شعرت أن الله يدلني على هذا الطريق... لقاء مع مؤسس فرقة المولوية

الأربعاء 22 سبتمبر 202106:24 م

"هي صلاة نرتقي بها ونسعى من خلالها إلى توحيد الشعوب. نحن معنيون بقطاع كبير من الأرض؛ (مش معنى إنك تقدم الحالة جوه مصر إنك تفضل جوه مصر). مصر رمانة الميزان للمنطقة العربية والعالم والمكان الذي ننطلق منه، ونحن من دعاة السلام والمحبة، والطقس الذي نقدمه المقصود به من البداية إشاعة السّلام ونشر المحبة بين البشر حتى يختفي القتل والفساد في الأرض"؛ بهذه الكلمات بدأ عامر التوني مؤسس فرقة المولوية حديثه لرصيف22، والذي كشف من خلاله عن كواليس تدشين الفرقة وانطلاقتها في رسالتها السامية.

بدأ التوني حديثه لنا قائلاً: "نعمل على تحويل الجسد إلى لغة فنية، لإنتاج دلالات خاصة. وحركة الجسد طوال الوقت تدل على الأمور الطبيعية، بينما هنا المتصوفة أو المولوية حولت الجسد كله من كتلة جامدة إلى حركة بناء على تعبيرات روحية، وفي حفلاتنا نسعى دوماً لدراسة ما يشغل المتلقين، لأن البعض يدرك جيداً طبيعة الحركات الدلالاية أو الدلالة الروحية للحركات التي نقدمها في عروضنا، بينما هناك البعض الآخر يرى ما نقدمه حالة تعبيرية أو فنية، ومتوقف عند هذا الحد".

يدرك عامر جيداً أن ما تقدمه الفرقة لم يحظ بالانتشار الذى يستحقه في مصر والدول العربية، ولذلك يعمل جاهداً كي تصل الحالة التي تطرحها الفرقة في عروضها إلى أكبر عدد ممكن، وبالتالي تحدث حالة التلقي للدلالة الروحية للحركات.

يتابع التوني: "ممكن تبقى الدلالة منغلقة على بعض الناس فمش قادرين يتواصلوا معنا، والموضوع كله مرتبط بالحالة الثقافية للبلد نفسه؛ يعني مثلاً بنعمل حفلات في الهند أكثر من مصر. ممكن نقدم حفلة شهرية في القاهرة والإسكندرية، وممكن نعمل 40 حفلة في السنة، لكن في الهند مثلاً نقدم 60 حفلة في العام الواحد، ففي الهند الجمهور بيكون متواصل معنا جداً، لأن الديانات المختلفة هناك خلقت مساحة من التأمل وجعلت الجمهور يتعرض لجزء من الفلسفات الصوفية، وبالتالي يكون قادراً على التواصل مع ما نقدمه، وإحنا بنشتغل على منطقة فيها كثافات من الدلالات، مثل الهند، الصين، تايلاند، سنغافورة، ماليزيا. إحنا متواصلين كويس أوي في المنطقة دي، ولو انتقلنا إلى أوروبا سنتكلم على حياة ثقافية مادية بحتة. وفي المناطق الشيوعية سنجد الجمهور هناك يتبع فلسفات أخرى وحياته كلها عمل، بلا جوانب روحية. بينما في أمريكا بيشوفوا فيك إن الحالة الوحيدة اللي ممكن يتواصل فيها الشرق مع الغرب هي الصوفية، ولذلك جمهورنا كبير في أمريكا، فنقيم الحفلات هناك في الساحات لأن المسارح لا تستوعب أعداد الجمهور، وهو نفس ما يتكرر في المغرب، وكذلك فرنسا اللي تحتضن أيضاً دلالات فنية كثيرة جعلت منها سوق فني كبير يتحرك بداخله المزيج العربي والإفريقي والأوروبي".

حولنا الجسد من كتلة جامدة إلى حركةٍ بناءً على تعبيرات روحية، وفي حفلاتنا نسعى دوماً لدراسة ما يشغل المتلقين

من بين حفلاته الخارجية يتوقف عامر التوني أمام حفل أحياه في الدنمارك، والمعروف هناك أن أي فاعليات فنية لابد وأن تنتهي في الثامنة مساءً، لأن المواطن الدنماركي لابد أن يكون في سريره في تمام التاسعة، غير أن حفلة "المولوية" بدأت متأخراً، في نفس توقيت نوم الشعب الدنماركي واستمرت حتى دقات الثانية عشرة ليلاً، ومع ذلك لم ينصرف أحد من الجمهور، لدرجة أن أعضاء السفارة المصرية استغربوا الأمر.

يعود التوني بالزمن إلى الوراء وتحديداً عام 1994 ليحدثنا عن رحلته مع المولوية: "بدأت مسيرتى المهنية من بوابة الإنتاج الفني، ولإنني لم أكن أمتلك أدوات الإنتاح خسرت أموالى، غير أنى رفضت الاستسلام، وقررت أن أبدأ من جديد فالتحقت بأكاديمية الفنون وأنا في الأساس خريج اللغة العربية ومتذوق للشعر ودرست الشعر الجاهلي والحديث، وتعرفت على كل ألوان الشعر ومدارسه القديمة والحديثة. وبعد فترة من الالتحاق بالأكاديمية شعرت أن الله يدلني على هذا الطريق، ويوجهني إليه وكأنما انتُزعت من منطقة لأخرى، وزاد شغفي حين شاهدت رؤية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعقب الرؤية وجدت نفسى في المنطقة الصوفية بالكامل".

يكمل عن أول حفل له: "أول مرة عملنا عرض كان في تدفق كبير في عدد الجمهور، لأنهم كانوا سامعين كويس جداً عن الفرقة، وفي البدايات اخترت الشعر البسيط حتى أكون قادر على التواصل مع الجمهور ويقدر يفهمني، مثلما اخترت ألحان قريبة من مسامعه ليتجاوب معي، وبعد ذلك ومن خلال الحفلات بدأنا نطور في الشعر واللحن، أما عن اختياري لكلمة المولوية فقد اخترتها كأنما استنطقني الله بها، وزرت كل الطرق الصوفية في بداية التجهيز للفرقة، وتعرفت على الأذكار وأنواعها، وتكفلت وحدي بكل شيء، حتى إني كنت أضع الألحان بنفسي، من خلال اكتشاف الموسيقى الموجودة في كل قصيدة".

"بعد فترة من الالتحاق بالأكاديمية شعرت أن الله يدلني على هذا الطريق، ويوجهني إليه وكأنما انتُزعت من منطقة لأخرى"

يكمل التوني لرصيف22: "بعد فترة من الانطلاقة الأولى بدأت أسافر إلى أكثر من دولة والتقيت أكثر من فرقة حول العالم، وكنا نقضي معاً حوالى شهر، سواءً في الحفلات أو بعيداً عنها، ومن خلال تلك المعايشة كننا ننتج موسيقى خاصة بنا تقفز فوق كل الحدود. أما عن الفرقة الموجودة معي حالياً فبدأ تعاوننا  منذ انطلاقتنا الأولى قبل 26 عاماً حتى تشكلت روح الأعضاء الصوفية، وأصبحنا نفهم بعضنا بعضاً من النظرة بسبب العشرة الطويلة، حتى أن كلاً منا يعرف عائلة الآخر، وإذا كانت هناك مشكلة لأحد من أفراد الفرقة يتدخل الجميع لحلها. والراقص عموماً مالوش سن معين ليعتزل فيه، فطالما الشخص عنده المقدرة على الحركة واللف، فهو مستمر معنا، وأي راقص جديد يحتاج فقط شهر حتى يكون قادر على الدوران بشكل جيد وحتى يتخلص من مشاكل الدوار نهائياً".

وعن السبب الذي حال دون انضمام الفتيات للفرقة يجيب التوني: "بالنسبة للعازفين نضم فتيات ولا مانع في أمر كهذا، أما بالنسبة للراقصين فمسألة مشاركة راقصات أمر صعب؛ بسبب صعوبة ما نقدمه، كما أننا نسافر كثيراً وأحياناً نتعاقد على حفل خارج مصر 72 ساعة قبل الحفل، ولا يمكن أن أجازف بأن أجد أسرة فتاة ترفض سفرها بعد التعاقد على الحفل، فعند ذلك كل الحسابات ستضعنا في مأزق".

يرتدي راقصو المولوية دوماً اللون الأبيض، وهو اختيار له دلالات، يكشفها التوني لرصيف22 ويقول: "الأبيض لون ملابس الإحرام أو الكفن، وهذه دلالة على شلالات النور والفيض، وقد أضفنا لاحقاً ألوان أخرى هي ألوان الطيف من أجل أن تستمر عجلة الألوان، بمعنى أننا نبدأ العرض بالأبيض ثم بمرور الوقت نستخدم التنورة التي تتشابك فيها الألوان".

سألنا التوني هل يمكن أن تتطور رقصات المولوية يوماً لتصبح نوعاً من العلاج النفسي؟ فأجاب دون تردد: "طبعاً، لأنكم حين تبعدون أنفسكم عن المشاكل التي تعيشونها ولو لثوانٍ فأنتم تعملون إحياءً لأنفسكم من جديد. وفي عروضنا يجد المتلقون أنفسهم في رحلة روحية بعيداً عن الأرض، يعيشون بأرواحهم داخل السماء، وحين يخرجون ويهبطون منها، يصبحون مختلفين، وحتى المشاكل تصبح أسهل أمامهم، وقد طالبونا في أكثر من دولة بورش عمل لتعليم المولولوية كحالة علاجية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard