا نخاطب الأرواح عامةً، ونتجلى في حب الله من دون شروط، لذلك ندمج التواشيح الإسلامية بالترانيم المسيحية، وأنواع موسيقى أخرى، منها النوبي وغيرها، وفي العموم أنا أمارس شيئاً فيه تواصل مع ربّنا، وأؤمن بأن تلك العلاقة لا يجب أن تكون فيها أيّ قيود، أو شروط، أو تحكّم".

أيضاً تسمع أفنان تعليقاتٍ حول عدم ارتباط الصوفية بالرقص التنورة من الأساس، وأن المذهب الصوفي لا يحبّذ تلك الرقصات. "بالنظر إلى موطن المولوية الأصلي، نجد أن تركيا مليئة بفتيات وسيدات محترفات في الرقص بالتنورة، وعندما تعلّمتها كانت من أجل مسرحيةٍ مأخوذةٍ عن رواية تركية، وبدور واحدة من أوائل الفتيات اللواتي ساعدن في انتشار المولوية حينها، وكانت وسيلتها للتوبة، لذا فإن ينتقدون الأمر لا يعلمون تاريخ ما أقدّمه ولا فلسفته، وليس عندهم استعداد للمعرفة، أو لاستكشاف الأمر".

أكثر التعليقات المزعجة التي تتلقاها أفنان تدور حول الاستغراب من فكرة فتاة ترقص بالتنورة، والتساؤل "لماذا فتاة لا رجل؟!"، ومن دون ارتدائها حجاباً كون أن ما تقدّمه شيئاً دينياً، مع أن ذلك غير صحيح كما تقول

مولوية للفتيات فحسب

تتابع حديثها: "تلك التعليقات كانت تضايقني، ولكنني تعوّدت وأصبحت أركّز أكثر على تلك المشجّعة التي تفهم ما نقدّمه، وتستمتع به، وهي كثيرة". وتختم: "أتمنى صناعة سلسلة أفلامٍ وثائقيةٍ عن المولوية، ليفهمها الناس، ويتقبّلونها، كما أسعى إلى تأسيس فرقةٍ صوفيةٍ أعضاؤها من الإناث فحسب، سواء المطربات أو الدرويشات أو الموسيقيات، ولذلك سأنظّم عدداً من الورش لتعليم الفتيات رقص المولوية".

تتفق معها الراقصة بالتنورة، سارة كامل، وتقول لرصيف22: "إذا كان الخطاب الديني يحتاج إلى التجديد، فالخطاب الدرويشي يحتاج إليه أيضاً، فمن الضروري تعريف الناس بالمولوية، وتصحيح أفكارهم المغلوطة عنها، وعن الدراويش، مثل أنهم زاهدون في الدنيا، ومتقشّفون، وذلك غير صحيح، لأن الدرويش شخص طبيعي له دور في المجتمع، ويعمل وينتج، وأرى أن كلّ شخصٍ يُحسن التعامل مع من حوله، ولا يؤذي غيره، ويستطيع أن ينجو بروحه في هذا العالم القاسي، درويش.

التطوّع يشغل جزءاً كبيراً من وقت سارة (28 عاماً)، إذ كانت تعلّم الفتيات ركوب الدراجات لكسر حاجز الخوف لديهن، ومساعدتهن على الشعور بالحرية، وحالياً تعلّم الأطفال اللغة العربية بطريقة المونتيسوري. وتقول: "بدأت برقص المولوية عام 2018، وكانت أفنان قد بدأت قبلي، وحالياً عدد الفتيات الراقصات بالتنورة في ازدياد. توقّفت عن الدوران لفترةٍ، بسبب الحمل والولادة، وعدت مرةً أخرى هذا العام".

في البداية، واجهت سارة تحديات عديدة، أبرزها رفض عائلتها للأمر، إذ قاوموا الفكرة، واستغربوها، لأنهم يعتقدون بأنها حرام، مثل كثيرين في مصر، ولكنها حاولت جاهدةً إقناعهم، ونجحت بعد صعوبات، وعندما تزوّجت، وجدت الدعم والتشجيع من شريك حياتها، فهو يحضر كل حفلاتها برفقة ابنهما أيضاً.

راقصة المولوية سارة كامل

تحدٍ آخر تواجهه سارة، يتمثّل في نظرة المجتمع إلى كونها فتاة، وتالياً لا يجب أن تمارس أيّ نوعٍ من أنواع الرقص، إلى جانب عدّ المولوية فنّاً غير ضروري، بل محرّم، وعدّ مشاركتها في الحفلات الصوفية نوعاً من الكُفر.

إذا كان الخطاب الديني يحتاج إلى التجديد، فالخطاب الدرويشي يحتاج إليه أيضاً، فمن الضروري تعريف الناس بالمولوية، وتصحيح أفكارهم المغلوطة عنها وعن الدراويش

"هذا الجانب مظلم بعض الشيء، وأتمنّى تغيير هذه النظرة يوماً ما، وبسبب تلك الأفكار كنت أرفض اللقاءات التلفزيونية والصحافية، وقررت أن أبحث أكثر، وكلما تعمّقت في البحث والقراءة، كلما اقتنعت بما أقدّمه، وازداد إيماني به. كان للتعليقات السلبية أثر إيجابي، إذ دفعتني لأن أفهم أكثر، وعلى الرغم من كثرتها، إلا أنني لم أشعر بالإحباط، أو أفكر في أن أتوقّف يوماً، وهذا هو الحوار الصحافي الأول الذي أجريه، بعد فترة انقطاعٍ كبيرة.

وتستكمل حديثها: "إن لم نحارب كنساءٍ، للحصول على حقوقنا بأنفسنا، فلن يعطينا إيّاها أحد".

راقصة المولوية سارة كامل

الدوران سُنّة كونية

"بالنظر إلى فلسفة رقصة الدراويش، نجد أنها ترتبط بالروح، وكل تفصيلة في الرقصة، فيها معنى معيّن، سواء في ذلك الرداء الأبيض، أو الحركات، فهناك ما يرمز إلى ارتقاء الروح، والاتصال بجذورك في الأرض. الدوران عموماً يمكن عدّه سُنّةً كونيةً، فالقمر يدور حول الأرض، والكواكب تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها، أيضاً الإلكترونيات تدور حول النواة، وفي الخلايا، وهكذا الراقصون بالتنورة"، تقول سارة، وتضيف: "تعلمت من المولوية أن الشيء الذي تفعلينهبقلبك ومن قلبك يظهر للنور مهما كان، عليك أن تكوني صادقةً ومُحِبّةً فحسب".

تختم كلامها: "أتمنّى أن تستعين فرق المولوية الكبيرة والأساسية، في مصر، مثل فرقة عامر التوني، وفرقة المولوية المصرية، بالفتيات، وأحلم بتقديم حفلات مع فرقة المولوية المصرية، لذا أحاول التواصل معهم، ولكن لم أتلقَّ رداً حتى الآن، كما أرتّب لتدريب الفتيات حتى يكون هناك ملجأ آمن لمن تريد تعلم المولوية، من دون التعرّض إلى مضايقات، فوجود مدرّبة فتاة، أو امرأة، بشكلٍ عام، يطمئن الفتيات، ويشجّعهن على تعلّم كل ما يردنه".

الراقصتان أفنان وسارة

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard