"لسنا نفس الشخص طوال حياتنا"... كيف تتغير شخصيتنا مع التقدم في العمر؟

الجمعة 11 ديسمبر 202005:09 م

بين المراهقة والبلوغ، نمرّ بمجموعة من التغييرات الجسدية، وننتقل من وظيفة إلى أخرى ومن قصة شعر معيّنة إلى أخرى، كما أن بعض العلاقات تنتهي لتشرع الباب أمام علاقات أخرى. لكن ماذا عن دواخلنا؟ هل تتغير شخصيتنا مع التقدم في السن؟

في الواقع، نحن جميعاً على دراية بالتغييرات الجسدية التي تأتي مع مرحلة الشيخوخة: يفقد الجلد مرونته، تنخفض اللثة، ينبت الشعر في أماكن غريبة في جسمنا بينما يختفي تماماً من أماكن أخرى، كما يحدث تغيير في القامة وفي عظام العمود الفقري... إلا أنه الآن، وبعد عقود من البحث في آثار الشيخوخة، كشف العلماء عن تغيير آخر أكثر غموضاً: لسنا نفس الشخص طوال حياتنا.

الشخصية ليس ثابتة

الشخصية هي نمط الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي ينفرد بها الشخص. يميل الناس للتفكير في الشخصية على أنها ثابتة، وتبقى على حالها في عمر الشيخوخة تماماً كما كانت في مرحلة المراهقة، لكن وفقاً لعلماء النفس، فإن الشخصية هي ظاهرة تطورية وليست مجرد شيء ثابت لا يمكن تجاوزه.

فقد أظهرت الدراسة، وهي الأولى من نوعها التي تختبر شخصيات الأشخاص في مرحلة المراهقة ومرة أخرى في سن الشيخوخة، أنه بالمقارنة مع ذواتهم الأصغر سناً، بالكاد يمكن التعرّف على شخصيات معظم الناس في سن الرشد.

لقد حقق علماء النفس في جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة في كيفية تحول سمات الشخصية مع تقدم الناس في السن، باتباع مجموعة من البالغين الإسكتلنديين من سن المراهقة إلى الشيخوخة.

يميل الناس للتفكير في الشخصية على أنها ثابتة، وتبقى على حالها في عمر الشيخوخة تماماً كما كانت في مرحلة المراهقة، لكن وفقاً لعلماء النفس، فإن الشخصية هي ظاهرة تطورية وليست مجرد شيء ثابت لا يمكن تجاوزه

ووصل الباحثون إلى بيانات من دراسة أجريت في العام 1950، حيث قامت مجموعة من المعلمين بملء تقييمات شخصية لأكثر من 1200 طالب في سن الرابعة عشر عاماً. تم قياس بعض السمات الأساسية للشخصية، مثل الثقة بالنفس، الضمير، المثابرة، الرغبة في التفوق، الأصالة واستقرار الحالة المزاجية.

وبعدها في العام 2012، تمكن الباحثون من تعقب الطلاب من الدراسة السابقة، ومن بين 635 مشتركاً تمكنوا من تحديد مكانهم، وافق 174 مشتركاً على إجراء اختبار شخصية مشابه للاختبار الذي شاركوا فيه قبل 63 عاماً.

وقام المشتركون الذين يبلغ متوسط أعمارهم 77 عاماً، بملء تقييم شخصي يقيس نفس الخصائص الست التي تم تصنيفهم على أساسها كمراهقين، هذا وقد أحضر الباحثون شخصاً قريباً من المشتركين لتقييمهم باستخدام نفس مقياس الشخصية.

عند مقارنة نتائج الاختبار السابقة والحالية، تفاجأ الباحثون بعدم وجود أي تداخلات تقريباً. كانت السمات الوحيدة التي كان لها بعض الثبات المعتدل هي استقرار الحالة المزاجية والضمير، لكن الترابط لم يكن قوياً.

وبالتالي، يبدو أن الذات الأصغر والأكبر لا تحمل أي تشابه بين كل شخص، الأمر الذي دفع العلماء للقول إن "الأمر كان كما لو كانت الاختبارات الثانية قد أعطيت لأشخاص مختلفين"، مشيرين إلى أنه كلما طالت الفترة الفاصلة بين التقييمين للشخصية، كلما كانت العلاقة بين الاثنين أضعف: "تشير نتائجنا إلى أنه عندما يتم زيادة الفاصل الزمني إلى 63 عاماً، تكاد لا توجد أي علاقة على الإطلاق. تتغير الشخصية بشكل تدريجي فقط طوال الحياة، ولكن مع تقدم العمر قد تكون مختلفة تماماً عن الشخصية في الطفولة".

والحقيقة أنه يمكن إرجاع استقرار الشخصية كتركيبة نفسية إلى ويليام جيمس، أب علم النفس الأميركي، الذي قال في العام 1890 إنه بعد سن الثلاثين، تصبح الشخصية "مثل الجص"، معتبراً أنه بمجرد بلوغنا سن الرشد، من غير المرجح أن تتغير شخصياتنا بأي طريقة مهمة، بما معناه أن مرونة الشخصية- مقياس لمدى تغير سمات شخصيتنا- تنخفض عندما يتجاوز الشخص مرحلة البلوغ، غير أن النتائج الجديدة تدعم فكرة أن الشخصية قد تكون أكثر مرونة مما كان يعتقد العلماء.

كيف تتغير الشخصية مع الوقت؟

يود معظمنا التفكير بأن شخصياتنا تكون مستقرة نسبياً طوال حياتنا، لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا ليس هو الحال، بحيث تبيّن أن شخصياتنا مرنة وتتغير سماتنا باستمرار.

واللافت أن هذا التغير التدريجي لشخصياتنا له بعض المكاسب المفاجئة: نصبح أكثر وعياً وقبولاً وأقل عصبية، كما أن مستويات سمات شخصية "الثالوث المظلم" Dark triad، الميكافيلية، النرجسية والاعتلال النفسي، تميل أيضاً إلى الانخفاض، ومعها خطر السلوكيات المعادية للمجتمع، مثل الجريمة وتعاطي المخدرات.

وقد أظهرت الأبحاث أنه مع الوقت نتطور إلى أفراد أكثر ثقة، تزداد قوة إرادتنا ونطور إحساساً أفضل بالفكاهة، بالإضافة إلى التمتع بقدر أكبر من التحكم بالعواطف.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال عالم النفس رينيه ميتوس: "يصبح الناس أجمل وأكثر تكيفاً اجتماعياً. إنهم قادرون بشكل متزايد على الموازنة بين توقعاتهم الخاصة للحياة ومطالب المجتمع".

وعليه، فإن الصورة النمطية لكبار السن على أنهم أناس غاضبون تحتاج إلى إعادة المراجعة.

نضج الشخصية

يطلق علماء النفس على عملية التغيير التي تحدث مع تقدمنا في العمر "نضج الشخصية"، ويكون هذا التغيير تدريجياً وغير محسوس، يبدأ في سنوات المراهقة ويستمر حتى عقدنا الثامن على الأقل على هذا الكوكب.

ومن المثير للاهتمام أن هذا الاتجاه يُرى في جميع الثقافات البشرية، من غواتيمالا إلى الهند.

ونظراً لكون نضج الشخصية هو أمر عالمي، يعتقد بعض العلماء أنه وبعيداً عن كونه أثراً جانبياً عرضياً لامتلاك وقت أطول لتعلم القواعد، فإن الطرق التي تتغير بها شخصياتنا قد تكون مبرمجة وراثياً، وقد تتشكل حتى بواسطة قوى التطور.

معرفة أن شخصياتنا مرنة وتتغير طوال حياتنا، سواء أردنا ذلك أم لا، يعني أنه بوسعنا التكيف والتعامل مع التحديات التي تفرضها علينا الحياة، كما أن ذلك يمنحنا جميعاً شيئاً ما نتطلع إليه مع التقدم في العمر، لمعرفة ما سنكون عليه في المستقبل

من ناحية أخرى، يعتقد البعض أن شخصياتنا تتشكل جزئياً بواسطة عوامل وراثية، ثم تتشكل بفعل الضغوط الاجتماعية على مدار حياتنا.

على سبيل المثال، وجد بحث أجراه عالم نفس الشخصية في جامعة كاليفورنيا، ويبكي بليدورن، أنه في الثقافات التي يُتوقع أن يكبر فيها الناس بسرعة أكبر، يتزوجون، يبدأون في العمل ويتحملون مسؤوليات الكبار، أي أن شخصياتهم تميل إلى النضج في سن أصغر، كوسيلة لمواجهة تحديات الحياة.

في الختام، إن معرفة أن شخصياتنا مرنة وتتغير طوال حياتنا، سواء أردنا ذلك أم لا، يعني أنه بوسعنا التكيف والتعامل مع التحديات التي تفرضها علينا الحياة، كما أن ذلك يمنحنا جميعاً شيئاً ما نتطلع إليه مع التقدم في العمر، لمعرفة ما سنكون عليه في المستقبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard