للنساء اللواتي يتقدّمن في العمر: لا تسمحن بالتمييز ضدّكن

الجمعة 17 ديسمبر 202109:24 ص

في العشرينات من عمري، كنت قد وضعت الكثير من الخطط لأحمي نفسي من الهرم، وكي أحافظ على شبابٍ دائم. تخيّلت ممارسة وصفات من الرياضة، والحميات الغذائية، وعمليات التجميل، والسحر الأسود، في سبيل ألا أسقط في براثن مجموعةٍ من الجارات، في أثناء شربهنّ قهوتهنّ، وهن يعلنّ: "حرام شو صارت مأهرمة".

الهرم، وصمة تطال النساء في سنواتهنّ المتقدمة، إن لم يستطعن الحفاظ على صورتهنّ كما في العشرينات من أعمارهنّ. كبرت مع خوفٍ من الهرم، أشبعته بآليات من الدفاع النفسي الواهمة بأنه لن يطالني، وبأنني محصّنة. الآن، ومع مرور أعوامٍ في المنفى، وعلى خلفية هزيمةٍ إنسانيةٍ طالت بلدي، وأهلي، ومع خسارات لا تُعدّ، أجدني قد هرمت، وسقطت أوهام الشباب الدائم.

كبرت مع أساطير تروي أهمية أن نرقص لأزواجنا، وأن نحافظ على وزننا، وأن نهتمّ ببشرتنا. أساطير الحريم المكرّسة لتقديم المتعة. وكنت أخطط ألا أستسلم للتقدم في العمر، وللتجاعيد، ولزيادة الوزن.

في خضمّ الأمومة، والالتزام العائلي والمهني، ومع تحدّيات الحياة، نفقد قدرتنا على التركيز الدائم على إطلالتنا. نسها عن تغييرات وجهنا وجسدنا، وقد لا يعنينا بعض الشيب الأبيض في شعرنا. نجد أنفسنا محاصراتٍ بتقييم يحوّلنا إلى أجسادٍ، ويلغي أعواماً قضيناها في اكتساب خبرات مهنية وإنسانية. لطالما سقطت في فخّ الخطاب الذي يميّز ضد النساء المتقدّمات في العمر، وقد أخذ الأمر منّي وقتاً، كي أستطيع أن أفهم مخاوفي، ونظرتي إلى الأخريات. لذا، تأتي حاجتي إلى تسليط الضوء على آليات هذا الخطاب الذي يجعلنا في قلقٍ دائمٍ لتقدّمنا في العمر، وعلى الثقافة التي تجعل من ذكر أعمار النساء وصمةً يجب إخفاؤها.

يأتي الفعل العامي السوري "تأهرمت"، كفعل يوحي بذنبٍ ارتكبته الموصوفة. فالسيدة التي "تتأهرم"، هي سيدة تساهم في وصولها إلى مرحلة الهرم. أي أن إهمال هذه السيدة، وتقاعسها عن الاهتمام بنفسها، هما ما أدّيا إلى وصولها إلى هذه المرحلة. هنا تكمن إشكالية هذه الوصمة، فهي ليست مجرد تمبيز ضد النساء المتقدّمات في العمر، وتجريماً لهنّ لمساهمتهنّ في خسارة شبابهنّ وجمالهنّ.

كبرت مع أساطير تروي أهمية أن نرقص لأزواجنا، وأن نحافظ على وزننا، وأن نهتمّ ببشرتنا. أساطير الحريم المكرّسة لتقديم المتعة. وكنت أخطط ألا أستسلم للتقدم في العمر، وللتجاعيد، ولزيادة الوزن. لم أعلم أن الظروف التي تعيشها النساء هي التي ترسم الخطوط والعلامات على وجوههنّ، وهي التي تغيّر ملامحهنّ. كنت أظنّ حقيقةً أن إهمال هؤلاء النساء لأنفسهنّ، هو ما يجعل مقاساتهنّ تتضاعف، وظهورهنّ تنحني.

التمييز ضد النساء المتقدّمات في العمر، هو عنف مضاعف يحمل في طياته تمييزاً ضد الكبار في السنّ، وتمييزاً مبنيّاً على أساس الجنس. فهو مرتبط بالتعامل مع النساء كأدواتٍ لتحقيق المتعة للرجال. هذا المنطق يلغي إنسانية النساء، ويشيّئ أجسادهنّ.

كما يمنع التمييز على أساس العمر، تقدّم النساء في العمل، إذ تواجه السيدات في الخمسينيات من أعمارهنّ صعوبةً في الاندماج في سوق العمل الذي ينمطهنّ بالعجز، ويلغي إمكانياتهنّ، ويتجاهل الخبرات التي حققنها.

كبرت مع خوفٍ من الهرم، أشبعته بآليات من الدفاع النفسي الواهمة بأنه لن يطالني، وبأنني محصّنة. الآن، ومع مرور أعوامٍ في المنفى، وعلى خلفية هزيمةٍ إنسانيةٍ طالت بلدي، وأهلي، ومع خسارات لا تُعدّ، أجدني قد هرمت، وسقطت أوهام الشباب الدائم

في دراسةٍ تتحرّى عن قضايا العمر، وصورة الجسد، استهدفت فئاتٍ من النساء والرجال في عمر الجامعة، تبيّن ارتباط قيمة المرأة بالجسد بصورةٍ تشير إلى الهشاشة، بينما يمثّل ارتباط الذكورة بالجسد صورة القوة والسلطة. ثنائية العقل والجسد ترسم لجسد المرأة دلالةً توحي بالاضمحلال، والتداعي، مع التقدّم في العمر، بينما تتّسم الذكورة بالذكاء والتطور مع مرور الزمن، نتيجة تمثيلها صورة العقل.

يبيّن بحث لكلاري كريكولا، ازدواجية الادّعاء الذي يجعل من تقدّم المرأة في العمر، أمراً مؤلماً، ومدعاةً للخزي، لعدم تمكّنها من الاحتفاظ بهيئتها، بما يتطابق مع معايير الجمال الاجتماعية، وتوقعاتها. فالممارسات الاجتماعية تجعل من الشباب معياراً للجمال، وتالياً فإن التقدّم في العمر أمر مخجل. بينما يرتبط تقدّم الرجال في العمر، بالحكمة والنفوذ والسلطة. وحسب الدراسة، النساء يركّزن اهتمامهنّ على طريقة تقديم الجسد، بينما يركّز الرجال اهتمامهم على وظيفة الجسد، حسب الممارسات الاجتماعية، وترميزاتها.

يتم التمييز ضد النساء المتقدّمات في العمر، في قطاعات مختلفة، وخاصةً في مجالات التمثيل والإعلام وغيرها.

يفرض العرف الاجتماعي على المرأة أدواراً محددةً حسب عمرها. هذه الأدوار قد تتعارض مع رغبات المرأة، واحتياجاتها. تتعرض كثيرات من النساء للهجوم، في حال رغبن في الظهور في إطلالةٍ فتّيةٍ، أو في حال اخترن المشاركة في أنشطة تصنَّف حسب العرف، أنشطةً للفئات الأصغر عمراً، حتى وإن كانت السيدات قادراتٍ جسدياً ونفسياً، ومهتماتٍ بالمشاركة فيها. وقد تتعرض هذه السيدات للتنمّر، وبنعتهنّ بمسمياتٍ مهينةٍ، إن حاولن التمرّد على الأدوار المفروضة عليهن حسب عمرهنّ. وبينما يستمرّ القانون في السماح بزواج القاصرات ضمن سياقٍ اجتماعيٍّ يستغلّ القاصرات، يتبين العنف الذي ينتظرهنّ مع تقدمهنّ في العمر، ودخولهنّ ضمن تصنيف اللا مرغوب والقبيح. فهذا الربط المرضي بين الفتوّة والرغبة، يقابله النفور والتقزّز من التقدم في العمر. وفي مقابل هذه المنظومة التي تمنح الرجل السلطة للتحكّم بجسد المرأة، تأتي قصص سيدات تزوّجن بمن هم أصغر منهنّ سنّاً. وعلى الرغم من فارق السنّ غير الكبير في أغلب الحالات، تستمرّ عائلة الزوج، والمجتمع، في التدخل و"تسميم" حياة الزوجين، وتصوير الزوجة كامرأةٍ بائرةٍ، إلى أن تنتهي العلاقة بدفع الرجل للزواج بسيدةٍ تصغره. هذه المكيدة الاجتماعية تحاصر النساء، وتنتصر لمنظومة تقف ضد المرأة مع تقدّمها في العمر.

يتم التمييز ضد النساء المتقدّمات في العمر، في قطاعات مختلفة، وخاصةً في مجالات التمثيل والإعلام وغيرها. وقد بيّنت دراسة للمركز الوطني للبحوث الاقتصادية في ماساتشوستس، أنه يتمّ التمييز ضدّ النساء الأكبر سنّاً، أكثر من الرجال في مثل عمرهنّ. ويتم تنميطهنّ بالكسل، وبعدم الرغبة في العمل، وعدم القدرة على الإنجاز، بسبب تحمّل أعباء الأطفال، أو مسؤولية الوالدين المسنّين.

تتعرض كثيرات من السيدات في مجتمعنا، لخطابٍ لا يتهاون في رسم حدودٍ واضحةٍ تحدد الأدوار الاجتماعية للسيدات ضمن الفئات العمرية المتقدّمة. تتبّدى قضية التقدّم في العمر ضمن قضايا الجندر، وصورة الجسد في المنطقة العربية، كمسألةٍ أساسيةٍ يتمّ تجاهل الأخذ بالنظر بتأثيراتها على المرأة، وإنتاجيتها، ودورها في المجتمع.

وكما في رمزية الأساطير التي تتعاطى مع المرأة المتقدّمة في العمر، كساحرة شمطاء، أو كزوجة أبّ شريرة مليئة بالغيرة والكره، لتبدد جمالها مع تقدّمها في العمر، أمام بياض الثلج وفتوّتها، فإن النساء يصبحن مهدداتٍ بالتهميش، وبخسارة اعتبارهن مع تقدّمهنّ في العمر

ففي مجتمعاتٍ تستمرّ في التعاطي مع المرأة كجسدٍ يُنظر إلى أهليته حسب درجة خصوبته، والتي ترتبط بفتوّته، تصبح السيدات الأكبر سنّاً، حسب المعايير الاجتماعية، بائرات. هذه المعايير تتجاهل قيمة المرأة الفكرية، وإنجازاتها المهنية. وكما في رمزية الأساطير التي تتعاطى مع المرأة المتقدّمة في العمر، كساحرة شمطاء، أو كزوجة أبّ شريرة مليئة بالغيرة والكره، لتبدد جمالها مع تقدّمها في العمر، أمام بياض الثلج وفتوّتها، فإن النساء يصبحن مهدداتٍ بالتهميش، وبخسارة اعتبارهن مع تقدّمهنّ في العمر. ضمن التراتبية التي تعطي الرجل الأفضلية على المرأة، تحتلّ الأخيرة الأصغر عمراً، مكانةً تتفوّق فيها على السيدات المتقدّمات في العمر، واللواتي يتراجعن بصمتٍ إلى زوايا غير المرغوب بهنّ. يجرّم المجتمع المرأة المتقدّمة في العمر، بدل تقديم الدعم والحماية لها، إن كانت بحاجةٍ إليه. ويتجاهل المجتمع جهود النساء، وإمكانياتهنّ وخبراتهنّ التي يراكمنها مع التقدّم في العمر. أحاول في كلّ مرّةٍ، عند سقوطي في فخّ جلد الذات، لعدم قدرتي على الاحتفاظ بصورة العشرينات، تذكّر أنني في كلّ يومٍ يمرّ، أعمل على إنجاز قصّتي الإنسانية الخاصّة، والمميّزة، والتي تتجاوز حدود الجسد والعالم. من المهم فهم أثر المنظومة علينا كنساء، كي لا نستسلم للتهميش والاستضعاف، وكي نتذكّر غنى تجاربنا، وأهمية استمرارنا في العطاء، والاستمتاع بكل لحظات عمرنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard